فتى اللجّون ‘سيّار البراري’

حجم الخط
0

عبد الحكيم أبو جاموسلا يفتأ ابن قرية اللجّون المُهجّرة، ‘سيّار البراري’ كما يحلو له أن يُسمّي نفسه، الصديق الشاعر المحامي خالد محاميد، يذكُر لازِمَتَين في حلِّه وترحاله، وحرَكَتِه الدائِبة دون كللٍ أو ملل، من أقصى الجليل الأشمّ، إلى أقصى الخليل الصامد.

وَلازِمَتا محاميد هُما همّان مُهمّان، سببهما احتلالٌ بغيض، يترك بصماتِ سوئِه شرقيَّ خطٍّ وهميٍّ وغربيَّه. وفي الطرفين، جرائم بشعة، وقتلٌ ودمار، وظلمٌ استشرى فتجاوز الحدّ، فتدفّقت شاعريّتُه المُرهفة، بمشاعر إنسانيّةٍ فيّاضة، تجاوزت حدّ الحبر على ورق؛ لتنبض أحاسيس من روحٍ ودم.

وظلّت مآسي التهجير والتدمير؛ التي طاردت آباءَه وأعمامَه، وأثّرت عليه وعلى أبناء جيله والأجيال المتعاقبة، تؤرّقُ عقلَ الشاعر وتفكيرَه، والتي فتح لها ملفّاتٍ شعريّةً أدبيّة، تماماً مثلما لها ملفاتٌ قانونيةٌ لم تغادر جعبته كمحامٍ ورجل قانون.

وظلّت مذابح غزة والضفة هاجساً هي الأخرى، طالما أرَّقه وأبعد النوم عن عينيه، وقرَّب الشعر إلى مخيّلته وتفكيره، وظلّت ألماً مُستعصياً في عقله وروحه، لم يكن يجد لها مُسكّناً، سوى انضمامه الأسبوعي للفعاليات المناهضة للجدار الفاصل بمختلف أشكاله وأدواته وأساليبه، فكان نجمَ التضامن، ورائدَ الابتكارات في الوسائل والأساليب، تعْرِفُه نعلين وبلعين، أرْضَاً وناساً، وصَبْراً وشهداء قبل كل شيء.

يجوب محاميدُ الفيافي والقفار، يحمل في جعبته حجارةَ القرى المُدمّرة، يُلصق عليها تارةً صور الرئيس ياسر عرفات، وتارةً صور محمود درويش وأشعاره، التي طبعها على حجارة أحضرها من بيته المدمر في البروة. محمود درويش الذي يحفظ أشعاره عن ظهر قلب، ويفسّرها ويحلّلها ببراعةٍ واقتدار، يسبرُ فيها أعماقَه وتفاصيلَ حياتِه، والتحولات التي طرأت عليه في مختلف المفاصل والمراحل. كيف لا؟! وهو الذي وجد صدى كلماتٍ وجّهها إليه ذات يوم، في أحد مقالاته التي نشرها له حافظ البرغوثي في ‘الحياة الجديدة’، وجدها في قصائد درويش نصّاً وروحاً، وتطابقاً تاماً مذهلاً. وكنت شاهداً على حبّه لدرويش وعشقه اللامتناهي له، وقد اتصل بي ذات يومٍ وطلب منّي نسخة كتابه التي كان أهداني إياها لأنه يريد أن يهديها لدرويش، ووعدني أن يحضر لي نسخةً بديلة، حيث لم يكن معه سوى هذه النسخة، ولما التقى درويش وعاد إليّ، كم كان فرحاً أنه أهداه كتابه. وأذكر حين حدّثني كيف استقبله بحجارة البروة وأغصان زيتونها و’مطارق’ رمّانها وتينها، حين زار حيفا وشدا بأشعاره على قمة كرملها، وكيف تصدّى لكلِّ الأصوات النشاز، التي هاجمت زيارته وحاولت تشويه صورته. وفي نعلين وبلعين والمعصرة، التي لم يغادر ساحات مواجهاتها، ولم تَفُتْه جمعة تضامن فيها، شَهِدَ وشاهَدَ وكتبَ عن شهيدها عقل صادق سرور الذي شرب معه فنجان قهوة عزائه قبل استشهاده، فجعل عنوان هذه المجموعة إهداء لروحه: ‘حتى انتصار الشهيد’. وهو الذي أدماه ما حلَّ بالطفلة عبير العرامين التي قُتلت أثناء عودتها من المدرسة في بلدة عناتا، وما حلَّ بعائلة هدى غالية في غزة التي أُبيدت عائلتها عن بكرة أبيها فصهر كلَّ ذلك في قوالبَ شعريّةٍ جميلة، تفيضُ حُزناً وألماً، وفخراً وصموداً، عبر مضامينَ إنسانيّةٍ غاية في الطُهر والنُبل والأخلاق.

في هذه المجموعة، تتقاطر الصور الشعريّة الجميلة بسلاسة وقوّة، وتتعانق الألفاظ الجديدة المُجَدّدة، لتُنبئَ عن شاعرٍ عَرَكَته النّكبة والتهجير، وطحنته النكسة والتدمير، وانتفاضات التحرير، وفعاليات النضال الجماهيري، الذي يقتلُ العدوَّ بسلاحِ صور المحرقة ليُدْخِلَه في دوّامةِ عُقَدِه، والسؤال الحارقِ الخارق: كيف لكم أن تثقلوا كاهل الفلسطيني اللاجئ بثمن جرائم الأوروبيين وتُدفّعون الفلسطيني الفلاح ثمناً باهظاً لجرائمكم؟! ولا تستطيعون ولا تريدون رؤية طفلة فلسطينية بزيٍّ مدرسي فجّر الرصاص الإسرائيلي رأسها ضحية؟!

هكذا يبني لنا في صور شعرية درباً للتوغل في الألم الفلسطيني، وليس اقل من ذلك مساراً لتمكين الشهيد من الانتصار، حتى العودة، حتى العودة.* أمين سر اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية