فتنة‭ ‬التأويل‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬فاتحة‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬للمغربي‭ ‬محمد‭ ‬الشيخي

محمد أيوب
حجم الخط
0

‭ ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬تفتح‭ ‬ذراعيها‭ ‬لمعانقة‭ ‬القارئ‭ ‬واحتضان‭ ‬تأويلاته،‭ ‬وإنما‭ ‬صفة‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬التلقي‭ ‬والتأويل‭ ‬لصيقة‭ ‬بالإبداعات‭ ‬الغنية‭ ‬التي‭ ‬تومئ‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تشير،‭ ‬نظرا‭ ‬لطبيعتها‭ ‬الإيحائية‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اتجاه‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الأدبي‭ ‬هو‭ (‬أثر‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لكونه‭ ‬يؤول‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتأثر‭ ‬خصوصيته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تختزل‭) ‬ـ‭ ‬تجربة‭ ‬غنية‭.‬

ويعتبر‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬فاتحة‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬للشاعر‭ ‬المغربي‭ ‬محمد‭ ‬الشيخي،‭ ‬نموذجا‭ ‬من‭ ‬نماذج‭ ‬الآثار‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬نظمها‭ ‬الشاعر‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬لسان،‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬وأمكنة‭ ‬مختلفة،‭ ‬كل‭ ‬لسان‭ ‬يستنطق‭ ‬الغياب‭ ‬ويحاور‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه‭ ‬وللقبض‭ ‬على‭ ‬الغابر‭/‬الظاهر‭ ‬فيه‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬القارئ‭/‬الناقد‭ ‬أن‭ ‬يتسلح‭ ‬بأدوات‭ ‬معاصرة‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬تفكيك‭ ‬مفصلياته،‭ ‬والقبض‭ ‬على‭ ‬فائض‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يختفي‭ ‬وراء‭ ‬الصور‭ ‬الشعرية‭ ‬الفنية‭ ‬والجمالية،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬الشاعر‭ ‬محمد‭ ‬الشيخي‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬المتشبعة‭ ‬بالتجربة‭ ‬الحداثية‭ ‬بأشكالها‭ ‬المختلفة،‭ ‬مكنته‭ ‬من‭ ‬تطويع‭ ‬القصيدة‭ ‬الحرون‭ ‬بحكم‭ ‬اطلاعه‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬الحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان،‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬تحولات‭ ‬كثيرة‭ ‬بالموازاة‭ ‬مع‭ ‬تحول‭ ‬الواقع‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬بلاغة‭ ‬الشعر‭ ‬إلى‭ ‬تجسيد‭ ‬معاناة‭ ‬المواطن‭ ‬العربي‭ ‬وهمومه‭. ‬وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬الشعري‭ ‬مجلات‭ ‬أدبية‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬مثل‭: ‬مجلة‭ ‬‮«‬الآداب‮»‬‭ ‬لسهيل‭ ‬إدريس‭ ‬ومجلة‭ ‬‮«‬شعر‮»‬‭ ‬ليوسف‭ ‬الخال،‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬أصوات‭ ‬شعرية‭ ‬كثيرة‭ ‬مثل‭ ‬صلاح‭ ‬عبد‭ ‬الصبور‭ ‬ونزار‭ ‬قباني‭ ‬وأدونيس‭ ‬وأنسي‭ ‬الحاج‭ ‬ومحمد‭ ‬الماغوط‭..‬

وللشاعر‭ ‬محمد‭ ‬الشيخي‭ ‬إصدارات‭ ‬متعددة‭ ‬منها‭: ‬‮«‬حينما‭ ‬يتحول‭ ‬الحزن‭ ‬جمرا‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬منشورات‭ ‬الجامعة،‭ ‬سنة‭ ‬1983،‭ ‬وديوان‭ ‬‮«‬الأشجار‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬قرطبة،‭ ‬سنة‭ ‬1988،‭ ‬و«وردة‭ ‬المستحيل‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬منشورات‭ ‬فضاءات‭ ‬مستقبلية‭ ‬سنة‭ ‬2002،‭ ‬ثم‭ ‬‮«‬زهرة‭ ‬الموج‮»‬،‭ ‬الصادر‭ ‬سنة‭ ‬2009،‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الحرف‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الومضات‭ ‬المتضادة‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬شرسة‭ ‬بين‭ ‬اللفظتين‭ ‬المختلفتين‭ ‬البكاء‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الضحك‭ ‬والفاتحة‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الخاتمة

‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الديوان

وقديما‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬يحلم‭ ‬بكتابة‭ ‬قصيدة‭ ‬طويلة،‭ ‬ولذلك‭ ‬ارتبطت‭ ‬جودة‭ ‬الشعر‭ ‬وأهميته‭ ‬بطول‭ ‬القصيدة‭ ‬وعدم‭ ‬ابتعادها‭ ‬عن‭ ‬عمود‭ ‬الشعر،‭ ‬ولذلك‭ ‬احتفوا‭ ‬بالمعلقات،‭ ‬وفي‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه‭ ‬سارت‭ ‬قصيدة‭ ‬التفعيلة‭ ‬وقصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬غير‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬فاتحة‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬نجده‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬ومضــــات‭ ‬تبدأ‭ ‬بفاتحة‭ ‬الشمس‭ ‬وتنتهي‭ ‬بخـــاتمـــة‭ ‬الشمس،‭ ‬وبينهــــما‭ ‬يتدفــــق‭ ‬شلال‭ ‬الذاكـــرة‭ ‬المشتعلة‭ (‬من‭ ‬أشعل‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭… ‬فاتحة‭ ‬الشمس‭) ‬ويكون‭ ‬فضاء‭ ‬الذاكرة‭ ‬هو‭ ‬الحاضنة‭ ‬الخصب‭ ‬لمخاض‭ ‬شعري‭ ‬جديد‭ ‬ذي‭ ‬بنية‭ ‬تقابلية،‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬تقابل‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬مختلفة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التضاد‭ (‬قفا‭ ‬نبك

قفا‭ ‬نضحك‭) (‬فاتحة‭ ‬الشمس‭ ‬وخاتمة‭ ‬الشمس‭ ‬مشرعة‭ ‬كل‭ ‬المرايا‭). ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الومضات‭ ‬المتضادة‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬شرسة‭ ‬بين‭ ‬اللفظتين‭ ‬المختلفتين‭ ‬البكاء‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الضحك‭ ‬والفاتحة‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الخاتمة،‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الشاعر‭ ‬النفسية‭ ‬بين‭ ‬الإحباط‭ ‬والأمل،‭ ‬بين‭ ‬الحزن‭ ‬والفرح،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬غالبا‭ ‬من‭ ‬نجده‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬الخاتمة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنها‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬إيصالها‭ ‬إلى‭ ‬المتلقي‭.‬

وبين‭ ‬هذه‭ ‬الثنائيات‭ ‬الضدية‭ ‬الفاتحة‭ /‬الخاتمة‭ ‬والبكاء‭ ‬والضحك‭ ‬تتحرك‭ ‬شطحات‭ ‬الشاعر‭ ‬الصوفية،‭ ‬التي‭ ‬تتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬لكي‭ ‬تدعم‭ ‬الخارج‭ ‬وتقويه،‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬المجهول‭ ‬لتكشف‭ ‬المستور‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬ومضات‭ ‬سريعة‭ ‬مشرقة‭ ‬متوهجة‭ ‬مكثفة،‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬التأويل،‭ ‬ومفتوحة‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬نصوص‭ ‬قديمة‭ ‬أعاد‭ ‬الشاعر‭ ‬إحياءها‭ ‬والتذكير‭ ‬بها‭ (‬خفف‭ ‬الوطء‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تبقى‭ ‬يؤسسه‭ ‬الصمتُ‭ ‬والفتنة‭ ‬النائمة‭) ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أبي‭ ‬العلاء‭ ‬المعري

‮«‬قفا‭ ‬نبك‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يتناص‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬بيت‭ ‬امرئ‭ ‬القيس‭ ‬المشهور،‭ ‬مستخدما‭ ‬أسلوب‭ ‬الصدمة‭ ‬التي‭ ‬ترج‭ ‬المتلقي‭ ‬وتبعث‭ ‬على‭ ‬التأمل‭ ‬والتفكير،‭ ‬وذلك‭ ‬باعتماده‭ ‬لغة‭ ‬غير‭ ‬مألوفة،‭ ‬فيه‭ ‬صور‭ ‬شعرية‭ ‬نفسية‭ ‬مدعومة‭ ‬بإشارات‭ ‬جسدية‭ (‬مشرعة‭ ‬كل‭ ‬المرايا

هل‭ ‬ترى‭ ‬أزمنة‭ ‬تمشي

على‭ ‬سجادة‭ ‬الليل‭)‬

إن‭ ‬المرآة‭ ‬هنا‭ ‬لها‭ ‬تقاطعاتها‭ ‬الاستعارية‭ ‬مع‭ ‬كلمة‭ ‬الماء‭ ‬التي‭ ‬تحيل‭ ‬إلى‭ ‬مرجعية‭ ‬أسطورية‭ ‬تخترقها‭ ‬شخصية‭ (‬نرجس‭) ‬الفتى‭ ‬المولع‭ ‬بصورته‭ ‬المنعكسة‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬النهر،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬والهدف‭ ‬من‭ ‬المرايا‭ ‬تحولت‭ ‬بقدرات‭ ‬الشاعر‭ ‬ومخيلته‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬عاكسة‭ ‬للصورة‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لانعكاس‭ ‬الزمن،‭ ‬للزم‭ ‬الماضي‭ ‬بتقلباته،‭ ‬والحاضر‭ ‬بآماله‭ ‬وآلامه،‭ ‬والمستقبل‭ ‬بتطلعاته،‭ ‬وبهذه‭ ‬الصور‭ ‬الشعرية‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬إثارة‭ ‬فضول‭ ‬المتلقي‭ ‬وتوريطه‭ ‬في‭ ‬تمثل‭ ‬المشهد‭ ‬وتصوره،‭ ‬حيث‭ ‬المتلقي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يصبح‭ ‬عنصرا‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬تشكيل‭ ‬الصورة‭ ‬الشعرية‭. ‬وقد‭ ‬تبدو‭ ‬للقارئ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الومضات‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬جزر‭ ‬نائية‭ ‬مستقلة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬ومضات‭ ‬مترابطة‭ ‬يربط‭ ‬بينها‭ ‬خيط‭ ‬ناظم‭ ‬هو‭ ‬الموقف‭ ‬الحسي‭ ‬والإحساس‭ ‬المرهف‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬إبداعات‭ ‬الشاعر‭ ‬محمد‭ ‬الشيخي‭ .‬

استنتاجات

نسجل‭ ‬بأن‭ ‬الديوان‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬فاتحة‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬سياحية‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ (‬طنجة‭ ‬ـ‭ ‬إشبيلية‭…) ‬و«فاتحة‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬بمثابة‭ ‬تمهيد‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الدورة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للديوان‭ ‬وهي‭ ‬خاتمة‭ ‬الشمس‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬الدورة‭ ‬الهاربة‭ ‬المدهشة،‭ ‬وكأن‭ ‬الشاعر‭ ‬يكتب‭ ‬سيرة‭ ‬للمواقع‭ ‬والأمكنة‭ ‬والأزمنة‭ ‬حين‭ ‬يتجول‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬الذات‭ ‬الشاعرة،‭ ‬بإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬الشعرية‭ ‬بلغة‭ ‬سامية‭ ‬صوفية‭. ‬كما‭ ‬نسجل‭ ‬بأن‭ ‬اللفظة‭ ‬في‭ ‬الديوان‭ ‬بنت‭ ‬السياق،‭ ‬مرة‭ ‬تكون‭ ‬منفعلة‭ ‬ومرات‭ ‬كثيرة‭ ‬تكون‭ ‬فاعلة،‭ ‬وتختلف‭ ‬درجات‭ ‬فاعليتها‭ ‬بحسب‭ ‬درجات‭ ‬انزياحها،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬اللغة‭ ‬الشعرية‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬من‭ ‬الأوقات‭ ‬بتنا‭ ‬نقرأ‭ ‬ومضات‭ ‬شعرية‭ ‬تجريدية،‭ ‬ما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬ثراء‭ ‬اللغة‭ ‬وتعدد‭ ‬القراءات،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬النصوص‭ ‬الشعرية‭ ‬حية‭ ‬مفتوحة‭ ‬مع‭ ‬القارئ‭ ‬وتأويلاته،‭ ‬لأن‭ ‬النص‭ ‬بحسب‭ ‬أمبرتو‭ ‬إيكو‭ ‬نص‭ ‬ناقص‭ ‬وغير‭ ‬نهائي،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬خاضع‭ ‬للتأويل‭ ‬والقراءة‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية