زعماء دول الخليج في قمة العلا التي عقدت في يناير 2021
لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده أندرو إنغلاند وصف فيه مزاج خفض التصعيد في العالم العربي بين الأعداء والمتنافسين في المنطقة. وقال إن لقاءات سرية عقدت بين دول متنافسة، وتم تبادل رسائل بين القادة الذين كانوا أعداء، وخففت شبكات التلفزة للأنظمة المتعارضة من لهجتها.
وكل هذا غذى مزاج خفض التصعيد الذي يتجذر الآن بين دول كانت متنافسة بشكل دائم، وهو أمر لم يكن متوقعا قبل 18 شهرا في منطقة تعاني من التنافسات والانقسامات الطائفية.
وينسب المسؤولون العرب التوجه الحذر إلى تلاقي عدد من العوامل منها انتشار فيروس كورونا وأثره الاقتصادي المدمر، وانتخاب جوزيف بايدن في الولايات المتحدة. ودفعت هذه العوامل مجموعة من قادة الشرق الأوسط لتعديل سياستهم الخارجية.
انتشار فيروس كورونا وأثره الاقتصادي المدمر، وانتخاب جوزيف بايدن، عاملان دفعا مجموعة من قادة الشرق الأوسط لتعديل سياستهم الخارجية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول عربي بارز قوله: “سئم الجميع من تعقد الأمور، وعليك ألّا تقلل من الأثر الاقتصادي الذي تركه كوفيد- 19، وتقول: أنظر لم نكن قادرين على التقدم حتى نحقق الاستقرار السياسي.. نحن بحاجة للوظائف ونريد اقتصادا قويا ولا نستطيع عمل هذا إن لم نكن نتحدث لبعضنا البعض”.
ويحذر الدبلوماسيون والمحللون من أن التطورات هي تعبير عن سلام بارد وتحول براغماتي عن الفترة المضطربة لرئاسة دونالد ترامب، حيث فاقمت عدوانيته ضد إيران التوترات.
وأضافوا أن هذا السلام البارد قد يعطل بسهولة. فاتهام إيران هذا الشهر بالوقوف وراء الهجوم على ناقلة مرتبطة بإسرائيل، والمناوشات الحدودية بين حزب الله اللبناني المدعوم من إيران، وإسرائيل، تؤكد أن التوتر قد يزداد في أية لحظة، كما أن ارتدادات انتصار طالبان في كابول ستصل إلى المنطقة.
ويقول إيميل هوكاييم من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية: “خفض التوتر هذا هو هشّ؛ لأنه نتاج ظروف إقليمية مؤقتة، ولا يعبر عن تغير واسع في العقلية”. وسيكون الامتحان الأول لهذا الزخم، هو الجهود العراقية التي يدعمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإقناع قادة المنطقة بحضور مؤتمر “الجيران” في بغداد نهاية هذا الأسبوع. ولو حضر المسؤولون السعوديون والإيرانيون، فستكون المرة الأولى التي يظهرون علنا في مناسبة إقليمية منذ قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2016. وعلق مسؤول عراقي: “إقناع الجميع بالجلوس حول الطاولة سيساعد على تقوية المزاج باتجاه خفض التصعيد”.
واستضافت بغداد لقاءات سرية بين المسؤولين السعوديين والإيرانيين. وكشفت “فايننشال تايمز” أول مرة عن هذه المحادثات، حيث تم عقد ثلاث جولات منذ نيسان/ أبريل حسب أشخاص على اطلاع بالتطورات. وقال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي واجه العام الماضي وباء كورونا وهبوطا في أسعار النفط، إنه يريد بناء علاقة “جيدة وإيجابية” مع الجمهورية الإسلامية. وردّت إيران على التصريحات بالمثل، وقال الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي إنه يريد “مدّ يد الصداقة والأخوة” للجيران. وقال مسؤول داخل النظام، إن طهران قد تستخدم السعودية للحد من نشاط إسرائيل المتزايد في منطقة الخليج.
وركزت المحادثات السرية بين إيران والسعودية على حرب اليمن والحركة الحوثية التي دخلت السعودية اليمن من أجل وقف تقدمها وإخراجها من صنعاء. وقال دبلوماسي إن ولي العهد السعودي الذي بدأ الحرب بات جادا في إنهائها. وناقشت الرياض وطهران إمكانية فتح قنصليات كبادرة حسن نية، واحدة في مشهد وأخرى في جدة.
