قليلة هي عيون الكائنات التي تروق للمهتمين بالجمال؛ للعصفور نظرة دائرية يفتش فيها المكان من أربع جهات، وسببها الخشية والقلق الدائمان، وهناك نظرة فاحصة في عيون الكلاب لا تخطئ الأشياء القريبة والبعيدة، في المكان وفي الزمان. أول من تعرف على «يوليسيس» عند عودته إلى بيته فورا هو كلبه «أرغوس». وكأنه إيحاء بأن استمرار الفرد ظاهر في أمارات لا تراها إلا عيون هذه المخلوقات الوفية. إنها تحس وتفكر وتعرف ولديها تصورات عن الكون أكثر من أهل العلم والأدب، وأهل المعرفة والفنون أيضا.
فرقٌ كبير بين أن يوجد الكائن، وأن يكون كاملا، وجميع الحيوانات جاءت إلينا بهيئة وتركيب كاملَين، ومعصومةً بالتالي عن الخطأ، بما فيها الحشرات الضارة، كالقملة والأرضة والقرادة، وبما فيها أيضا العناكب السود الضخمة السامة. هل كان الإنسان هو المخلوق الوحيد الناقص، الذي يحمل على كاهله أخطاء وذنوبا وأوزارا لا تُعد، لأنه كُتِب عليه أن يمر بأطوار استحالة أخلاقية وخُلُقية يجرب فيها، في مراحل عمره المختلفة، أن يرتقي إلى ما يراه كائنا مُكتملا؟ إن ما يعقله ذهن الطفل ويؤمن به يختلف تماما عن ذلك الذي يُراودُ عقلَ وفؤاد الصبي والفتى والشاب، والكهل الصغير والكهل الكبير والشيخ، وكأن كلا من هؤلاء يعيش في كوكب مستقل، فهو بالتالي مخلوق يتطور ويتراجع باستمرار في خط يشبه الموجة الجيبية، مرسومةً على خط مستقيم ثابت يمثله الحيوان، الذي يصفه العلماء ورجال الدين بأنه كائن غير عاقل، بينما هو في الحقيقة كامل الخِلقة، ويمتلك زينة العقل الأحسن. النملة تظل نملة وإن عاشت ألف سنة مما يعدون، لا تفكر ولو مرة في أن تنقلب بطة. والقرد هو القرد، لا يجول في خاطره أن يصير أسدا، والبقرة لا ترغب في أن تكون أرنبا. بينما يجرب الإنسان أن يكون مرة طائرا أو تمساحا أو حرباء لا يعرف لونها أحد. والسبب يعود إلى آلة العقل الجبارة التي كان أساس تكوينها، أن تُحسننا وترتقي بنا، فإذا ببني البشر يتحدرون بسببها إلى حضيض الجهل الأخلاقي، وهناك من يعيش بيننا ونخشى منه الأسوأ، فلا مناص من أن يعود بنا ارتقاء وانتخاب طبيعيان عكسيان، يمضيان بنا إلى الوراء حتى نستقر عند جنس الكلب الأليف مثلا، ومن السهولة التبشير عندها بالجنة على الأرض.
لكل منا في مراحل العمر السبع (الطفولة والصبا والفتوة…) التي مرّ ذكرها أبٌ وأم استهلكتهما مراحل عمرية مشابهة، وكانا يصعدان ويهبطان عبر أمواج جيبية استقتْ حبرَ مدادها من أسلاف ركبوا أمواجا مشابهة، وكل هذا الموج متصل لا انقطاع فيه.. الواحد منا له الحق إذن أن لا تثبت له ساق ولا قدم، وعلينا أن نعبر المُحيط في سنين العمر على ظهور الأمواج، ننظرُ طوال الوقت باحثين عن شاطئ الأمان، فما إن نبلغه تكون الرحلة قد انتهت.
كان الأباطرة الصينيون يأخذون القطط معهم في أسفارهم يتعرفون على الوقت من خلال أشكال عيونها، وإذا كان قياس الجمال في مساحة وحجم العين فإن لدى الذباب والنعَرات والبراغيث عيونا تأخذ حوالي ثلث أجسادها، كما أن علينا أن نُبدي عدم اكتراثنا لعيون المَها، التي عرفتْ كثيرا من النعت والإطراء من قِبَلِ الشعراء، لأنه لا أشد من سكونها وجمود الصورة المطبوعة فيها، فهي تشبه عين الكاميرا، تسجل ولا تشعر. بينما تبدأ النعجة نهارها بجوع قوي ينخب القلب، فتأخذ بالتفتيش عن حياة فعلية تدخل ناظريها، عُشبة أو حفنة شعير وغير ذلك، تقضمها بتلذذ ينتشر مثل سحابة من الغبطة تلف المكان، تتشبع بها جميع المخلوقات – بما فيها الإنسان- التي تبلغها السحابة. هو سياق في التفكير قد يبدو غريبا، ورؤية في التفريق بين أنواع الحُسن في الطبيعة، ليس فيها إغواءٌ أو فذلكة أدبية، وإنما قناعة تكونت لديّ بعد مشاهدتي نعجة تلد خروفا صغيرا ولم يكن يبدو عليها أنها تتألم. في تلك الساعة تحلت بمحيا روحاني جدا، وكانت تنظر بعينين لا تطرفان على نحو غير طبيعي، وبنوع من الاعتراف بالجميل إلى العالم الذي تركها، رغم اضطرابه، تلد مخلوقا بجرم صغير ورقيق لكنه رائع، يوقظ لدينا ذلك الشعور النادر بالتماهي مع فكرة عدم فناء الأشياء وزوالها، وبالإدبار المحتوم للزمن. ظهرت النعجة في ساعة الولادة بناظرين امتزج فيهما الذهبي اللامع والأخضر الزاهي والأزرق السماوي والأسود الذي يشبه ليل السنونو، كأنهما حجران كريمان رقدت فيهما الألوان ملايين السنين، وظهرت لنا بهذا الإعجاز. ثم قامت النعجة الأم ولحست وليدها مباشرة، ونظفته فأصبح أبيض اللون.
في عصر الآلة التي تصنع أشياء جميلة جدا وقبيحة جدا، وتُنتج مواد لا تنفع ويقبل على شرائها الجميع، في هذا العصر تستحق الحياة أن تُعاش أكثر ولو لمجرد إلقاء نظرة على عين النعجة في ساعة المخاض. هل تلاحظون معي هذه المعادلة الغريبة؛ حيوان يعيش على كوكب الأرض، وفي لحظة يعرض علينا الفتنة المستكنة في أعماقه، فإذا هي مخلوق يشبه النعجة الأم بطريقة غريبة. هي لعبة العرائس الروسية: امرأة تلد نفسها، لكن الفعل يتم في حال من الصمت الغريب، فلم يبدر منها أي صوت يدل على الوجع الخاص بالمخاض الطويل والمرهق، الذي يسبق فعل الولادة. يذكر الشاعر محمود درويش الطريقة التي جاء بها إلى الدنيا: «ولدتُ/ كما يولد الحيوان الأليف هنا/ دفعةً واحدةً». إنه تعريف لموهبته الفذة في قول الشعر بأنها فعل منسجم مع قوى الطبيعة، مثلما تلد النعجة خروفها الصغير المُعجز في شكله وتكوينه، جاء إلى الدنيا شاعر العربية العبقري محمود درويش، كأنه ينفس بهذه الطريقة عن ضيم شخصي ضد المجتمع المعاصر، بكل ظلمه السياسي والاجتماعي والثقافي والبيئي.. إن الطبيعة قريبة إلينا ومتأهبة لإسداء العون دائما، لكننا نؤْثر الأشياء التي تكون ذات فائدة قصوى لنا فحسب، دون أن نأخذ في البال أمر الجدارة، فإذا لمسنا بعض الغموض في النخل والعشب والأرض العارية، انقلبنا عن الريف إلى المدينة وفضلنا الآلة أن تحل لنا المشاكل في كل تفاصيل الحياة، لا لأنها توفر لنا الرفاهية، ولكن لأن الآلة واضحة ولا لبس فيها، نستطيع تفكيكها إلى أصغر قطعة، وهذا الأمر مستحيل أو صعب تماما مع ما في الطبيعة من حيوان ونبات وجماد. يقول برنارد شو: «الفرح الحقيقي الذي نشعر به يكون أثناء تناولنا الطعام»، وتقضي النعجة نهارها وليلها وهي تأكل، ومع هذا فهي لا تسمن أو يصيبها داء السكري وارتفاع ضغط الدم، فكم يكون مقدار الغبطة والسعادة اللتين تسكن عينيها؟ تتعرف هذه الدابة على مفردات الوجود بواسطة فمها، وتتحسسه من حولها و»تهضمه» في الوقت ذاته. كانت السماء في آخر الطريق صافية وزرقاء، ونظرتِ النعجة في تلك اللحظة إلى الشمس، وكانت تفكر فيها نوعا من الطعام، فهي تريد أن تكون علفا يستقر في أحد أركان فمها.
كل شيء هادئ، وكان ثمة شيء من ريح، ويبدو أن النعجة سمعت أصواتا غامضة مصدرها مركز الشمس، ولهذا عدَلت عن رأيها. ماذا لو أكلت النعجة الشمسَ والقمر وبقيةَ الكواكب، وتنفست هواء كونيا مضمخا بعطر غبار النجوم البعيدة؟ بأي وهج يشع الخروف الصغير الذي سوف تلده؟ ربما كانت طريقة عبادة الهندوس للبقرة وعجْلها الوليد جاءت بواسطة هذه الطريقة من التفكر والتأمل؛ هنالك بقرة ألم بها ذات يوم جوع عظيم فتناولت كل ما على الأرض من نباتات مقدسة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى ما في السماء من أجرامٍ وشهبٍ وكواكبَ.. جاءت البقرة الوليدة إلى الدنيا ملفوفة في تنورة أمها الخصبة المقدسة، فهي تحمل إذن سر الأسرار في الكون وقُدوسها الأعظم. نقرأ في تفسير الطبري في (جامع البيان)، والثعالبي في (الكشف والبيان) أن دلالة كلمة (نعجة) في نص «إِن هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزنِي فِي الْخِطَابِ» هي إما أنثى الخروف والظباء والبقر، أو هي المرأة، والعرب تفعل ذلك كثيرا حين توري عن النساء بالظباء والشاة والبقر. قال الحسن بن الفضل: هذا تعريض التنبيه والتفهيم، لأنه لم يكن هناك نعاج ولا أبقار، وإنما هو كقول الناس ضرب زيدٌ عمرا، وظلم عمرو زيدا، واشترى بَكْر دارا وما كان هناك ضرب ولا ظلم ولا شراء.
الحياة حزينة والكلمات ليست عقيمة؛ في ذلك الأصيل البعيد (نحن في الثمانينيات) كنتُ أزور أخي ضامر في سجن «أبو غريب» الشهير، وكان ثمة نساء يبحثنَ عن أبنائهن، ويفتشنَ أنحاء السجن دون جدوى، لأنهم كانوا معدومين، وغُيبت جثامينهم عن أهلهم. ثم راح حرس السجن يطردون الأمهات ويضربونهن بالعِصي. كان هناك ما يكفي من الألم في هذه التجربة كي أصوغها في قصيدة أختتم بها المقال، وتحمل عنوان «حُملان»:
«في نهاراتِ الصيفِ الطويلة/ في الأصائل/ تُسمعُ في الحقلِ جلبةُ قطيعِ نعاجٍ غيرِ مرئيةٍ/ تقتفي آثارَ حُملانٍ لم ترضع منها أبداً../ الذئاب تعوي، والنعاجُ تتدافعُ/ تنادي حُملانَها/ تطلبُهم /وتَجِد في البحثِ عنهم/ ولا تيأس».
كاتب عراقي