فتحي عبد السميع: مركزية القاهرة المتوحشة تشعرنا بأننا كتاب من الدرجة الثانية

حجم الخط
0

بغداد – «القدس العربي»: في عمق الصعيد المصري بدأت القصيدة تنضج لدى الشاعر فتحي عبد السميع، تلبَّس بيئته وعاش وفياً لمكانه وثقافته الشعبية وفولكلوره الذي لم ينفك يستثمره في نصوصه وكتاباته المختلفة، ليتمكن من أن يكون شاعراً مختلفاً ومغايره لأبناء جيله.
عبد السميع (المولود في قنا العام 1963)، عرفناه، هنا في العراق، من خلال مجموعته الثانية «تقطيبة المحارب» التي كان العراق وبغداد همها الأول، اشتغل على الحرب ومفاهيمها والجندي وهو يحترق بنيران صديقة، جاءت هذه المجموعة بعد أن أشّرت مجموعته الأولى «الخيط في يدي» الصادرة في العام1997 والتي تلتها «خازنة الماء»، و»فراشة في الدخان»، و»الموتى يقفزون من النافذة»، فضلاً عن ترجمة العديد من نصوصه للغات الحية، لم يكن الشعر عالمه الوحيد، بل استغل بيئته وثقافته الخاصة في دراسات عن الثقافة الشعبية والمفاهيم الشفاهية التي أنتجت تلك الثقافة.
عن الشعر والثقافة المصرية، كان لنا معه هذا الحوار:
* يؤكد بعض النقاد أنك تكتب قصيدة نثر (مصرية)، لها ميزاتها الخاصة.. ما الذي يميز نصك؟ وكيف تمكنت من الابتعاد عن السائد في قصيدة النثر العربية؟
– لا أستطيع الحديث عن شعري بارتياح، فكلام الشاعر عن شعره مجروح، وقد أشار عدد من النقاد والأصدقاء لمميزات يرونها في شعري، ويتمثل أهمها في اللغة الخاصة التي تتسم بها قصائدي، والقدرة على رسم اللوحات الممتدة، والطابع الحكائي والمشهدي، وغيرها من الأمور التي أنكمشُ عند الحديث عنها، ويمكن أن أتحدث عن الأفكار أو القناعات الراسخة لدي والتي يدين لها شعري بالفضل، ومنها الانفتاح على تجارب الآخرين، مع الحذر الشديد من نسخها، أو اجترارها مهما كانت المغريات، فأنا انفتح لأمتلك نفسي وأبنيها، لا لأضيعها، أنفتح لأتحاور ولا أتماهى، أنفتح لأتفتَّح، لا، لأخرج من انغلاق على نفسي إلى انغلاق على آخرين مهما كانت مكانتهم، وانفتاح الشاعر عملية كبيرة تشمل انفتاحه على العالم المحيط به، وتأمله بعمق، كما تشمل انفتاحا على ذاته هو، والتي تعتبر في تقديري كنزا كبيرا جدا، لا ندري معظمه، ويحتاج منا إلى إصغاء ورصد، ومتابعة لسبر أغواره. أما القناعة الثانية فهي التمرد، فالشاعر مخلوق ثوري، وهو لا يثور على الآخرين بقدر ما يثور على نفسه. والغرق في السائد قتل لإمكانياتنا الشعرية، لأن السائد يرجع إلى توصيفات ولا يرجع إلى إبداع، السائد في حقيقته يعارض الإبداع، صحيح أنه يَنتج في البداية من إبداع، لكن الإبداع شيء وتكراره شيء مختلف تماماً، واعتقد أن أكبر جريمة فنية يمكن أن يتورط فيها الشاعر هي تكرار الآخرين، أو تكرار نفسه، أو تفصيل القصائد كما نفصل الملابس، المبدع هو مصمم قطعة الملابس الأولى، أما الترزي فهو الذي يكرر النموذج إلى ما لا نهاية، والشعر يتيبس ويموت في يد الشاعر عندما يتحول إلى ترزي. والقناعة الثالثة ترتبط بالمغامرة، والهرب المستمر من المستقر والجاهز مهما كان الثمن، وقد بدأت بكتابة نصوص تحتفي بالمجاز والإيقاع الخارجي، كما هو الحال في ديواني خازنة الماء، وديواني (فراشة في الدخان)، وحققت نجاحاً، لكنني تمردت على نفسي، وعلى ما أجيده، ورحت أبحث عن كتابة تتمرد على سلطة المجاز والتركيبات اللغوية، وقد خسرت بسبب ذلك جمهوراً طالما تحمس لنصوصي الموزونة بصورها الشعرية الجامحة، وعندما كتبت ديواني (الخيط في يدي)، والذي جاء مختلفاً تماماً، من حيث اللغة المتقشفة، والصور المشهدية لا الجزئية، وغياب الوزن، والإيقاع الخارجي، حزن عدد من أصدقائي