«فتن كاتب عربي في باريس» لأحمد المديني: سيرة تقول ما لم تقله الكلمات

تعدّ السير والمذكرات واليوميات من المصادر الأساسية التي لا غنى عنها للمثقف والباحث والقارئ، لأن هذه السير والمذكرات لا تقتصر في محتواها الثقافي والمعرفي على رواية قصة حياة الكاتب المؤلف بقلمه، مثلما يزعم فيليب هامون، وإنما تستوعب، إلى جانب ذلك، الكثير من الأفكار التي تتعلق بأولئك الأشخاص الذين اختلط بهم المؤلف وخالطوه، ولاسيما إذا كانوا كتابا أو مثقفين مبدعين، أو من الضالعين في السياسة أو الخطابة أو الصحافة أو الشؤون العامة، التي تمثل متابعتها في السيرة، زادا وافرا للمؤرخ، ومادة ضرورية للباحث في الفترة أو الحقبة التي عاش فيها صاحب السيرة، أو المذكرات، بل إن فيها ما يهتم به الصحافي والإعلامي والجغرافي والاجتماعي، فلكل مختص من هؤلاء نصيبه من السيرة.
ولهذا اهتم كثيرون بهذا الفن، وصنفوا المؤلفات التي تضع للسيرة حدودًا، فتميزها عن المذكرات واليوميات، وللسيرة الذاتية تعريف يميزها عن السيرة غير الذاتية. والسيرة التي تتصل بالمؤلف لها تعريف يميزها عن السيرة التي تختص بالمكان، كسيرة مدينة (عمان في الأربعينيات) التي كتبها الراحل عبد الرحمن منيف. ويستطيع الدارسون والمهتمون بالبحوث الأدبية والثقافية والفنية العثور على معلومات دقيقة عن البلدان التي تدور فيها حوادث السيرة، أكثر وأوفر من تلك التي يعثرون عليها في كتب التاريخ أو الاجتماع، أو حتى كتب الجغرافية العامة والإقليمية ولا تتوافر في أي مصدر أو كتاب.
وها نحن أولاء نقرأ بشغف السيرة الذاتية، أو لنسمّها المذكرات، التي كتبها الشاعر القاص الروائي المترجم الناقد أحمد المديني من المغرب الشقيق بعنوان «فتن كاتب عربي في باريس» (دار المتوسط، 2019). فمن العنوان يتضح أن الكاتب المديني يعدها سيرة ذات، لا يوميات، مع أنه في قسم غير يسير منها دأب على عنونة فصوله بذكر اليوم والتاريخ واسم الشهر، ومثال ذلك (الخميس 15 مايو/أيار 2015) وعلى هذا النحو دأب في ثلثي الكتاب قبل أن يقلع عن هذا النمط لاجئا لطريقة أخرى في تتبع الوقائع، ولعل هذا مما يشفع له تسمية الكتاب سيرة ذات، لا يوميات، ولا مذكرات، وإن كان الفارق بين هذه المسميات ليس كبيرا، ولا مهمًّا، إذ العبرة بالمضمون، لا في المصطلح.
ويجذب الانتباه في العنوان ذكره باريس، فالمؤلف سبق له أن صنف كتابا آخر بعنوان نصيبي من باريس. (الدار المصرية 2014) وفي ذلك الكتاب يروي لنا، طبقا لتصريحه في مقدمة هذا السفر ـ السيرة- مجريات حياته في باريس بين عام 1980 و2014 مركزا على السنين العشر الأخيرة. وفي هذه السيرة يستوفي ما لم يذكره في ذلك الكتاب، بادئا بوقائع جرت في 22 مارس/ آذار 2015 على أنه لا يتذكر شيئا عن عام 2016 إلا لماما، فهو ينتقل بنا نقلة مفاجئة لكنها سلسة ليحدثنا عن مجريات صيف 2017. ولعل القارئ يلاحظ من هذا أن المديني لا يلتزم التزامًا تقليديًا بالنسق التسلسلي للسيرة، على النحو الذي نجده ـ مثلا- في أيام طه حسين، أو في طفولة عبد المجيد بن جلون، أو «البئر الأولى» لجبرا إبراهيم جبرا، أو في «سفر التكوين» لعبد الكريم غلاب، أو «سبعون» لميخائيل نعيمة اللبناني المهجري. إذ من حقه، بما أنه يصور لنا عبر الحوادث والماجريات الواقعية والمتخيلة علاقته بباريس المكان والإنسان، أن يتنقل بنا من موقف لآخر، مراعيا أن يكون الانتقال من مشهد أوتوبيوغرافي لآخر، أو من مذكرة لأخرى، انتقالا سلسا لا يخلو من تشويق، ولا يؤدي إلى اختلال في نسق أفكاره المتماسكة، وموضوعاته الشيِّقة الممتعة.

ولا يضنُّ المديني على قارئه بآرائه في بعض المسائل الملحة التي أصبحت الشغل الشاغل لبعض المهتمين بالأدب شعرًا ونثرًا. وهي وليدةُ المعايشة اليومية، والتجارب العميقة المتراكمة، والخبرات المختزنة، والغنية بجل ما هو جديد.

وتبدو قيمة هذا الكاتب – بصفة خاصة- في ما تنطوي عليه شهاداته عن بعض النابهين من أدباء العربية وكتابها، الذين كتب عليهم أن يعيشوا في باريس، وأن يتخذوها منفى لهم بعد أن حرمتهم الأنظمة الفاشية في بلدانهم من الحياة الحرة الكريمة، إلى جانب التفاصيل التي تطَّرد في سرده لتنقلاته ورحلاته بين باريس والقاهرة وبيروت والدار البيضاء والرباط وطنجة وأصيلة وأبو ظبي (معرض الكتاب وجائزة البوكر) وتونس وعمان. فالقارئ يجد بعض الذكريات التي تلقي الضوء على أولئك الأشخاص من أمثال عبد الرحمن منيف وجمال الدين بن الشيخ وفريد النعيمي ومحمد الباهي «عروة الزمان» ومحمد عابد الجابري ومحمد بن يحيى وآخرين يطول بنا الأمر إذا نحن استقصينا الأسماء وألممنا بما يحيط بهم من ذكريات.
ولا يضنُّ المديني على قارئه بآرائه في بعض المسائل الملحة التي أصبحت الشغل الشاغل لبعض المهتمين بالأدب شعرًا ونثرًا. وهي وليدةُ المعايشة اليومية، والتجارب العميقة المتراكمة، والخبرات المختزنة، والغنية بجل ما هو جديد. فالجوائز الأدبية التي كثرت الجهات المانحة لها في الآونة الأخيرة كما الفِطر، لا تعزز مكانة الرواية، ولا الأدب العربي عامة. فهي – في رأيه- تُمنح حتى للكتاب الناشئين الذين لم يعرفوا بعد كيف تُكتب الرواية، ولا التفريق بينها- من حيث هي فنٌ أدبي رفيع له قواعده وتقاليده – وبين السواليف المتراكمة بعضها خلف بعض في مخطط عشوائي لا غَناء فيه، ولا مزيَّة. ويلفت المديني الأنظار إلى أن تجربته مع البوكر 2015 كشفتْ له عن حقيقة لا يعرفها كثيرون، وهي أن الناشرين هم من يرشِّحون الروايات، وهم الذين يختارون بعضها للقائمة الطويلة، أو القصيرة، وربما يختارون في الخفاء الرواية الفائزة بعد مقايضات ومساومة. ولبيان مصداقية هذا الانطباع يذكر ما جرى بينه وبين أحد الناشرين، فقد اشترط عليه هذا الناشر أن يكتُب رواية تفوز بالبوكر، وإلا فلن ينشر له أيَّ كتاب جديد. وما يقوله المديني في هذا الشأن شيء خطير، لأنه يؤكد صحة ما يشاع في الأوساط الأدبية، من أن الجوائز تحولت إلى ألاعيب غايتها دس السم في الدسم، وأن المهرجانات التكريمية المرافقة للإعلان عن هاتيك الجوائز لا تعدو أن تكون تظاهرة فاقعة للضحك على الذقون، أو ذرًّا للرماد في العيون.
ورأيه في ما يكتبه الكثير من الشبان لا يبتعد عن هذه الأجواء. فالناشرون الذين تكاثروا وتهافتوا على الرواية تهافت الذباب على الشراب، سرعان ما يُبْدون حماستهم لنشر أي رواية مقابل بعض الدولارات، التي يدفعها الكاتب الطموح لاحتلال موطئ قدم في ميدان هذا الفن، لا يسألون أنفسهم عما إذا كانت تلك الرواية تصلح للنشر أم للقذف في سلة المهملات.. والنتيجة النهائية أننا نجد في المكتبات وفي معارض الكتب روايات بعدد الحصى كثرة ووفرة، لكن الجيد من ذلك الكثير أقل من القليل، والمتبقي لا تتجاوز قيمته قيمة الورق الذي استخدم في طباعته ونشره. وللمديني رأي لا بد للقارئ من الوقوف عنده، وهو رأيه في الإعلام، والصحافة المتصلة بالشأن الثقافي والأدبي. فقد وجه انتقادا لاذعا للصحافة الأدبية، وللصحافيين الذين ينشرون من حين لآخر حواراتٍ مصطنعة، ومتكلفة، مع هذا الشاعر أو هذا الكاتب. وقد ضمّن هذه السيرة سيناريو ـ إذا صح التعبير- لمقابلة صحافية هزلية أجراها معه صحافي بائس ذات مرة. وهو بهذا السيناريو يريد أن يثبت، بل يبرهن على حقيقة مفادها أن الغالبية العظمى من أولئك الصحافيين الذين يجرون الحوارات مع هذا الشاعر أو ذاك الكاتب، لا يمتلكون الحد الأدنى من الدراية بتجربة من يحاورون. علاوة على أن الغالبية الساحقة منهم يفتقرون لأبسط المعارف بفنون الإبداع، من شعر وقصة ورواية. فما جدوى أن يسأل صحافي كاتبا مرموقا ومشهورا له عشرات الكتب قائلا: متى تكتب؟ أو كيف تكتب؟ أو قدم لنا نفسك للقارئ إلخ… والذي لا مفر من الإشارة إليه، أن ما يشد القارئ لهذا الكتاب- السيرة- هو أسلوب المديني السلس العفوي الذي يراوح فيه بين السرد تارة، والشعر النثري تارة، والتوثيق الذي يرتقي من حيث دقته إلى منزلة البحث العلمي الرصين ولا نقول الأكاديمي، تارة أخرى، لا تفارقه في هذا كله سخريته اللاذعة، ومفارقاته المدهشة، فالمديني في هذا الكتاب كما هو في «نصيبي من باريس»، وفي «نصيبي من الشرق»، يتحرر فيه المبدع، المثقف، من سطوة الأكاديمي، وسلطته، مطلقا نفسه على سجيتها، فما يستحق السخرية ينبغي له أن لا يتفلت منها، وما يستحق الصرامة الجادة، ينبغي له أن لا يكون صارما وجادًا.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية