فتاوي كرة القدم
منتصر حمادةفتاوي كرة القدماستنفار إعلامي كبير شهدته الساحة العربية، علي هامش ضجة احتكار شركة عربية بث مباريات كأس العالم، بهدف تحقيق أكبر قدر من الأرباح.تذكروا جيدا أن المسألة اقتصادية بالدرجة الأولي، وبعيدة هذه المرة عن خطاب الوحدة العربية والأخوة الإسلامية وكل ذلك الكلام الكبير المُرَوَّجُ له في المحافل الرسمية والندوات الفكرية.. إلخ. القدس العربي ذهبت بعيدا في توجيه انتقادات للشركة المسؤولة عن هذا الحرمان، مشيرة الي أن قرار الاحتكار لا يقيم أدني اعتبار للمشاعر الإنسانية لدي الملايين من عشاق هذه اللعبة الأكثر شعبية في المنطقة العربية ، ومؤكدة علي أنه من غير المنطقي أن تحتكر شركة واحدة بث مباريات كأس العالم في 22 دولة عربية، وأن تفرض أسعارها التي تحددها علي كل من يريد مشاهدة المباريات من خلال قنواتها المشفرة. ففي هذا ظلم كبير، تتحمل الفيفا ، أو الاتحاد الدولي لكرة القدم المسؤولية الكبري فيه . ( القدس العربي عدد 19/6/2006).شاءت الأقدار الإلهية أن تتزامن هذه الضجة مع إعلان الملياردير الأمريكي بيل غيتس ـ رئيس شركة مايكروسوفت العملاقة، وأغني رجل في العالم ـ عن تفرغه للمؤسسة الخيرية العملاقة التي أسسها لمساعدة الفقراء والمحتاجين. استشهد هذا المنبر بنص الخبر في معرض التعليق علي تبعات احتكار الملياردير العربي بث مباريات كأس العالم، علي سبيل التنبيه إلي الفرق بين أغنيائنا العرب والأغنياء الغربيين ، حيث ان الأوائل بلا قلوب، وتعاطفهم نادر مع الفقراء والمسحوقين أما الأغنياء العرب، أو بالأحري معظمهم، لا يهمهم الفقراء والمحرومون، بقدر ما يهمهم زيادة معاناة هؤلاء وتنغيص حياتهم وحرمانهم من الحد الأدني من الترفيه البريء المتمثل في مشاهدة مباريات كأس العالم .لنضع بعض النقاط علي الحروف، ليس تعليقا علي التقييم الجاد لتعليق القدس العربي ، ولكن، نتحدث عن حروف وثنايا قرار الاحتكار للملياردير العربي مع قرار التفرغ للملياردير الغربي.ـ الربح هو إله الاقتصاديين، وعند هؤلاء، سواء كانوا في الشرق أو الغرب، لا شيء يعلو علي قدسية الدولار واليورو.. وأن يخرج بيل غيتس عن هذا النسق من خلال إعلانه التفرغ لمساعدة الفقراء والمحتاجين، فالأمر لا يعدو أن يكون حالة شاذة ومُشَرِّفَة في آن: شاذة إذا أخذنا بعين الاعتبار القدسية التي يُبَجِّلُها هؤلاء الاقتصاديون، ومُشَرِّفَة لأنها تثبت للجميع بأن العالم ليس بؤسا في بؤس، ولله الحمد طبعا.ـ لنفترض جدلا أن بيل غيتس (المسيحي) قرر فجأة استثمار جزء هين من ثروته في التبشير والتنصير! ستقوم قيامة إعلامية إسلامية عالمية ضد الرجل، ولن تتحدث أقلام المنخرطين في هذه القيامة عن الملايين والبلايين العربية التي تصرف في ملاهي وحانات وفنادق الشرق والغرب علي حد سواء..ـ نأتي لأهم المفارقات في ثنايا الخبر. من حيث المبدأ، يحق لرجل الأعمال العربي اتخاذ قرار الاحتكار، بصرف النظر عن سخط الملايين من العرب والمسلمين، ولن نتحدث عن سخط الإسلاميين، ليس بسبب قرار الاحتكار في حد ذاته، ولكن لأسباب أخري، نطلع عليها في فتوي للداعية الكويتي حامد بن عبد الله العلي، وذلك علي السؤال/الاستفسار التالي: هل يجوز الاشتراك في قناة للرياضة لمشاهدة مباريات كأس العالم؟ بالطبع مع مراعاة عدم تضييع الصلاة أو فعل المنكرات ، وبالطبع كان جواب الداعية فاصلا من وجهة نظره: لا يجوز، فقد قال تعالي: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)، فقد بيّن في هذه الآية أن من أسباب تحريم الخمر، والميسر، صدهما عن ذكر الله وعن الصلاة، فدلّ علي أنّ ما يصدّ عن ذكر الله والصلاة، حكمه التحريم، فعموم العلة يعمّم الحكم .ويضيف الرجل أن كل من تفقّه في أحكام الشريعة وعرف مقاصدها، يعلم أن هذه اللعبة وإن كان لعبها في حدّ ذاته ليس من المحرمات لكن مشاهدتها علي النحو المنتشر هذه الأيام ليس له وجه في الإباحة، فذرائع تحريمها كثيرة، وهي من أشدّ الوسائل إفسادا للنشء، وتأثيرها عليهم في غاية السوء، في العقيدة، والأخلاق، وكل من كان مسحورا بها، ثم تاب يعرف ذلك ويقرّ به، والله أعلم .نحن نتحدث عن دلالات امتلاك رجل الأعمال العربي قنوات فضائية دينية تروج للخطاب الدعوي، الذي للمفارقة، يمكن أن يمرر فتاوي شبيهة بتلك الصادرة عن الشيخ حامد العلي، وفتاوي أخري تصب في تحريم الاحتكار، ناهيك عن تمريره لخطابات أخري عن فضيلة الرحمة والوحدة والتعاون، دون الحديث.. إلخ.غيض من فيض، لم نرغب في التفصيل فيه، وتفكيك دلالاته ونتائجه، فتوضيح الواضحات من الفاضحات.كاتب من المغرب0