على الجريمة التي ارتكبتها في حق نفسي من وجهة نظرهم، وبعضهم راح يسخر مني علانية، وفي نفس الوقت هناك من احتفي بمغامرتي في ذلك الديوان، لكنه استغرب من ديواني التالي (تقطيبة المحارب) الذي عاد بقصيدة النثر إلى الهم الجماعي، وانفعالي الشعري بما حدث في العراق أواخر التسعينات، والذي أفزعني ورأيت فيه نواة لمأساة هائلة سوف تتمدد وتكبر، وهو ما أكدته السنوات التالية حتى الآن، رغم أنني لم أكن منبرياً، ولا خطابياً، بل لاقط لمشاهد يومية صغيرة ولها طابعها الإنساني، وفي ظل ذلك كنت أعتز بمغامرتي الجديدة، ولا أفرط في المغامرة كشرط جوهري من شروط الإبداع، ومطاوعة الشعر أو القصيدة وفق رغبتها هي، وعبر مسارها هي، والمغامرة هي الوسيلة الناجحة لتجديد الشعر، قد نخسر شاعراً نتيجة مغامرة فاشلة، لكن الشعر لن يتقدم خطوة إلا بمغامرة ناجحة، وقد يكون نجاح المغامرة جزئياً أو صغيراً، لكن تراكم النجاحات الصغيرة هو ما يفيد الشعر ويثريه، وأنا أفضل أن أكون مغامراً فاشلاً، ولا أفضل أن أكتب شعراً سائداً أعرف مسبقاً أنه سوف يحظى بإعجاب الجمهور السائد، تلك القناعات وغيرها كان لها الفضل الأكبر في تجربتي، وهي التي صنعت لتجربتي تميزها، إن صح أنها تحمل قدراً حقيقيا من التميز.
* تميزت الثقافة التي جاءت من جنوب وصعيد مصر بتفردها، فقدمت نماذج خاصة في الغناء والرسم والشعر، كيف نفهم البنية الثقافية التي أنتجت مجموعاتك «تقطيبة المحارب» و»الموتى يقفزون من النافذة» وغيرهما؟
– عشت حياتي كلها في صعيد مصر، وتأثرت بثقافته بشكل لا شعوري خلال فترة التكوين، كما كانت ثقافته جزءاً من مشروع انفتاحي على العالم، وقد عشت فترة مراهقتي الفكرية متذمراً على ثقافة الصعيد، لكنني تخليت عن تلك النظرة الفوقية والمتغطرسة، وصرت مكتشفاً وراصداً لتلك الثقافة ومتحاوراً معها، وتبين لي أن المسألة أكبر بكثير من فكرة التذمر أو التعصب، وأعتقد أن ثقافة الصعيد أثرت فيَّ بشكل كبير، ويظهر ذلك التأثير في اللغة من خلال المعجم، ومن خلال إيقاعها الحاد، ومن خلال أمور أخرى كثيرة، ففي ديوان (الموتى يقفزون من النافذة) كنت واقعاً في قبضة الثقافة الطقسية المرتبطة بالموت، أو متأثراً بالحوار معها، وتأملها، وتوظيف تفاصيلها في طرح رؤيتي للعالم. أما في ديواني (تقطيبة المحارب) فقد كنت واقعاً في قبضة الشعور الحاد بالهوية الجماعية، وفي الصعيد نتشرب الهوية الجماعية منذ سنواتنا الأولى، وتدخل في تكويننا بشكل عميق جدا، والهوية الجماعية في الصعيد لا تنفصل عن العالم العربي ككل، فالناس جميعاً يعتزون بصلات دموية تربطهم بعائلات وقبائل في المشرق والمغرب العربي معا، في الصعيد تتجسد الهوية العربية بشكل واقعي حياتي يعيشه الناس بشكل مباشر، بعيدا عن الشعارات السياسية التي تتحدث عن الهوية العربية، وتلك الشعارات في تقديري، تستخدم كثيراً لربط الناس بالسلطة، أو ترفعها الحكومات لا لأنها تؤمن بها بشكل عميق، بل لتستغل من يؤمنون بها وفق ثقافتهم الشعبية، ليتصالحوا مع تلك الحكومات، ويحتملوا فشلها، وشعراء النص الجديد فطنوا لزيف تلك الشعارات، لكنهم لم يهتموا بعمق وجودها الشعبي الناتج عن ثقافة بعيدة الجذور، ورغم أنني أومن أن الهوية الفردية للشاعر هي منبع الشعر، لكنني لا أومن أبداً بفصل الهوية الفردية، عن الهوية الجماعية، والهوية الإنسانية عموماً، فالإنسان لا يمكن أن يحيا بدون تلك الهويات مجتمعة، وقد أخلصت لتلك القناعة بعيداً عن السائد، وهو ما رفضه البعض، وإن كان هناك من احتفى به كالشاعر محمود خير الله الذي كتب عن (تقطيبة المحارب) مقالاً بعنوان (قصيدة نثر جديدة).

* كيف يمكن للأدب أن يكون بوابة لهذه الثقافة في ظل بيئة قاسية، كبيئتك؟ وما الذي يمكن للمثقف أن يفعله في ظل القوى المحيطة به؛ إن كانت قبلية أم اجتماعية أم آيديولوجية أم دينية؟
– الأدب في تقديري يمكن أن يفعل الكثير جداً، وهو لا يقل أبداً في قدراته عن العلم، رغم اختلاف منطق الأدب عن العلم، ونحن في الحقيق لا يمكن أن نبلغ خطوة في تطورنا من دون أن يتكامل الفن والعلم، والأدب بالنسبة لي كان وسيلة لانتصاري على ظروفي، لقد خلق مني شخصاً آخر يختلف تماماً عن المحيطين به، فصرت أكثر وعياً وكشفاً وحنكة في التعامل مع العالم، والنقلة التي حدثت لي يمكن أن تحدث لغيري، وللمجتمع ككل، وهي نقلة حقيقية بكل المقاييس، وواجب المثقف في تقديري هو الاشتباك مع القوى المحيطة به، وعدم الانفصال عنها، وأعني بالاشتباك هنا هو اكتشاف تلك القوى من داخلها، والالتحام بمشاكلها عن طريق حوار جاد وبناء، وهو ما أحاول فعله باستمرار.

* أطلقت مفهوم «النظرة المسحورة» بحثاً عن ثقافة التسامح، ما الذي تعنيه بذلك المفهوم؟
– التفكير المسحور في اعتقادي عنصر كبير من عناصر أزمتنا العربية، إن لم يكن العنصر الجوهري والأهم، والمصطلح يعبر عن تداخل النشاط العقلاني مع مبادئ السحر، الأمر الذي ينتج أفكاراً وهمية، وترتبط في نفس الوقت بقناعات تشبه قناعة المعتقد، وقد اتخذت من ظاهرة الثأر في صعيد مصر نموذجاً لتحليل الفكر المسحور، وآلياته.

