فايننشال تايمز: على نتنياهو سحب إصلاحاته القضائية فخلافات إسرائيل تحرفها عن التحديات الخارجية

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:

قالت صحيفة “فايننشال تايمز” إن على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الانسحاب من خططه لإصلاح القضاء وليس التأجيل.

فمع أنه أذعن للضغوط العامة يوم الإثنين وقرر تأجيل الإصلاح القضائي المثير للخلاف والذي دعمه شركاؤه المتطرفون في الحكومة، واعترف بمخاطر اندلاع حرب أهلية نظرا للتظاهرات الحاشدة والإضرابات التي أدت لشل الحياة في إسرائيل، ولكن الأزمة لم تنته بعد.

فاللغة التي استخدمها رئيس الوزراء كانت واضحة وأنه قرر التوقف التكتيكي لتجاوز العصيان المدني، فنتنياهو يحاول شراء الوقت. ولن يختفي التهديد على الديمقراطية الإسرائيلية طالما ظل اليمين المتطرف يهيمن على الحكومة، وما يحتاجه نتنياهو هو التنازل الدائم عن السياسات والابتعاد عن السياسيين الذين أدخلوا إسرائيل في أخطر أزمة تواجهها منذ إنشائها قبل 75 عاما.

وبدلا من محاولة الحوار مع منتقديه اتهم نتنياهو أقلية “متطرفة” وحملها مسؤولية التظاهرات التي كشفت عن معارضة واسعة لخططه، مع أنه نفسه والداعين للتفوق اليهودي في حكومته من عرضوا البلد للخطر.

وبدأت مشاكل إسرائيل العام الماضي عندما قام بقيادة تحالف للنصر في انتخابات أدت لدفع أكثر الجماعات المتطرفة من الهامش إلى مركز السياسة الإسرائيلية. وقام من أجل العودة إلى السلطة بعد 18 شهرا في المعارضة بتشكيل تحالف ضم أحزابا صهيونية دينية وأحزابا متطرفة بشكل غير عادي. ومنح الوزارات المهمة للقوميين المتطرفين المعادين للعرب والراغبين بضم الأراضي الفلسطينية المحتلة. وما جمع هذا التحالف الخليط هو معارضته لسلطات القضاء، الدعامة المهمة في بلد ليس لديه دستور أو غرفة عليا في البرلمان. ومن بين الإصلاحات المقترحة السماح للحكومة تجاوز قرارات المحكمة العليا بأغلبية بسيطة ومنح الساسة سلطة تعيين القضاة.

وإجراءات كهذه ستضعف ما تبقى من ضوابط وآليات على الفرع التنفيذي وتقوض أساس الديمقراطية في “الدولة اليهودية”. يحدث كل هذا ونتنياهو يحاكم بتهم الفساد والاحتيال وخيانة الأمانة.

وعبر مئات الآلاف من الإسرائيليين الذين خرجوا إلى الشوارع عن خوف من محاولة استيلاء على السلطة تحت عباءة انقلاب تشريعي. واتحد المصرفيون والأساتذة والطلاب وخبراء القانون وضباط الأمن في معارضتهم لخطة نتنياهو. وفي صورة مثيرة للعصيان المدني، رفض جنود الاحتياط بمن فيهم وحدات استخبارات وضباط طيران التدريب.

وعبر يوآف غالانت وزير الدفاع ومن حزب الليكود عن خوفه من التهديدات على أجهزة الأمن الإسرائيلي وخرج للعلن يوم السبت وحث الحكومة على تأجيل الخطة. وبدلا من الاستماع لنصيحة حليفه قام نتنياهو بطرده، مما اقترح أن رئيس الوزراء كان يغلب مصلحته الشخصية على المصلحة العامة ولم يتزحزح إلا عندما هددت نقابات العمال بالإضراب.

وتقول الصحيفة إن المفارقة هي أن اليهود الإسرائيليين أجبروا على مواجهة التناقض في ديمقراطيتهم. وبالنسبة للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويواجهون التمييز على قاعدة يومية، فالزعم بأن إسرائيل هي ديمقراطية كلام غير صحيح.

وهذا الكلام يصح أكثر على الفلسطينيين الذين يكافحون في المناطق المحتلة. ويخشون من دفعة الحكومة لتسريع الضم الزاحف للضفة الغربية المحتلة، وفي هذا الشهر عدل نواب الكنيست قانونا أمر بإخلاء أربعة مستوطنات يهودية وتفكيكها. وكان أول عمل للتحالف الحكومي هو المصادقة على تسع “بؤر” استيطانية والتي اعتبرها حتى القانون الإسرائيلي غير شرعية، ولا ريب أن إضعاف القضاء سيقوي من أهداف التوسع هذه.

وترى الصحيفة أنه يجب تحية الإسرائيليين الذين خرجوا إلى الشوارع، ولكن المعركة أكبر من كونها على إصلاحات قضائية، بل على روح “الدولة اليهودية”، ويجب عدم السماح لنتنياهو وشلته بالفوز، وسحب الإصلاحات القضائية هو البداية.

