أَوغلت رواية «ضريح أبي» (دار العين للنشر) للروائي المصري طارق إمام في استثمار اللامعقول استثماراً بلغ حدوداً بعيدةً في تشكيل بنيةِ عناصرِ مادتِها الحكائيةِ. وهو إيغالٌ متى عضدناه بحداثة زمن نشر هذه الرواية، ووجودِ صَدى فيها لروايات اللامعقول العربية، خاصة منها كتابات الأردني مؤنس الرزاز، كَشَفَ لنا عن تأكدِ اللامعقول فيها اتجاهاً فنياً من اتجاهات الرواية العربية المعاصرة، حيث نلفي له فتنةً سرديةً محمولةً في حكايةِ راوٍ تعود السيرَ بين قبر أمه وضريح أبيه، لقراءة مخطوطٍ تركه الأب يتضمن أسراراً حول عائلته وناس مدينته، وليملأ باقي صفحاته البيضاء بما كان تمنى أن يكتبَه هو يومًا عن قصة «رَجلٍ عجوز بلا ذكريات، رجل تجاوز كل سنوات الآخرين إلى أن صار القادم نفسه ذكراه، وحيث يكفيه أن يستدير ناظراً خلفه كي يرى ما سيأتي قبل وقوعه الوشيك». وفي خلال هذه الرحلة تتكشف في الرواية عوالِم وشخصياتٌ لامعقولةٌ.
المَيت الحي
يحضر الأب في رواية طارق إمام بوصفه ولياً صالحًا ذا كراماتٍ ومعجزاتٍ لامست حدودَ النبوةِ، حيث بدأت حياته تأخذ شكلاً جديداً، بين أفراد مجموعته الاجتماعية لم يكن لِيَتَخَيله، مثلَت فيه الرؤيا مدخلاً دلف منه إلى عالم اللامعقول والمعجزةِ، وذلك من جهة كون الرؤيا جنساً من الوحي، وفق ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها من أن «أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح». والرؤيا أيضاً ضربٌ من النبوة على حد ما ذكر ابن قتيبة (ت 276هـ) استناداً إلى حديث نبوي جاء فيه القول: «روى بشر بن المفضل، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رؤيا الرجل الصالح يراها، أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة». وعليه، تذكر جَدة الراوي أن تفسيراتِ أبيه المرتَجَلَةَ لأحلام الآخرين سرعان ما «تتحول إلى وقائعَ حقيقيةٍ، ما تلبث أن تقع لأصحابها، بالضبط كما وصفها. كان ما يحدث نَسخًا طِبقَ الأصل من تنبؤاته. ووصلت به الحنكة حد أنه أصبح يستطيع أن يقرأ أحلامَ الناس قبل أن ينطقوا بها».
ظل يحلم في كل مرة بمدينة، يؤسس فيها بيتاً في منامه، ويكون له فيها ضريح عندما يستيقظ. مات في كل المدن التي حلم بها، الميتاتِ كلها التي يمكن لآدمي أن يذوقها، ودفن.
ويبدو أن ما ذكرناه بخصوص تحررِ الشخصيات اللامعقولة من قوانين الطبيعة ومنطِق الناس قد بلغ أوجَه في رواية «ضريح أبي»، ذلك أن راويها لم ينِ يذَكرنا بكرامات أبيه، على غرار غَرَابةِ أحوالِ موتِه، من ذلك أنه «مات مفترشا حصيرته، يقولون إنهم فور رفع جثمانه من فوقها ليلف بالكفن ويدفن، ارتفعت الحصيرة الخالية وظلت ترتفع في الهواء ثم هبطت لتصفعهم، كلما نهضوا بالميت، تعاود الحصيرة الصفع مثل سوط ضخم، وإن صوته تردد (وهو) يقول: «كفنوني بها.. فهي التي تحملني في الريح». وتضاف إلى لامعقوليةِ تكلمِ الأبِ بعد موته لامعقولية تجاوزِه وِحدةَ المكانِ ووحدة الزمان في الآن ذاته، فما إن أقاموا فوقه قبةَ الضريح حتى «بدأ يحلم. ظل يحلم في كل مرة بمدينة، يؤسس فيها بيتاً في منامه، ويكون له فيها ضريح عندما يستيقظ. مات في كل المدن التي حلم بها، الميتاتِ كلها التي يمكن لآدمي أن يذوقها، ودفن. له في كل مدينة ضريح»، لا بل إن لامعقولية شخصية الأب تبلغ حداً صار فيه موته حياةً، فهو المَيت الحَي الذي «ميتاته لا تحصى وهو الآن يعيش».
ولا شك في أن شخصيةً موغلةً في لامعقوليتها لن تتوانى عن تعزيز معجزاتها، ومن صورِ ذاك التعزيز قول الراوي: «الماء، إنه إحدى معجزاته، ألا يقولون إنه كان يمشي على الماء؟»، ومنها أيضاً ترحل الأب بكيانه من مَحَله البشري صوب محل الصفاتِ الإلهية، فقد خالَفَ قوانينَ الطبيعة البشرية ووَهَبَ المرأةَ العاقرَ التي تحرس ضريحَه طفلةً على حد ما فعل الله مع امرأة النبي زكرياء، وَفقَ ما جاء في قوله تعالى: «قَالَ رَب أَنىٰ يَكون لِي غلامٌ وَكَانَتِ امرَأَتِي عَاقِرًا وَقَد بَلَغت مِنَ الكِبَرِ عِتِيا. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبكَ هوَ عَلَي هَينٌ وَقَد خَلَقتكَ مِن قَبل وَلَم تَك شَيئاً»(مريم: 8-9)، إذ يخبرنا الراوي أن حارسةَ الضريح لم تكن ترغب «سوى في شيءٍ واحدٍ يستحيل أن يتحققَ، أن ترزَقَ بطفلٍ والآن، يضاف لجَدبِ رَحِمِها انقطاع الطمثِ عنها، لكن الرجلَ قال لها: لكِ ما طلبتِ، ستكون لكِ طفلةٌ».
إيغالَ المادة الحكائية لرواية طارق إمام في اللامعقول لم يتمثل فقط في طبيعة شخصياتها البشرية، وإنما شمل أيضاً هيئة شخصياتِها الحيوانيةَ الممَثلة بتلك الكائنات المتحولة.
المسوخ الحيوانية
والظاهر أن إيغالَ المادة الحكائية لرواية طارق إمام في اللامعقول لم يتمثل فقط في طبيعة شخصياتها البشرية، وإنما شمل أيضاً هيئة شخصياتِها الحيوانيةَ الممَثلة بتلك الكائنات المتحولة، التي ترابط في الطريق المؤدية إلى ضريح الأب، وهي «مسوخ سوداء لكلاب ذئبية نحيفة بلا آذان أو ذيول، خطومها شديدة الطول، وكلها ذكورٌ. لم يعرف الناس أبداً كيف يمكن لهذه المسوخ أحادية الجنس أن تتناسل»، وتقوم وظيفتها على حماية الضريح من التدنيس عبر منعها الناسَ غيرَ الأطهار من زيارته، بل هي تحولهم إلى تراب أصفر فاقع لونه، فقد ترسخ في أذهان الناس «أنها كانت تَمد خطومَها في جلابيب المارين في الطريق المقدس، لتتأكد أنهم ليسوا جنباً.. وأن مَن تلاحقهم بالركض الشرس على هذا الطريق كل فترة هم النجسون من غير المتوضئين»، وكلما وجدت شرفةَ بيتٍ من بيوت المدينة مفتوحةً تراها «تقفز عبر الفرجات بخفة الطيور، تمد خطومَها في أجساد الضحايا الساهمين فتحولهم في لحظة إلى حفناتٍ من التراب» مثلما فعلت مع جَدة الراوي التي «فتحت الشبابيك واستلقت فوق سريرها، وما هي إلا لحظات حتى كانت مسوخ أبي قد حولتها إلى رماد». وتزداد لامعقولية هذه المسوخ حين نعلم أنها لا تتغذى على شيءٍ سوى على التراب الناعم، فهي «تتجول بأناة بامتداد الطريق لاصقة خطومها بالأرض، تتمشى بوداعة وسكينة لتتغذى ـ فقط- على التراب الناعم»، ثم نلفيها تتخلى عن صِنفِها الكَلبِي لتتحول إلى دابة للركوب: «كنت أمتطي مسخي الذي صار الآن في حجم حصان».
وما نخلص إليه من أَمرِ لامعقوليةِ شخصيات رواية طارق إمام هو اشتراكها في مجموعة من الملامح نذكر منها خاصةً قلقَها النفسي، وتَوَهَانَها، وحِدةَ طَبعِها، وكثرةَ تحولاتها، وطولَ عمرها، وحضورَها في زمنين مختلفين وفي مكانين متَباعِدين في الوقت ذاته، وتغييرَها أماكنَ الأعضاء الجسدية مع إعادة تركيبها تركيباً مخالفاً لطبيعة صِنفها.
٭ كاتب تونسي