فتح ملف المفقودين في العراق، المعقد والشائك، سيكون بالتأكيد امتحانا لوعود الكاظمي وقدرته على لجم الفصائل المسلحة وإعادة فرض القانون.
بغداد-“القدس العربي”: معركة فرض الإرادات بدأت مبكرة بين رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي وبين الفصائل المسلحة، ومن وراءها الدولة العميقة، عبر توجيهه بتحريك ملف في غاية الحساسية والتعقيد، وهو ملف المغيبين والمخطوفين في العراق، الذي عجزت كل الحكومات السابقة عن فتحه، لأن فصائل مسلحة وجهات دولية تقف وراءه.
وخلال زيارته وزارة الداخلية، وجه الكاظمي بالبحث في ملف المغيبين والمختطفين، والكشف عن المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع والجهات المعنية به. ولأن الكاظمي يدرك حقيقة سطوة الفصائل المسلحة التي تقف وراءه، فإنه دعا لعدم الخشية من “أي جهة تدعي الانتماء السياسي، عند التحرك ضد عصابات الخطف والجريمة المنظمة” مشددا على أن “الجريمة والفساد والتدخل السياسي كلها تحديات تواجه الدولة وهيبتها”.
ولاقت توجيهات الكاظمي ترحيبا عاما وخاصة من سكان المحافظات المحررة من تنظيم “داعش” الذين طالما دعوا لفتح الملف الذي يمس معاناة عشرات الآلاف من العائلات الباحثة عن أبنائها المغيبين سواء من قبل أجهزة أمنية رسمية أو فصائل مسلحة.
فقد أكد عضو مفوضية حقوق الإنسان فاضل الغراوي، أن إعطاء رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية لحسم ملف المغيبين قسرا، تعد خطوة مهمة للتعامل مع ضحايا الاختطاف والإرهاب.
وقال الغراوي في لقاء تلفزيوني “إن مفوضية حقوق الإنسان والعديد من دوائر الدولة تلقت شكاوى عن حالات فقدان أشخاص خلال السنوات الأخيرة، سواء بسبب العمليات الإرهابية أو خلال التظاهرات” مقرا بأنها “من الملفات الشائكة والمعقدة، بسبب كثرة أعداد الموقوفين في دوائر الدولة” ومؤكدا وجود التزامات دولية على العراق في هذا الملف وخاصة بعد انضمام العراق إلى اتفاقية الاختفاء القسري الدولية.
أما النائب السابق عبد الكريم عبطان، فإنه القى الضوء على جوانب من تعقيدات ملف المغيبين في لقاء تلفزيوني، عندما أعلن “لدينا قائمة بـ643 مغيبا اختطفوا من قبل فصائل مسلحة في سيطرة الرزازة في الأنبار خلال المعارك مع تنظيم (داعش) وأن أكثر من 300 شخص اختطفوا في يوم واحد في تكريت” إضافة إلى نحو “ألف مواطن مغيبين في سجون إقليم كردستان”. وفي إشارة إلى الجهات التي تقف وراء ملف المغيبين، ذكر أن “هناك ميليشيات مسلحة تدعي بانها تابعة للفصائل” تتحكم بهذا الملف، وهي التي “تمنع كشف مصير آلاف تم خطفهم من قبلها وتحتفظ بهم حتى الآن لديها”.
وكشف عبطان عن تدخل إيراني في ملف المختطفين في منطقة جرف الصخر في محافظة بابل، عندما ذكر “أن رئيس الوزراء أبلغنا ان قضية جرف الصخر ليست من صلاحيته! كما تم إبلاغنا من قوى شيعية ان قضية جرف الصخر مرتبطة بطهران” ولذا “زار وفد من القوى السنية، طهران وبيروت، ولكن لم تحل قضية الجرف” حسب قوله.
وسبق أن اتهم نواب وسياسيون سنة في مناسبات عديدة، الميليشيات (وخاصة كتائب حزب الله) باعتقال مواطنين سنة واحتفاظها بهم في سجونها الخاصة منذ سنوات، وهو السر وراء عجز حكومات بغداد عن فتح ملف المفقودين أو تحديد إحصائيات رسمية عن عدد المغيبين قسرا أو الجهات المسؤولة عنه.
إلا أن بعض منظمات حقوق الإنسان أعلنت إحصائيات مختلفة عن الملف، حيث كشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان (منظمة محلية غير رسمية) في عام 2019 عن “وجود ما يقارب من 25 ألف عراقي مفقود في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار”.
وانتقد المرصد إجراءات الحكومة العراقية في الكشف عن مصيرهم، مبيناً أن “عدد المختفين قسريا والمفقودين في نينوى وصل ما بين 12-15 ألفا، وفي الأنبار تجاوز الستة آلاف حسب المعلومات الواردة من لجان حكومية وبرلمانية، بينما تجاوز عدد المفقودين في صلاح الدين الأربعة آلاف مواطن”. وأكد المرصد، “أن 6500 عائلة فقط قدمت بلاغات رسمية عن فقدان أبنائها، بينما تخشى آلاف العائلات الابلاغ لأسباب عدة، أبرزها طائفية وأمنية واقتصادية”.
واستجابة لضغوط شعبية وسياسية لفتح ملف المغيبين قسرا، قامت الحكومة باتخاذ بعض الإجراءات، منها توجيه مجلس القضاء الأعلى مؤخرا، محاكم التحقيق، لتلقي الشكاوى بخصوص المفقودين واتخاذ الإجراءات القانونية لمعرفة مصيرهم بالتنسيق والتعاون مع الجهات الأمنية المختصة.
وقبل تشكيل حكومة الكاظمي، عقد ممثلو المحافظات المحررة من تنظيم ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” من النوابِ الحاليين والسابقين في مجلس النواب العراقي، اجتماعا تناول قضية المختطفين والمغيبين قسرا الذي حدد وجود تقصير حكومي في التعامل مع هذا الملف، كما قرروا تشكيل لجنة لمتابعة ملف المفقودين والمغيبين والمخطوفين قسرا.
ورغم أن آمال عائلات المغيبين انتعشت قليلا، بوعود مصطفى الكاظمي، إلا أنها اصطدمت من جديد، بمواقف الفصائل المسلحة ومساعيها لفرض نفوذها على الحكومة الجديدة، ومنها تعاملها مع ملف المغيبين. فمع إنكار الفصائل مسؤوليتها عن الملف أو تقديم معلومات عن المغيبين لديها، فقد جاء قصف المنطقة الخضراء مجددا بصواريخ الكاتيوشا ومهاجمة مبنى قناة “ام بي سي العراق” السعودية، وتنظيم مسيرة للفصائل المسلحة وسط بغداد بمناسبة يوم فلسطين الذي دعت إليه إيران، وتكرار التهديدات العلنية من الفصائل بمهاجمة المصالح الأمريكية، إشارات تتعارض مع وعود الحكومة بفرض القانون.
وفي كل الأحوال، فإن فتح ملف المفقودين في العراق، المعقد والشائك، سيكون بالتأكيد امتحانا لوعود الكاظمي وقدرته على لجم الفصائل المسلحة وإعادة فرض القانون وهيبة الدولة، إضافة إلى أنه سيعكس جديته في إنهاء معاناة عشرات الآلاف من المغيبين وعائلاتهم، التي استمرت سنوات من دون حلول، والذي سيحسب إنجازا له إن تحقق.