عاصفة قادمة

وفي مقال آخر نشرته الصحيفة للسفير الأمريكي السابق في إسرائيل مارتن إنديك، قال فيه إن الخلاف حول خطط نتنياهو ضد المحكمة العليا تحرف نظر إسرائيل عن العاصفة القادمة، ورغم أن الوقفة هي لشهر من أجل التوافق على تسوية؛ إلا أن أعداء إسرائيل وأصدقاءها ينظرون ويتساءلون إن كانت هذه الدولة القوية في الشرق الأوسط استسلمت لنفس الخلافات الداخلية التي قطعت أوصال جيرانها، وفترة الراحة ستكون قصيرة لأن الطرفين في النزاع بعيدان كل البعد عن بعضهما البعض، فالحكومة تريد سيطرة كاملة على المحكمة من أجل دعم أهداف اليمين المتطرف والديني، وتريد المعارضة حماية المحكمة العليا عبر إحباط الحكومة. وكل طرف يعتقد أنه محق، فالحكومة تقول إن من حقها مواصلة أجندتها لأنها منتخبة، لكن كل طرف في تحالف الحكومة له مصلحته من الخطة، فالصهيونية الدينية تريد منع المحكمة من حماية حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية، أما الأحزاب الأرثوذكسية فتريد منع المحكمة من إرسال طلاب المدارس الدينية “يشيفا” للجيش، ويريد نتنياهو منعها من إرساله للسجن.

وترى المعارضة العلمانية أن وقف الخطة يعني حماية استقلالية المحكمة والديمقراطية وطريقة حياتهم، وحققت المعارضة هذه انتصارا كبيرا، وتعرف ما تفعله في المرة القادمة.

ويعلق الكاتب “شهرا قبل توقف الكنيست لا يكفي للمصالحة، لأن كل طرف يعرف أنه سيربح لو لم يقبل التسوية، وربما لعبوا على الوقت لحين اقتراب عقارب الساعة من النهاية وعندها يبدأون بلوم بعضهم البعض.

وأدى انشغال صناع السياسة الإسرائيلية بالمشاكل الداخلية لحرف نظرهم عن التعامل مع القضايا الخارجية، ففي الضفة الغربية والقدس الشرقية يتدهور الوضع، وكلما زاد كما يقول “الاحتكاك” بين الفلسطينيين والمستوطنين والجيش يزداد عدد القتلى.  وقال إن هناك عدة عوامل تساهم في تدهور الوضع، من السلطة الوطنية الضعيفة إلى الجيل الفلسطيني الشاب الذي لجأ للسلاح والمستوطنين الذين يضعون ثمنا على أهداف كما فعلوا مع حوارة، إلى جانب حكومة يحرض الوزراء المتطرفون فيها على العنف.

وآخر ما يريده نتنياهو هو انفجار العنف، لكن شركاءه في الائتلاف ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش مصممان على تبني مدخل مناقض وإطلاق تصريحات نارية ورفض التنازلات التي كان نتنياهو مستعدا للقيام بها للفلسطينيين في مجال موارد الضريبة وتصاريح العمل. ويؤثر سلوكهم في تدهور العلاقات مع الأردن والدول الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية، حيث أجلت الإمارات زيارة نتنياهو إلى أبو ظبي، في وقت تصالحت فيه السعودية مع عدوته إيران، وهو الذي كان يأمل بفتح علاقات دبلوماسية مع المملكة.

وتسير إيران نحو برنامجها النووي، حيث قدم المسؤولون الأمريكيون شهادة حول حاجتها إلى 12 يوما لتخصيب يورانيوم نقي للقنبلة، ونجا النظام الإيراني من تظاهرات المرأة على الأقل في الوقت الحالي، وأقام علاقات مع روسيا والصين، وسيتلقى أسلحة متقدمة من روسيا مكافأة له على دعمها في أوكرانيا.

وحتى هذا الوقت امتنعت إيران عن بناء القنبلة النووية خوفا من عملية وقائية إسرائيلية أو الانتقام الأمريكي. وقد استنتجت أن أمريكا منشغلة بمناطق أخرى غير الشرق الأوسط، وربما استنتجت من الخلافات الداخلية الإسرائيلية أنها تستطيع القيام بهذا دون خوف من انتقام.

وكل هذا مثير لخوف إدارة جو بايدن التي اعتمدت على إسرائيل للحفاظ على المنطقة الملتهبة، وتلقت على مدى العقود دعما ماليا وعسكريا لقاء هذا الدور. ولم تضعف الخلافات الداخلية حكومة نتنياهو عن هذا الدور، بل وأدت الخلافات حول الضم والاستيطان للاحتكاك مع واشنطن. واستدعي سفير نتنياهو في واشنطن إلى وزارة الخارجية للتوبيخ، ولم يعلن بعد عن الزيارة التقليدية لرئيس الوزراء إلى البيت الأبيض. وتدخل بايدن مرتين لإقناع نتنياهو التراجع عن إصلاحاته القضائية، وعمل مع مصر والأردن وإسرائيل لمنع العنف في المناطق الفلسطينية كما وأجرت القوات الأمريكية مناورة عسكرية كبيرة كتحذير إلى إيران. وربما لم تنفع هذه المساعدات لو تدهور الوضع الداخلي والخارجي الإسرائيلي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية