لندن- “القدس العربي”:
قال المعلق إدوارد لوس، إن مؤتمر الديمقراطية الثاني الذي ترأسه الرئيس الأمريكي جو بايدن هذا الأسبوع، يعطي صورة غير مريحة عن أجندة الديمقراطية، وهو افتراضي وسوريالي.
وجاء في مقاله بصحيفة “فايننشال تايمز” أن الولايات المتحدة لا تزال تفتقد النهج الفعال نحو الجنوب العالمي. ولو تعلمت درسا واحدا في القرن الحادي والعشرين، فهو أن الديمقراطية لا تقام تحت تهديد السلاح. فالذكرى العشرون لغزو العراق، هي تذكير للأمريكيين بذلك الأمر.
وقال الكاتب إن قمة بايدن الثانية غريبة وافتراضية، ومن بين المشاركين فيها، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي يعمل على سجن زعيم المعارضة راحول غاندي، بناء على قضية تشهير واهية. وأيضا إسرائيل التي يقوم رئيس وزرائها بمحاولة لتحييد القضاء وتجريده من الاستقلالية، وكذا الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لويبز أوبرادور، الذي يحاول إنهاء العملية الانتخابية الحرة والنزيهة. ويقول الكاتب: “بأصدقاء كهؤلاء، فالديمقراطية قطعا لا تحتاج لأعداء”.
ويشير الكاتب إلى أن أهداف بايدن نبيلة، ومن الملاحظ عدم دعوة هنغاريا وتركيا اللتين تعتبران في أوروبا “غير ليبراليتين”. لكن الرسائل لدعم الديمقراطية ووسيلتها مشكوك فيها.
وبحسب معهد الأبحاث السويدي، فثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون اليوم في ظل حكومات استبدادية، مقارنة مع النصف قبل عقد من الزمان. ويبرر هذا التحول القائم استخدام مصطلح “الركود الديمقراطي” الذي أصاب العالم. فمن الصعب مثلا، التفكير بإقدام روسيا ليبرالية على غزو جارتها أوكرانيا. وبنفس المثابة، من الصعب التفكير بأن أوكرانيا مستبدة كانت ستقاتل دفاعا عن نفسها ضد الغزو.
وعليه، فمن المنطق تفكير الولايات المتحدة بأن نشر الديمقراطية مصلحة قومية، والمشكلة هي أن أمريكا لا تحسن عملية النشر، وليست سفيرا جيدا. فلا يوجد مكان أرسلت إليه الولايات المتحدة السلاح والمال أكثر من الشرق الأوسط. وكانت الثمار الديمقراطية وبشكل موحد سلبية. والدولة العربية الوحيدة التي تحولت للديمقراطية كانت تونس، وخسرتها قبل فترة في انقلاب الرئيس قيس سعيد.
وفي الوقت نفسه، تواجه الديمقراطية في إسرائيل امتحانا، وهي معلقة في الهواء، وعلينا ألا ننسى أن الدولة اليهودية ليست ديمقراطية بالضبط، بسبب الأراضي العربية التي تحتلها.
وقد انسحبت سارة مارغون التي اختارها بايدن لقيادة جهود حقوق الإنسان التي تدعمها الإدارة الأمريكية، في كانون الثاني/ يناير عندما أصبحت هدفا لنقد أعضاء مجلس الشيوخ لأنها انتقدت إسرائيل.
وكان النجاح الأمريكي الوحيد في الترويج للديمقراطية هي خطة مارشال لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولأن مصير الديمقراطية سيقرر في الجنوب العالمي، فمن الجيد والبراغماتي سؤال الأجزاء فيه والتي لا تقع ضمن المحور الغربي أو المحور الصيني- الروسي. وبالنظر إلى سجل تصويتها في الأمم المتحدة، فدول عدة من الجنوب لا يهمها مصير أوكرانيا، ويقولون إن الغرب لا يهتم كثيرا بالنزاعات الجارية في بلادهم.
وكما قال وزير الخارجية الهندي، أس جي جيشكنكار، في العام الماضي: “يجب على أوروبا أن تكبر وتخرج من عقلية أن مشاكلها هي مشاكل العالم، ولكن مشاكل العالم ليست مشاكل أوروبا”، وما عناه المسؤول الهندي في الحقيقة هو الغرب بشكل عام، لكنه كان حذرا من شمل الولايات المتحدة بنفس الطريقة التي يحذر فيها بايدن من الإشارة إلى التراجع الديمقراطي في الهند، لأنهما بحاجة لبعضهما البعض في مواجهة الصين.
وهناك تبدو الأمور صعبة أكثر، فمعاملة الهند للأقليات المسلمة هي بلا شك سيئة، مثل سياسات الصين في إقليم شنجيانغ. ووصفت وزارة الخارجية الأمريكية ما يجري في الإقليم الصيني بالإبادة، وهي أخطر إدانة ممكنة للصين، ولكن لم يسمع ولا صوت واحد من واشنطن حول ما يجري في كشمير.
وتحاول إدارة بايدن تقديم سياسة متماسكة نحو عالم الجنوب، مع أن المسؤولين فيها يعترفون بأن عملهم يتطور، مقابل الصين التي ضخت المال للعالم النامي أكثر من كل الغرب، مخلفة آثارا جيدة وسيئة.
وفي النهاية، فالتحول للديمقراطية هو بيد الماليين والكمبوديين والبوليفيين، والطريق الوحيد لتحفيزهم نحو هذا الطريق، هو التوقف عن إلقاء المحاضرات والاستماع أكثر لتظلماتهم.