غزة: كشف عاطف أبو سيف، المتحدث باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، في قطاع غزة، عن تعثّر جولة المصالحة الأخيرة، التي جرت الأسبوع الماضي، في القاهرة بين مسؤولين مصريين وقيادات من حركتي “حماس” و”فتح”.
وأوضح أبو سيف، أن القيادة الفلسطينية ستبحث عن “السبل” التي يجب اتخاذها لتقويض الانقسام، مع عدم المساس بسكان القطاع.
وأكّد أبو سيف أن حركته تتمسك باتفاق المصالحة الذي تم توقيعه عام 2017 في القاهرة، والذي يستند على اتفاق 2011 ويكمله، وأنها لن تسمح بـ”تجاوز الاتفاق أو حكومة الوفاق الوطني”، كما تريد حركة “حماس”. كما شدد على أن حركته لم تطلب من “حماس” تسليم أو تفكيك أو تدمير “سلاح المقاومة”.
وأوضح أن “فتح” مُطّلعة على مباحثات التهدئة بين “حماس” وإسرائيل بوساطة مصرية، لافتاً إلى أن ما يجري هو “تثبيت تدريجي لتهدئة غير معلنة بين الطرفين غير قائم على اتفاق 2014، إنما على مقايضة المواقف السياسية بالمطالب الإنسانية”.
جولة المصالحة الأخيرة
يذكر المتحدث باسم “فتح”، أن المسؤولين المصريين لم يقدموا، خلال الجولة الأخيرة، ورقة جديدة للمصالحة، إنما كان هناك جملة من الأفكار تمت مناقشتها، موضحا أنه تم “تبادل الآراء مع المصريين، وإبلاغهم بوجهة نظر فتح، كما نقلوا لنا وجهة نظر حماس”.
والتقى مسؤولو جهاز المخابرات العامة المصري، قيادات الحركتين، بشكل منفصل، بدءا بحركة حماس، الأسبوعين الماضيين، ومن ثم قيادة حركة فتح.
وأكد وفد حركة “فتح”، خلال اللقاء، على ضرورة عدم تجاوز حكومة الوفاق الوطني ولا اتفاق عام 2017، كما قال أبو سيف.
وأضاف: “قلنا لهم ذلك ممنوع، ولن يحدث ولن نقبل به على أية حال”.
كما أبلغ المصريون وفدَ حركة فتح، موقف حركة “حماس” من المصالحة والمتمثّل في “تجاوز كل من حكومة الوفاق بإنشاء حكومة وحدة وطنية، وتجاوز اتفاق المصالحة 2017”.
ولم تصدر تصريحات من حركة حماس حول ما قدمته من مواقف خلال مباحثاتها في القاهرة. لكن القيادي في حماس، موسى أبو مرزوق، قال الأحد، إن اتفاقية 2017 هي “مجرد آليات لتطبيق اتفاقية المصالحة لعام 2011 واذا لم تنجح هذه الآليات فلنبحث عن آليات جديدة لإنجاح هذه الاتفاقية (2011) فهي الأساس الذي يجب أن ننطلق من خلاله لتحقيق الوحدة الوطنية”.
وشدد أبو سيف على أن حكومة الوفاق الوطني “مؤقتة، إلى حين انتخابات تشريعية ورئاسية”، مضيفا: “لكن يحدث ذلك حينما تعمل بشكل مناسب في غزة”.
وتفضّل حركة “فتح” الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية مباشرة، دون تشكيل حكومة وحدة وطنية، كونها الفيصل في تقرير القضايا الداخلية، كما قال، معربا عن أمنياته “في أن يتم استنهاض الجهود المصرية مرة أخرى في ملف المصالحة”.
ووقعت حركتا “فتح”، و”حماس” اتفاقا للمصالحة في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، لكنه لم يطبق بشكل كامل؛ بسبب نشوب خلافات كبيرة حول عدة قضايا، منها: “تمكين الحكومة، وملف موظفي غزة الذين عينتهم حماس أثناء فترة حكمها للقطاع”.
سبل تقويض الانقسام
ويوضح أبو سيف أن الجلسة الأخيرة للمجلس المركزي الفلسطيني، التي انعقدت على مدار يومين بدءاً من 30 من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أفرزت “لجنة وطنية عُليا، للنظر في السبل التي يجب اتخاذها لتقويض الانقسام وعلاقاته، على قاعدة عدم المساس بالناس”.
وتضم اللجنة، وفق أبو سيف، أعضاء من اللجنة التنفيذية والمركزية لحركة فتح، وقادة من الأجهزة الأمنية، وممثلين عن الحكومة.
وشدد على ضرورة “التمييز بين المساس بالناس، والمساس بأطر وهياكل الانقسام”، مؤكداً أن ما سيتم النظر به متعلق بـ”أطر وهياكل الانقسام فقط”.
وحول طبيعة الإجراءات التي ستتخذها تلك اللجنة، قال أبو سيف: “قد تكون إجراءات سياسية أو قانونية، الأمر متروك لها ستتخذ ما تراه مناسباً”.
ويرجح أبو سيف أن تتحرك القيادة الفلسطينية بشكل رسمي تجاه الأطراف الداعمة لحماس، لتقويض سلطة الانقسام، وتابع قائلاً: “أعتقد أنه قد تُتخذ بعض الإجراءات المتعلقة بذلك وتباشر القيادة الفلسطينية تنفيذها “، دون تقديم إيضاحات أخرى.
وكشف أن مصر طلبت من الرئيس محمود عباس عقب انتهاء جلسة المجلس المركزي الأخيرة وإفراز تلك اللجنة، إرجاء المناقشة في إجراءات تقويض الانقسام، حتى انتهاء جولة المصالحة الأخيرة.
وتابع: “توجهنا نحو القاهرة، وإذا بنا نفاجأ بأن حماس لم تُبدل ولم تُغير في نظرتها للمصالحة. لكن اليوم، وبعد تعثّر جولة المصالحة الأخيرة، سيتم البدء بنقاشات اللجنة الوطنية العليا”.
وقال أبو سيف إن حركته “تبحث عن شراكة حقيقية مع حركة حماس كونها تنظيم مهم في الساحة الفلسطينية”، لكنه اتهمها بعدم امتلاك “نوايا حقيقية أو قرار ذاتي لإنهاء الانقسام حتّى اللحظة”.
وشدد على أن حركته ليست ضد اتفاق المصالحة الموقع عام 2011، لكنه قال إن المصالحة عملية شاملة ومتكاملة لا يمكن النقصان منها عبر “العملية الانتقائية التي تتبعها حماس”.
وتابع: “حماس تنظر إلى المصالحة على أنها عملية انتقائية تختار ما ترغب وترفض ما لا ترغب”.
تمكين الحكومة
يوضح أبو سيف أن حركة “حماس” تُعيق حتى اللحظة عمل الحكومة الفلسطينية، على الرغم من تسليمها الوزارات والمعابر وسبقها حلّ لجنتها الإدارية بغزة.
وتابع: “الإرادة ليست في المبادرات، إنما في التجسيد الحقيقي للإرادة، القصة ليست بتسليم مبانٍ، لكن نريد أن يكون بمقدور الوزراء والموظفين العمل بشكل جيد”.
ورفض أن تكون عملية تمكين الحكومة قائمة على “اقتسام للجهاز البيروقراطي الوظيفي” في قطاع غزة.
وفي السياق، اتهم أبو سيف حركة “حماس” بـ”شيطنة مفهوم تمكين الحكومة”، لافتاً إلى أنه “مصطلح إجرائي”.
وتابع: “من غير المنطقي أن يأتي وزير حكومة الوفاق لغزة للعمل، ويتحكم بوزارته الوكيل الذي عيّنته حركة حماس”.
سلاح المقاومة
وينفى أبو سيف الأنباء التي تتحدث عن اشتراط حركته على “حماس” تسليم سلاح المقاومة للحكومة الفلسطينية، أو تدميره وتفكيكه.
وقال في ذلك الصدد: “هناك ضوضاء تحدثها حماس من خلال طرح الموضوع، وتستخدم ذلك فزاعة من أجل لدغ الوعي الفلسطيني”.
لكن في المقابل، طرحت حركة “فتح” خلال النقاشات السابقة موضوع “تنظيم استخدام السلاح”.
وتابع قائلاً: “في حال وجود الحكومة يجب ضبط السلاح في الشارع، وهذا من حق الحكومة كي تعرف من هو الشرطي ومن هو المواطن ومن هو المقاوم”.
وأشار أبو سيف إلى أن أي نقاش حول سلاح المقاومة يجب أن يكون “في إطار النقاش الأعلى ضمن منظمة التحرير”، مضيفا: “لدينا جيش تحرير وطني تابع للمنظمة وكتائب وألوية، وهذا أمر يتم مناقشته لاحقا”، لافتاً إلى أن تلك النقاشات لم تتم أصلا.
مسيرات العودة
وأكد أبو سيف أن “حركته لا زالت حاضرة في مسيرات العودة وكسر الحصار الحدودية التي انطلقت نهاية مارس/ آذار الماضي، ودائما تتواجد في الميدان ولها جرحاها وشهدائها”.
وقال في هذا الصدد: “لدينا ممثل عن حركة فتح في الهيئة الوطنية العليا للمسيرات (مكوّنة من الفصائل الفلسطينية وهي التي تدير المسيرة)”.
واعتبر أبو سيف انطلاق مسيرات العودة، كمقاومة شعبية في قطاع غزة أمر مهم، لكن على مبدأ “ألا يكون هناك مصائر فلسطينية، إنما مصير فلسطيني واحد ومجتمع واحد”.
لكن حركة “فتح” لديها ثلاثة ملاحظات على مسيرة العودة، وفق أبو سيف، فهي أولاً ضد “تحويلها إلى مسيرات تحريكية من أجل دفع ملف التهدئة مع إسرائيل؛ وهذا ما استخدمته حماس”.
ثانياً، تعتبر حركة “فتح” المسيرات جزءاً من “مسيرة النضال الوطني الفلسطيني وليس شيء منفصلا، حتى لا يكون لها مصير منفصل”.
وعن الملاحظة الثالثة، قال أبو سيف إن حركته ضد محاولة حماس “توظيف المسيرات للتركيز على أوضاع قطاع غزة، إنما هي للتأكيد على أن القضية الأساسية للشعب الفلسطيني العودة لبلادهم”.
ملف التهدئة
حركة “فتح” مُطّلعة على مباحثات التهدئة التي تقودها مصر بين حماس وإسرائيل وليست بعيدة عن هذا الملف، يقول أبو سيف.
وأوضح أن عدة جلسات دارت بين القيادة الفلسطينية وجهاز المخابرات العامة المصرية حول ملف التهدئة.
لكن حركة “فتح”، وفق أبو سيف، لها موقف ثابت من التهدئة يتمثل في “أنها ليست شأنا حزبيا وغزة ليست لحماس، كما أن الضفة ليست لفتح؛ فالتهدئة شأن وطني عام”.
وقال إن حركته “تتفق على إعادة تثبيت اتفاق (التهدئة الذي أنهى حرب عام) 2014 كما هو، كونه اتفاق التهدئة الأكثر شمولية، والذي يتضمن إنشاء مطار بغزة وليس خارج القطاع، ويتحدث عن ميناء وليس ممرا مائيا”.
وتقول حركة “حماس” إن تفاهمات التهدئة الجارية بوساطة مصرية هي تثبيت لاتفاق التهدئة المعمول به منذ عام 2014 وتحسينات إنسانية لقطاع غزة، مقابل غياب المظاهر العنيفة في مسيرات العودة.
لكن حركة “فتح”، وعلى لسان أبو سيف، تقول إن ما يجري الآن هو تثبيت تدريجي لاتفاق تهدئة غير معلن بين حماس وإسرائيل.
وبيّن أن التهدئة الجارية “غير قائمة على اتفاق 2014، إنما قائمة على اختصار التهدئة بالوضع الإنساني بغزة ومقايضة المواقف السياسية بالمطالب الإنسانية”.
صفقة غزة
وحول مقصده بـ”صفقة غزة”، قال أبو سيف إنها “الوجه الآخر لصفقة القرن، والقائمة على إزاحة قطاع غزة تدريجياً لتحويله إلى كيان مستقل”.
وأضاف: “صفقة غزة هي صفقة القرن عمليا، تدريجيا يزاح قطاع غزة، يصبح القطاع دولة الأمر الواقع؛ كما سلطة الأمر الواقع الحالية”.
وصفقة القرن، مصطلح إعلامي، يقصد به خطة التسوية السياسية في الشرق الأوسط التي ينوي الرئيس الأمريكي إطلاقها، وقالت تسريبات إعلامية غربية وإسرائيلية إنها تحمل إجحافا كبيرا بالحقوق الفلسطينية.
وفيما يتعلق بالأموال القطرية التي دخلت غزة ضمن تفاهمات “التهدئة”، ودفعت كرواتب لموظفي حكومة غزة السابقة، قال أبو سيف: “المال يساعدنا، بشرط ألا يكون له ثمن سياسي وهذا موقفنا، لكن على ما يبدو أن إدخال الأموال لقطاع غزة له أثمان سياسية”.
وعن تبنّي إيران لشهداء وجرحى مسيرة العودة، قال أبو سيف: “لماذا لم تتبنَ إيران شهداء هبة القدس الأخيرة؟ لماذا لم تدعم وكالة أونروا لدعم صمود القضية والشعب؟ إذن هذا التبني لتعزيز فصل القطاع”.
وفي 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلنت إيران عن تبنّي عوائل شهداء وجرحى مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار بغزة، وذلك في البيان الختامي لمؤتمر الوحدة الإسلامية الذي عقدته طهران آنذاك.
وأكد أبو سيف على أن أي “دفع للأموال خارج المؤسسة الرسمية هو تعزيز لـ(كيننة) قطاع غزة وتحويله لكيان مستقل، وفصله عن المشروع الوطني”.
حرب تسريب العقارات بالقدس
يقول المتحدث باسم “فتح” في قطاع غزة إن حركته والأجهزة الأمنية الفلسطينية العاملة في مدينة القدس، تخوض حرباً شرسة مع إسرائيل فيما يتعلق بمحاربة تسريب العقارات في المدينة منذ أكثر من عامين.
وفي إطار تلك الحرب، اعتقلت السلطات الإسرائيلية نحو 400 عنصر من منتسبي الأجهزة الأمنية العاملة في القدس بتهمة محاربة تسريب العقارات؛ كونه عملاً وطنياً، كما قال أبو سيف.
كما تم اعتقال نحو 50 كادراً من حركة “فتح” بالقدس، كانوا يعملون في محاربة تسريب العقارات.
وأكد على أن “السلطة ستبقى تحارب هذه العملية ولن يُسمح ببيع عقار واحد في القدس، ولن يترك مهرب للعقارات دون معاقبة”.