فجرٌ ومياهٌ وطيورٌ ملونة

حجم الخط
0

في أعماق البساتين الهادئة، كان الفجر يتنفّس تواً موقظاً العصافير والسواقي في جسد ليلى ورغاباتها الكثيرة.
الكوز الذي تُظلّله شجرة التوت الوارفة قريباً من غرفتها، وجَدَتهُ الفتاة طافحاً بمياهٍ تضيء وتتلامع كأن ملاكاً ملأه ليلة البارحة. المياه طافحة تتلألأ كأن الكوزَ ممتلئٌ بالنجوم وتلك الطيور المُذهلة التي تجمّعت على حافاته وهي تتطاير بهجةً فيرذُّ الرذاذ من أجنحتها على وجه ليلى المُندهش ..
كانت ما تزال بين اليقظة والنوم عندما نـهضت من فراشها على نباح الكلب. لم تر الكلب لحظتها ولم تعد تسمعه فقد نسيته حين فاجأها مشهد الطيور المحتشدة وهي تشرب المياه المتلألئة متطايرةً حول الكوز: بلابل، عصافير، زرازير فاتنة الألوان لم تر مثلها من قبل، ثلاث حمامات وغراب بدا لونه الأسود جميلاً جداً وسط هذا الاحتفال المُفاجئ ..
كان البستانُ هادئاً سوى حفيف سعف النخيل وفجأة سمعت الفتاة حركة الكلب ونباحه المكتوم خلفَ غرفتها الطينية كما لو كان يلاحق شيئاً ما، فتحركت كي ترى ما الذي يحدث هناك ..
كان الكلب مُنهمكاً في صراع محموم مع أفعى، أفعى سوداء كريهة الشكل، كان الكلب يوشك أن يجهز عليها وهي تحاول الانسحاب دون جدوى. شعرت الفتاة بجسدها يقشعر رعباً، انتبهت إلى الدجاجات منكمشةً على مبعدة أمتار تراقب المشهد الـمحتدم. حين رأى الكلبُ ليلى ازداد شراسةً وهو يجهز على الأفعى التي همدت ميتةً تحت أقدامه. أرادت الفتاة أن تقول شيئاً لكنَّ صوتـها قد مات أيضاً، شعرت بيباس ريقها بينما كانت مفاصلها ترتعد فخطت منهكةً باتجاه الكوز، تطاير بعض الطيور لكن البعض الآخر ظل في مكانه حول المياه الطافحة. اقتربت ليلى من الكوز وتناولت الطاسة المعدنية المربوطة بعروته وشربت قليلاً من الماء لتدير الباقي على وجهها. لم تـثر انتباهها هدأة الطيور وعدم فزعها فقد أحست الفتاة بأفعى تلتف على كاحليها فارتعدت وبالكاد تمسكت بحافة الكوز لتُغطس رأسها في المياه دون إرادة منها. حين أخرجت رأسها ودّت أن تنفضه فلم تستطع، وبصعوبة تطلعت إلى قدميها فلم ترَ شيئاً .. لقد سيطرت عليها الوساوس والأوهام.
التفتت ليلى إلى الكلب الذي ربض قريباً من الأفعى الميتة بينما عادت الدجاجات تفتش عن طعام في أكوام القش المبعثرة حولها وبين الأعشاب التي عرّشت على طوف الطين الذي يحيط البيت الريفي الواسع ..
استيقظت جدّتـها شبه العمياء لتناديها بصوت واهن، فخفّت ليلى إليها وهي تعدّل من ثوبـها الذي بدأ يضيق من ناحية الصدر المتدفق بنهدين متوثبين. اقتربت الفتاة من المرأة العجوز لتقودها إلى الساقية المحاذية للبيت حيث تغسل وجهها كما اعتادت كلَّ صباح. حين أخبرتـها ليلى بحكاية الأفعى والكلب توقفت جدتها مندهشةً لتسألها: هل أنت متأكدة من موت الأفعى يا ابنتي؟! فأكدت لها الفتاة ذلك. لم تتحرك العجوز من مكانـها وبدت في حيرة من أمرها، ثم مشت خطوتين وتوقفت ثانيةً لتأمر حفيدتـها بأن تذهب لتتأكد من موت الأفعى. فعلت ليلى ذلك وعادت لتطمئن جدتـها. تحركت العجوز وهي توحد الله وتحمده على حماية بيتها من الشر. وقبل أن تجلس على حافة الساقية، التفتت إلى الفتاة لتقول لها: ليحرسك الله دائماً يا ابنتي، احملي تلك الأفعى اللعينة بالمسحاة وادفنيها بعيداً في آخر البستان.
حين رجعت ليلى من دفن الأفعى وجدت جدتـها قد عادت إلى الفراش وهي تسبّح الله وتحمده لتغفو ثانيةً بـهدوء، .. انتبهت الفتاة فجأة متذكرة الطيور، حين التفتت إلى الكوز لم تجد شيئاً، رفعت رأسها إلى أعلى فرأت الطيور وقد تجمعت على عذوق التمر في أعالي النخلة القريبة من التوتة، أحسّت بطعم التمر على لسانـها، فكّرت أن تفعل شيئاً، لكنها لم تعرف ما هو. أرادت أن ترقص لكنها لا تعرف كيف؟ خرجت إلى البستان واستنشقت الهواء بعمق، أرادت أن تعود إلى النوم لتنسى ما حدث، لكنها اتجهت إلى الساقية، أحسّت بلذّة غريبة تجتاح جسدها فألقت بنفسها إلى المياه المتدفقة ..

ـ القصة من مجموعة بعنون (وجوه وظلال) تصدر قريباً.

‘ قاص وشاعر عراقي

كريم عبد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية