يتفرد لبنان من بين دول المنطقة، وربما من بين دول العالم بأنه اكثر من شهد اغتيالات سياسية منذ نشأة الجمهورية.
هذه الاغتيالات التي غالبا ما تهدف الى تحقيق اجندات سياسية اقليمية، او تدخلات اجنبية لرسم سياسة معينة كل فترة من الزمن من خلال الساحة اللبنانية.
واستهدفت هذه الاغتيالات رجال سياسة، كما زعماء طوائف وصحافيين.
ولعل الاغتيالين البارزين اللذين من الممكن المقارنة في ما بينهما، لتشابه الظروف والصفة التي كان يتمتع بها المستهدف، هما اغتيال الزعيم كمال جنبلاط والرئيس رفيق الحريري، كمال جنبلاط كان زعيم الطائفة الدرزية والرئيس رفيق الحريري كان زعيم الطائفة السنية. هذان الاغتيالان احدثا تفاعلات اثرت على مسار التطورات السياسية في لبنان والمنطقة.
المفارقة هي انه بعد اغتيال كمال جنبلاط اكملت القوات السورية سيطرتها على الجبل والمناطق المسيحية. وكان لاغتيال الرئيس الحريري مفاعيل ادت الى خروج الجيش السوري من لبنان.
التشابه ما بين الاغتيالين هو انه كان لكمال جنبلاط ولي دم حديث العهد بالسياسة حينها، تولى المهمات على عجل، والقيت على ظهره مسؤولية طائفة تنتظر منه ان يتولى البحث عن حقيقة مقتل زعيمها.
كما ان الرئيس الحريري ترك من بعده ولي دم حديث العهد بالسياسة مطالبا من قبل طائفته والشعب اللبناني بمعرفة حقيقة من اغتال الزعيم ورئيس الحكومة.
اغتيل كمال جنبلاط في 16 اذار/مارس من عام 1977، لم تكن الخيارات المتاحة لوليد جنبلاط حينها كثيرة، اما الفتنة او النسيان والصفح عن قتلة والده كانوا من يكونون. وذلك حسبما ينقل عنه. لذلك وبعد اربعين يوما على وقوع الجريمة توجه وليد جنبلاط الى سورية قائلا: ‘سأذهب الى سورية لكي اصافح اليد التي قتلت والدي’، وهو الذي كان على علم بكل التفاصيل التي رافقت وقوع جريمة اغتيال والده. اغتيل رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير من عام 2005، كان اغتياله بمثابة انقلاب على الساحة اللبنانية، ولسخرية القدر تكرر المشهد ذاته مع ابن الرئيس الحريري سعد الحريري، وضع امام حدث جلل، فكان عليه اما المواجهة، او تقبل الامر كما فعل من قبله جنبلاط، لم تكن للحريري خيارات عدة، الخيارات المطروحة كانت اما التوجه الى القضاء والالتزام بمقتضياته، واما التسليم بقضاء القدر، ومسح الدماء وكأن شيئا لم يكن، اختار الحريري المواجهة والمطالبة بالاقتصاص من القتلة مهما تكن جنسياتهم او مآربهم، فكانت المحكمة الدولية.
الشعب اللبناني الذي عانى الامرين، ومنذ الاستقلال من عواصف الاغتيالات السياسية، مثلت له المحكمة الدولية، خشبة خلاص من تبعات الاغتيالات، اذ انه في كل مرة كانت الاتهامات ترمى شمالا ويمينا، وفي كل مرة كان الملف يقفل ضد مجهول. قرار وليد جنبلاط ‘التاريخي’ كما يحب هو ان يصفه، كان وحسب جنبلاط ايضا لمنع شبح الحرب والفتنة عن لبنان، لكن هذا القرار لم يمنع على الجبل ولبنان من تذوق الكأس الاليمة جراء الحرب الاهلية التي كانت قد بدأت واستمرت الى ما يقارب 15 عاما.
اما سعد الحريري فقرر المواجهة والذهاب بالأمور الى خواتيمها لمعرفة القاتل، فكانت المحكمة الدولية. الاثنان وليا الدم الحريري وجنبلاط، هما الأكثر من يمكن اعتباره حريصا على معرفة الحقيقة. في حالة جنبلاط قرر اقفال الملف على زغل فتكرر المشهد، مع اغتيال الرئيس الحريري. لكن الحريري الابن لم يقفل الملف وهو مطالب اليوم بإقفال ملف المحكمة الدولية، واقناع نفسه اولا قبل الشعب اللبناني بسيناريو غير مفهوم عن قتلة والده، والا فالفتنة السنية – الشيعية والذهاب بالبلاد الى حرب اهلية جديدة، في وقت لم يمنع تخلي وليد جنبلاط عن معرفة من اغتال والده من استمرار العنف والحرب الاهلية، فإن تخلي سعد الحريري عن معرفة من قتل والده لن تؤدي الى منع الفتنة، في حال كان قد اتخذ القرار بتفجير الوضع.
من يضمن للبنان ولكل لبناني عدم تكرار هذا المشهد الدموي عند كل مفصل في السياسة المحلية والاقليمية، وفي كل مرة تريد اي جهة كانت ان تحقق مآرب او مصلحة من خلال توجيه رسائل عبر الساحة اللبنانية، خاصة انه لا يعرف لماذا كانت عملية الاغتيال؟ وما الهدف من ورائها؟ لكن ايهما الاجدى اقفال الملف ضد مجهول او معرفة القاتل؟ ام متابعة ما كانت قد تمت المباشرة به؟
من الطبيعي ان يحاول القاتل اثارة بلبلة ذلك انه يريد ان يكون مجهولا دائما وبعيدا عن قبضة العدالة. والتهويل الذي نراه اليوم هو الثمن الذي على الشعب اللبناني ان يدفعه في مقابل تحقيق العدالة، والمخاض الذي تعيشه الساحة اللبنانية هو الالم السابق للولادة والتي اما ان تنجب الحقيقة، واما تجهض هذه الحقيقة قبل ولادتها. وهذا ما سوف يكون له انعكاس لاحق، اذ انه تخطئ الفئة اللبنانية التي تظن بأن عمليات الاغتيال لن تطالها في المستقبل. ذلك انه ووفقا لتاريخ الاحداث، كل فئة من الشعب اللبناني ذاقت من هذه الكأس. اذن مقاضاة القاتل تحمي الجميع.
ولتجنيب هذا البلد المزيد من الخضات المستقبلية لا طريق الا طريق الحقيقة. سوسن مهنا – بيروت