لندن-“القدس العربي”:
كتب المعلق ديفيد غاردنر في صحيفة “فايننشال تايمز” معلقا على نتائج الانتخابات البلدية التركية والتي أظهرت هزيمة واضحة للحزب الحاكم الذي يقوده الرئيس رجب طيب أردوغان.
وأشار إلى الجولات الماراثونية التي قام بها الرئيس أردوغان على مدى الشهرين الماضيين واعتبر فيها الانتخابات البلدية مسألة “بقاء” لتركيا. وحذر الرئيس من التهديدات التي تواجه البلاد من خلال شبكة مؤامرات محلية وخارجية تطمح لتدميره وبلده المسلم. ويعلق غاردنر أن خسارة أردوغان العاصمة أنقرة وإسطنبول على أكبر احتمال، وهي المدينة التي بدأ فيها حياته السياسية كعمدة لها عام 1994 تعطي صورة أنه لم يربح المعركة. ويقول إن على المراقبين أن يتجاوزوا كلامه المبالغ فيه. ومن الغريب أن يقوم زعيم مثله بالتعامل مع قضية انتخاب رؤساء بلديات، ومن رجل فاز في 14 عملية انتخابية منذ عام 2002 ومنح لنفسه سلطات خاصة تفوقت على سلطات البرلمان والقضاء وقضى على الإعلام المستقل. ومع ذلك يجب التعامل مع أردوغان بناء على ما يقوله. وهو يعني ما يقول، فخسارة العاصمة ليست مثل خسارة إسطنبول، قلب تركيا. فكعمدة سابق لها يعتقد أن حكم البلاد لا يتم بدون التحكم في عاصمة الخلافة العثمانية السابقة. وفي خطاب أمام حزب العدالة والتنمية عام 2017 قال فيه” لو تعثرنا في إسطنبول فسنفقد طريقنا في تركيا”. كان هذا عندما قرر عقد استفتاء لتحويل الدولة من نظام برلماني إلى رئاسي. صحيح أنه فاز في الاستفتاء وعززت سلطته الرئاسية إلا أن الأغلبية التي حصل عليها كانت بهامش قليل. ومع إسطنبول هناك 13 مدينة من 20 مدينة تعتبر قلب الإنتاج الاقتصادي صوتت ضده.
لهذا السبب يتعامل أردوغان الذي يلتقي بشكل دوري مع الرئيس فلاديمير بوتين ويتبادل اللكمات مع الرئيس دونالد ترامب مع الانتخابات البلدية كتهديد وجودي. وقال غاردنر إن الفسحة الباقية بين انتخابات اليوم والانتخابات الرئاسية في عام 2023 يجب أن تكون مساحة للتفكير. إلا أن شخصية أردوغان كرجل لا يتعب من الحملات الانتخابية تعني أنه سيواصل الحرب. فقد أظهر هو وحزبه ورغم السجل الانتخابي الذي لا ينافس أن لديهم نزعة للعمل عبر قطبية ثنائية، فحزب العدالة والتنمية هو حزب حاكم وحركة معارضة في نفس الوقت، وهو نخبة إسلامية جديدة لا تزال تشعر بأنها غير مقبولة داخل المؤسسة العلمانية التركية القديمة. وهذه القطبية تفسر السبب الذي جعلت نسبة 81% من الناخبين خرجوا للمشاركة في الانتخابات. وهذا دليل على التصميم والانقسام الديمقراطي في الهوية التركية والتي احتكرها أردوغان لزمن طويل. وسيطر حزب الشعب الجمهوري على أنقرة وعدد من الحواضر والمدن الساحلية فيما سيطر حزب يساري مؤيد للأكراد على مناطق الشرق. ورد أردوغان على هذه النكسة في الساعات الأولى من صباح الإثنين بكلمات مخففة للألم ومن رجل يعرف الوضع الاقتصادي. فقد تصدع نموذجه القائم على القروض الكبيرة والإنشاءات الضخمة في العام الماضي بعدما تعرضت الليرة التركية لأزمة. فالعجز المزمن في الميزانية أدى لانكماش مؤقت بسبب الركود وهو ما أدى إلى تراجع قيمة الليرة أمام الدولار وزيادة الأسعار. ولم يطمئن كلام أردوغان الذي حاول تصوير ما حدث بالمؤامرة لا المستثمرين ولا الناخبين.
ويرى الكاتب أن التركيز على أيديولوجية حزب العدالة والتنمية يقيد طريقة فهمنا لنجاح الحزب وأنه مرتبط بالنمو الاقتصادي وتوزيع المنافع، إلا أن قاعدة الحزب وإن ضمت ناخبين ملتزمين بالدين ومحافظين تقليديين إلا أن العامل الرئيسي لنجاح “الأردوغانية” هي تبينها لهم بطريقة لم تفعلها الكمالية. فأردوغان ونموذجه لم يمنحهم الهوية فقط ولكن المنافع الملموسة مثل المدارس والعيادات. وأصبحت القدرة على توفير المنافع محلا للتساؤل. خاصة أن الحزب فقد البعد الرعوي المهم لتوفير الخدمات العامة. وأدى اعتماد الحزب على الأحزاب القومية المتطرفة إلى تراجع تأثيره. ومنحت تحالفات الحزب هذه الجماعات الفرصة للسيطرة على عدد من الأقاليم. وهو ما يعقد من المهمة أمام أردوغان للتخلص من المواجهة مع الولايات المتحدة والتي تفاقمت الأزمة معها بقراره شراء منظومة الصواريخ الروسية أس-400. وهو في تضارب مع روسيا وأمريكا من خلال تعهده بغزو شمال-شرق سوريا لمنع ولادة كيان كردي في تلك المنطقة. فالأكراد الذين يعتبرهم جزءا من حزب العمال الكردستاني المعادي للدولة التركية، يتلقون دعما من أمريكيا ويتفاوضون في الوقت نفسه مع النظام السوري الذي تدعمه روسيا. وفي تجمع انتخابي عقد في إسطنبول، الأسبوع الماضي تعهد بحل المشكلة السورية في “الميدان لا على طاولة المفاوضات”. وينهي الكاتب بالقول إن أردوغان لم ينج طوال هذه السنوات صدفة أو من خلال السكوت. ومع كل القوة التي يملكها عليه الاعتراف أن سلطته تترنح.