وقُطعت العلاقات بين البلدين في عام 2016 عندما هوجمت سفارة السعودية في طهران احتجاجا على إعدام رجل ديني شيعي سعودي. وعندما قرر ترامب في 2018 الخروج من الاتفاقية النووية التي وقعتها إيران مع الدول الكبرى عام 2015، دعمت السعودية قراره. إلا أن انتخاب بايدن الذي أعلن عن عودة للاتفاقية النووية حالة التزام إيران بشروطها وإعادة النظر في العلاقة مع السعودية وتخفيف التوترات الإقليمية، قاد لإعادة تفكير في الرياض حسبما يقول المحللون، سواء واصلت الرياض الحديث مع طهران، مشروطا بالتحرك الإيراني كما يقول مسؤول سعودي، الذي أضاف أن ترامب كان مركزا بشكل كبير على إيران و”نحن لسنا بحاجة لعمل هذا”. واعترف أن “الأحداث الدولية الأخيرة تعني تحولا في التركيز على الشؤون المحلية، وهذا راجع في جزء منه للوباء”.
وأشارت الصحيفة للتحرك السعودي بداية العام الجاري برفع حصار استمر 3 أعوام على قطر بشكل ساعد في تخفيف الأزمة التي وضعت محور السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضد تحالف قطر- تركيا. ويرى المراقبون أن الدافع وراء التحرك السعودي هو التقرب من إدارة بايدن. وخففت قناة الجزيرة القطرية من لهجتها تجاه السعودية، وبثت تقارير إيجابية عن المملكة، واستضافت معلقين سعوديين في بعض برامجها. وأدى حل الأزمة لذوبان الجليد بين مصر من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى. فطالما اتهمت مصر البلدين بدعم حركة الإخوان المسلمين التي أطاح بها عبد الفتاح السيسي من الحكم عام 2013 وصنفها بالإرهابية. ووجه السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني دعوات لزيارة عواصمها. وأعلنت القاهرة عن تعيين أول سفير لها في الدوحة في حزيران/ يونيو، وتبعتها قطر بتسمية سفيرها في القاهرة بعد شهر.
مسؤول عربي: خفض التوتر موجود، لكن هناك أمورا تجري تحت السطح و”كولسات”، غير أنها تظل تطورا إيجابيا، و”لن تتحسن أكثر من هذا”.
وقامت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان بتحركات مماثلة حيث عقدت محادثات مع القاهرة، وطلبت من قنوات المعارضة المصرية في اسطنبول تخفيف لهجتها ونقدها للسيسي، وذلك حسب صحافي مقيم في اسطنبول. ويبدو أردوغان الذي وقف مع قطر أثناء الحصار وانتقد السعودية بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي في اسطنبول حريصا على إصلاح العلاقات مع الرياض. وقال مسؤول تركي إن انتخاب بايدن كان عاملا لا أحد ينكره، وأن الجميع في المنطقة “يحاولون التكيف”. وقال إن الكثير من المشاكل “مستمرة منذ وقت طويل” و”هناك محدودية” لما يمكن إنجازه. وأضاف أن الاقتصاد عامل “لو كان كل شيء قويا، فستكون لدى الأنظمة القدرة على التحرك بشجاعة، وبسبب الوباء، فالاقتصاديات ليست على حال جيد والجميع بحاجة لبعضهم البعض”.
ونفس الأمر يقال عن الإمارات التي مارست عبر العقد الماضي سياسة خارجية حازمة في محاولاتها لمواجهة الإسلام السياسي وإيران. ولكن المسؤولين يتحدثون عن تحول نحو الدبلوماسية الاقتصادية، حيث تحاول الإمارات تحسين علاقاتها مع تركيا وإيران. وعقد مستشار الأمن القومي طحنون بن زايد محادثات مع أردوغان في أنقرة، في أوضح إشارة عن رغبة البلدين بحل التنافس الإقليمي المرّ بين البلدين.
كما التقى نائب رئيس الوزراء الشيخ منصور بن زايد، مع القائم بالأعمال الإيراني في الإمارات لال الأسابيع الماضية.
وترى الصحيفة أن توقف الحرب الأهلية في ليبيا التي دعمت فيها روسيا والإمارات طرفا، وتركيا وقطر طرفا آخر، ساعدت على تبريد العداء. ولا يزال هناك عدد من النقاط الساخنة من اليمن إلى سوريا، إضافة للهجمات التي تقوم بها الميليشيات الشيعية ضد القوات الأمريكية في العراق. لكن المحللين يرون أن أي تخفيض للتوتر يعتبر تقدما.
ويقول مسؤول عربي آخر إن خفض التوتر موجود، لكن هناك أمورا تجري تحت السطح و”كولسات”، لكنها تظل تطورا إيجابيا، و”لن تتحسن أكثر من هذا”.