* كيف يمكن للفولكلور والحكايات الشعبية والسيرة الشعبية وغيرها من المؤثرات الثقافية أن تغير من بنية القصيدة واللغة لدى الشاعر؟ وما الذي يجعل من مؤثر ما يكون أكثر إيغالاً في روح الشاعر دون غيره؟
– النص الشعري حاصل تفاعل الذات مع العالم، والتفاعل مع الثقافة الشعبية من شأنه أن يثري الشاعر والنص معاً، ونحن كثيراً ما نتهم الثقافة الشعبية بأمور سلبية كثيرة، لكنها في الحقيقة تحمل أثراً خالداً وقوياً من الذات الإنسانية، وتحفل بالكثير من الأمور التي نبعت من الوعي الجمعي، أو اللاشعور الجمعي، وهو منبع بالغ الثراء، ويحتاج إلى تواصل حميم معه، ولا شك أن التفاعل مع الكنوز الشعبية، من شأنه أن يساعد على تفتح الشاعر والنص بالضرورة، وعلى النحو الذي ينسحب بالضرورة على بالبناء واللغة، وغيرهما. وترتبط الفائدة بدرجة التفاعل، فالتواصل الشغوف، التواصل الذي يلمس أعماق الشاعر بقوة، وينجح في إقامة حوار داخلي ثري، هو ما يفرض نفسه.

* لم تكن علاقتك مع ثقافة المؤسسة على ما يرام منذ بداياتك وحتى الآن وما حدث مع مجموعتك «الموتى يقفزون من النافذة» دليل واضح بعد رفضه في بداية الأمر بحجج ما.. كيف يمكن أن نفهم علاقة المثقف المصري بالسلطة والمؤسسات الرسمية، في ظل تسيد أسماء معينة على تلك المؤسسات؟
– المؤسسات الثقافية للأسف تعتبر ديكوراً أكثر من كونها فعلاً ثقافياً حقيقياً، كما أنها تعاني كما هو الحال في كل المؤسسات من الفساد، وهناك المشكلة المعروفة بين المثقف والسلطة، وبالنسبة لكاتب يصمم على العيش في الجنوب، هناك أيضاً مشكلة المركزية، وهي مشكلة رهيبة جداً في مصر، فمصر في لغتنا الدارجة هي القاهرة، وكل من يقيم خارجها يقيم في الهامش، ويتعرض للظلم في سائر مناحي الحياة، فعندما يمرض عليه أن يذهب إلى القاهرة، وفي ظل المركزية المتوحشة أنت تسبح منذ البداية ضد التيار، وتُحرم من أشياء كثيرة جدا لأنك بعيد عن العين، وعندما تتعامل مع المؤسسات الثقافية في القاهرة، فأنت إنسان من الدرجة الثانية، لأن الأمور تتم من خلال مكانتك، وأنت لا تملك سوى كتابتك، والكثير من المناصب الثقافية يحتلها جهلة، أو تافهون، كما هو الحال في المؤسسات الإعلامية، لقد نشرت كتباً من خلال المؤسسات الثقافية، فالنشر الخاص يهرب من نشر الشعر، نشرت لكن بعد رحلة عناء لا تقل عن ست سنوات من كل كتاب، لم اشعر أنني نشرتها لأنها جيدة، بل لأن صاحب الأمر، أشفق علىَّ بعد كل تلك السنوات من الحضور إليه من أقصى الصعيد، والإلحاح في أخذ حقه، والقدرة على تحمل الأكاذيب والتسويف، وأخيرا قرر نشرها بغض النظر عن مستواها، فمتى كان المستوى هو المعيار الحقيقي، أو الوحيد، وما أكثر الأعمال التافهة التي تصدرها تلك المؤسسات؟

* كتبت الشعر وعن الفولكلور وثقافة التسامح وغيرها من الموضوعات… ما الذي يخبئه فتحي عبد السميع للمستقبل؟ وهل هناك من تقنيات جديدة في قصيدة ستقدمها في أعمالك القادمة؟
– لا أعرف، فأنا كما قلت انظر للنص بوصفه مغامرة، وإلى بنائه بوصفه وليداً لتجربة الكتابة نفسها، أتوقع أن أكتب في المستقبل، لأنني ببساطة لا أشعر أنني قدمت شيئاً، مع إيماني في نفس الوقت بأن لدي ما يمكن أن أقدمه.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية