أطالع كثيرا من الكتابات وأسمع الأحاديث الشفهية العربية، حتى في الغربة، وبينها ما يحن إلى الماضي، وبالأحرى إلى مرحلة ما من مراحل تاريخنا كعرب، أو أخرى.
من طرفي أجد في ذلك فخا؛ فالماضي لا يمكن تكراره، وثمة دول وصلت إلى القمر وزرعت علمها هناك، وبالتالي لا مفر لنا من غربلة الماضي على ضوء العصر. والحاضر.. هو ذاكرة المستقبل الآتي. ولا أعتقد أن حاضرنا كعرب، وحروبنا المحلية، تؤسس لذاكرة يفخر بها أحفادنا. وأنا مع الحنين إلى الماضي، شرط الحنين العاقل لا العاشق الأعمى، ومع غربلته أولا، واختيار ما يمكن به تجديد الحياة العربية لا تحنيطها.
هل تحن فرنسا حقا إلى زمن الملكية؟
حين وصلنا إلى باريس من بيروت، قررنا استئجار شقة مفروشة ريثما نقرر البقاء أو العودة إلى بيروت الحرب الأهلية! ودلتني الصديقة هـ. ع. على شقة في المبنى الذي تقيم فيه، وفوجئت بأن صاحبها يدعى «البارون» دو.ج.، ودهشت من حفظ الألقاب (الملكية) منذ قرون على زمن الملكية في فرنسا.
وبعدها صرت أقرأ في الصحف أخبار «الكونت دو باري»؛ أي حامل لقب كونت الملكي بصفته من سلالة ملوك فرنسا… ولاحظت بعدها أن فرنسا ما تزال تولي اهتماما خاصا بسلالة الملك لويس السادس عشر الذي تم إعدامه على المقصلة… ومؤخرا، قرأت عن إقامة احتفال في قصر «فرساي» الذي شيده ملوك فرنسا، ويعد أحد أهم المواقع السياحية التراثية بقاعاته الجميلة (قاعة المرايا) وحدائقه ويقع بالقرب من باريس. في الحفل، سيرتدي المحتفلون أزياء القرن الثامن عشر، وذلك تحت شعار «ماري أنطوانيت والأزياء»، وكانت زوجة الملك لويس 16، التي أعدمت مثله على المقصلة، كما سيتم الاحتفال في العام المقبل بالذكرى السنوية لزواجهما!
ونحن، هل نَحنُّ إلى حكامنا السابقين؟
ثمة كتب صدرت في فرنسا تقوم بإعلان براءة الملكة ماري أنطوانيت من القول الشهير: «إذا جاعوا ولم يجدوا خبزا فليأكلوا الغاتوه (الحلوى)». وكثيرة هي الكتب التي تحزن على موتها وزوجها الملك لويس السادس عشر على المقصلة.
وبمناسبة مرور خمسة قرون على موت المبدع ليوناردو دافنتشي (من إبداعاته لوحة الموناليزا)، الذي مات في أحد قصور فرنسا ضيفا، يتم إلقاء الأضواء الإعلامية على الملك لويس الرابع عشر الملقب بـ«الملك الشمس»، الذي مات المبدع دافنتشي حين كان في ضيافته وفي أحد قصوره.
والسؤال هو: أهذا من بعض الحنين إلى الماضي وزمن الملكية؟ وهل نعاني من ذلك كعرب حين يحن البعض إلى زمن هذا الملك أو ذاك أو ذلك الحاكم وسواه من العرب الذين أطاحت بهم ثورات الربيع والشتاء والجيوش الأجنبية؟ ولسان حالنا يقول: «رُبَّ يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه».
أحنّ إلى مستقبل عربي أقل اقتتالا بين أبناء الوطن الواحد، وأكثر التصاقا بالديمقراطية من دون احتكار أي فريق للنتيجة مقدما، وأكثر وعيا بقضية فلسطين المحورية.
بطش الحنين
في بلادنا العربية يكون الحنين شفهيا خوفا من حاكم جديد تبنى الأساليب السابقة للقمع كالمطاح به… أما في فرنسا فالحنين علني حتى الطرافة. وقد شاهدت في برنامج فرنسي (على القناة 25)، يدعى (هذا خياري)، لمقدمته إيفلين توماس، حلقة تدعى «أنا نبيل أرستقراطي وأفتخر بذلك»، وتتحدث عن أهل الحنين إلى زمن الملكية الفرنسية، وقد حضروا إلى البرنامج مرتدين ثياب ذلك الزمن الملكي وتسريحاته.
في بلادنا العربية، لا نرى برامج كهذه، لكننا نعرف أن كثيرا من أهل الحنين إلى هذا الملك أو ذلك الدكتاتور ما زالوا يرتدون -سرا وفكريا- أساليبه، ولا يرفضون قمعه؛ إذ يحبون فيه البديل عن الحكم الأجنبي، أو الحكم المحلي الذي يرفع شعار الديمقراطية ويقوم بممارسات قمعية كمن سبقه وأكثر، ومن خلال أقنعة شعارات إعلامية مختلفة، بما في ذلك الدينية.
الوطجنية: إحراق سيارات ابنه!
لي صديقة تنتمي إلى أحد الأحزاب، (وأنا لم أنتمِ يوما إلى حزب أو فئة، بل إلى كل فعل حرية وديمقراطية أينما كان ذلك في وطننا العربي، وما أندره).
صديقتي كانت تريد مني امتداح حاكم يؤيده فريق من حزبها اللبناني، وكنت أستعصي على ذلك دائما، وفي معرض إقناعي بعظمة الحاكم العربي الذي يؤيده حزبها، قالت لي: تخيلي كم يرفض الهدر. لقد غضب لأن ابنه هاوي السيارات اشترى عشرين سيارة فخمة، وغضب والده الحاكم وعاقبه بإحراق السيارات كلها! وشعرت بأن العمى السياسي يصيب بعض الحزبيين المتحمسين لحاكم ما. فما روته لي جعلني نهائيا أشك في حكمته وأطرح سؤالا وأكثر: من أين لابنه المال الذي اشترى به السيارات؟ من مال الشعب طبعا. ولماذا أحرقها والده الحاكم بدلا من بيعها والتبرع بثمنها للأعمال الخيرية؟
أحنّ إلى المستقبل لا الماضي
حنين بعض الفرنسيين إلى الماضي الملكي لا يعني أنهم سيصوتون لأي مرشح يرفع شعارات العودة للملكية في فرنسا. لكنه (رومانسي) مفيد ماليا للخياطات والخياطين الذين يعدون ثيابا كما كان دارجا في ذلك الزمان، إلى جانب الشعر المستعار لتسريحات غابرة للرجال والنساء.
وأجد أن من حق أي إنسان أن يختار حنينه إلى زمن ما، شرط عدم قتلنا لذلك على طريقة تنظيم «الدولة» (داعش).
من طرفي، أحنّ إلى المستقبل، إلى مستقبل عربي تظل فلسطين قضيته المركزية وبوصلته، وتظل الوحدة العربية حلما ممكنا كالاتحاد الأوروبي، بل وأكثر التحاما. فاللغة العربية تنشد عشرات من أقطارنا، وذلك لم يتوافر يوما للاتحاد الأوروبي، حيث كل بلد يتحدث بلغة مختلفة. أما (النوستالجيا) إلى الماضي فهي ليست أكثر من البهارات في مطابخ الطعام التاريخي نصف الفاسد.
أحنّ إلى مستقبل عربي أقل اقتتالا بين أبناء الوطن الواحد، وأكثر التصاقا بالديمقراطية من دون احتكار أي فريق للنتيجة مقدما، وأكثر وعيا بقضية فلسطين المحورية.