غالبا ما تُوجِّهُ كتابة “السيرة الذاتية” النقد والبحث نحو أسئلةٍ تخصُّ الصيغة الخطابية والتركيبة البنيوية المتعلقة بسؤال القيمة الفنية والجمالية لهذا النمط من الكتابة الذي وُضِعَ له “تقديم العبرة” و”استخلاصها” من تجربة حياة شخصية الكاتب هدفا وغاية، على اعتبار أن هذه الشخصية لها صفات مميزة جعلتها نموذجا يحتذى في ميدان من ميادين الحياة، سواء كتبت بضمير المتكلم أم بضمير الغائب، ثم توجههما نحو سؤال علاقتها بكتابة الذات المجاورة لها كاليوميات والمذكرات ودفاتر الرحلة والسجلات الاجتماعية. إلا أن السيرة الذاتية عند عدد من الكتاب المعاصرين، خاصة الكاتبات، لا تسعى وراء الإعلان عن التميز والتفوق في ميادين السياسة والفكر والأدب، ولا تستند إلى أي يقين مسبق، بل تنطلق من نقطة الشكِّ. فالقيمة التعليمية ليست هدفا لها، ولكنها “بحث في الذات” أو هي كذلك “بحث عن الذات”.
إذن، السيرة الذاتية النسائية، وهنا سيرة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان “رحلة جبلية، رحلة صعبة”، تبدأ من السؤال حول الذات، سؤال مقلق، سؤال وجودي، سؤال محمل بالإدانة وبالشعور بالرفض والإهمال. هذا الشعور هو النقطة التي أسالت الذكريات من نبعها الدفين. تقول فدوى طوقان:”خرجتُ من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعد لتقبلي؛ أمي حاولت التخلص مني في الشهور الأولى من حملها بي، حاولت وكررت المحاولة، ولكنها فشلت.عشر مرات حملت أمي، خمسة بنين أعطت إلى الحياة وخمس بنات، ولكنها لم تحاول الإجهاض قط إلا حينما جاء دوري؛ هذا ما كنت أسمعه منها منذ صغري”.
إن إحساس الطفل بأنه مرفوض في أسرته، مهما كانت الأسباب والظروف، يترك جرحا نفسيا ووجوديا عميقين في وعيه وانكسارا ينحو جهة الحس الفجائعي الذي سيلون مسار حياته بالصعوبة. يظهر ذلك من خلال السؤال الملحاح: من أنا؟ ما مكانتي في ذاكرة هذه الأسرة التي أعيش في أحضانها؟ تقول: “كثيرا ما سمعت أمي تذكر طرائف ونوادر عن طفولة إخوتي مما كان يثيرنا نحن الصغار فنضحك، وكنت أنتظر دائما أن تروي شيئا عن طفولتي، نادرة مثلا، أو حادثة طريفة طرافة الحوادث التي ترويها عنهم، ولكن دوري الذي كنت أنتظره لم يكن ليأتي قط.. فأبادرها بالسؤال بلهفة طفولية: احكي لنا يا أمي شيئا عني، ماذا كنت أفعل؟ ماذا كنت أقول؟ بالله احكي، ولكنها لم تكن لتبل غليلي، ولو بذكر طرفة تافهة، وأنكمش في داخلي، أحس بلاشيئيتي: إنني لا شيء، ليس لي مكان في ذاكرتها…”.
فدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية العصامية التي انتزعت من الحياة صوتها وحررته من الإحساس الفاجع بالنبذ الأسري وضيق حدود البيت الكبير المأهول، وصنعت لنفسها اسما في عالم الشعر العربي عامة والنسائي خاصة، حملت داخلها هذا الجرح والذي يمكننا من خلاله تفسير كثير من ذكرياتها وتصرفاتها؛ حب العزلة وسوء تقدير الناس والخوف من مخالطتهم، والحظ العاثر في الحب والحياة. تعود فدوى طوقان مرة أخرى لسؤال الطفولة وسؤال الوجود والهوية، فتبحث عن تاريخ ميلادها فتجده قد مسح من ذاكرة والدتها، ولا تحصل سوى على علامات تقريبية تقودها إلى سنة 1917م: “تاريخ ميلادي ضاع في ضباب السنين، كما ضاع في ذاكرتيهما؛ وأسأل أمي: لكن يا أمي على الأقل في أي فصل؟ في أي عام؟ وتجيب ضاحكة: كنت يومها أطهو عكوب؛ هذه شهادة ميلادك الوحيدة التي أحملها”. لقد حملت الطفلة ولاشك المرأة لاحقا داخلها هذه المشاعر المقلقة والمحيرة للكائن حول هويته وانتمائه الشخصي:
-الشعور بالرفض والإبعاد.
-امحاء تاريخ الميلاد من ذاكرة الوالدين.
-امحاء ذكريات الطفولة من ذاكرة الأم.
من ثمة، تولد لديها شعور حاد بمقابلة الإهمال بالإهمال، والنسيان بالنسيان والرفض بالرفض، إنه شكل من أشكال المقاومة النفسية التي تلجأ إليها نفس كل فرد يشعر بالاضطهاد النفسي أو الاجتماعي أو السياسي. تقول فدوى طوقان:” كنت أتمنى دائما لو أنني ابنة لخالتي وزوجها، ظللت أكره انتمائي إلى العائلة التي جعلني سوء الحظ واحدة من أفرادها؛ لقد كنت أفضل دائما الانتماء إلى عائلة أقل غنى وأكثر حرية”.
بالإضافة إلى هذه الكهوف الثلاثة، ظهر كهف آخر أشد ظلاما، إنه كهف “الحريم”، الذي سيضيف جرحا جديدا إلى جراح ذات الشاعرة، ويفتح أفقها الشخصي على الأفق النوعي، لتكتشف أن المرأة العربية في بداية نهوضها ضد كل أشكال القهر النفسي والجسدي واللغوي والوجودي. لقد عانت تاريخا طويلا من تسلط الذكورة عليها وحرمانها من الكثير من حقوقها عبر تأويل خاص للنصوص الشرعية. ومن ثمة، وجدت الشاعرة نافذة تطل منها على الجانب الخير والمضيء في شخصية أمها، تقول: “غير أنني كنت أحس بوجود خيط من الشقاء اللامنظور يمتد في أعماقها، وحين كبرت عرفت مصدر ذلك الشقاء الخفي. إنه الحصار والقهر الاجتماعي المفروض على المرأة في بيتنا. كما تأكد لي أن ذلك القهر الذي كانت تعانيه، وعزلتها عن المجتمع خارج البيت هو الذي نمى فيها ملكة السخرية والنكتة الذكية كنوع من التنفيس”.
الكهف الخامس المؤلم في طفولة فدوى طوقان تمثل في “صدمة الحب البريء”، الذي نجم عنه أمران جليلان، أثرا على تنشئتها نشأة سليمة؛ هما: توقيفها من متابعة تعليمها وهو المجال الذي كانت تثبت فيه ذاتها وتعلن عن مؤهلاتها وقدراتها في التذكر والتفكر، وحبسها في البيت مع النساء، لتصبح امرأة عادية، أو بأسلوب سيمون دي بوفوار “لتصير امرأة”، على نمط النساء في جناح الحريم، أدوات للاستمتاع والإنجاب وشؤون البيت.
تُظهر هذه الكهوف الخمسة أن خطاب السيرة الذاتية عند فدوى طوقان لم ينطلق من الإحساس المشبع بتضخم الأنا، والامتلاء بالرضا المطلق عن المنجز الأدبي، ومسار الحياة ودروبها، إنها تبدأ خطاب الذات باللايقين، عبر البحث في الذاكرة عن العوائق أو المنطلقات الخاطئة التي ولدت في الذات المتكلمة وفي اللغة وفي الرؤية إلى العالم والحياة الإحساس بالمأساة. لقد كانت تلك الكهوف الخمسة حفرا مظلمة في نفس وذاكرة الشاعرة، تخصها شخصيا في ذاتها وكينونتها، أما باقي الكهوف الأخرى فأقل حدة وإن كانت ملهمة السؤال ومحفزة على التفكير القلق، مثل قضية “الموت”؛ مثل موت عمها الحاج حافظ، وصديقتها علياء، ومعلمتها الفضلى زهوة العمد.
كتبت فدوى طوقان بصدق عن تجربتها، وسجلت مشاعرها الطفولية وتلك التي استقرت في نفسها وتعايشت معها بقسوة وأدانتها دون وجل، وهو صدقٌ نادر في كثير من خطابات الذات العربية عموما والنسائية خصوصا. فالسيرة الذاتية لا تكتب من أجل تلقين الآخرين كيف يمكنهم النجاح في الحياة وتحقيق السعادة، بل تكتب من أجل التعرف على حقيقة الذات، واكتشاف أدغال النفس، ومدى تأثير الآخرين في تحول مسارات حياة كثير من الناس، وتحويلها إلى جحيم لا يطاق. من هنا تكون الحياة التي عاشها الفرد خاصة في الطفولة الأولى، نهب الصدفة، ويتحكم فيها الوسط الاجتماعي وأنماط معارفه وثقافاته السائدة. أما الحياة الحقيقية فهي التي يقوم الفرد بإعادة بنائها وترميم الخراب الذي تركته قوافل العابرين بالصدفة في دروب النفس والفكر. في سيرة فدوى طوقان (الجزء الأول: رحلة صعبة) نتعلم أن المعرفة بناء وأن الشخصية بناء وأن الحياة نضال وإرادة وعزيمة.
لم تتخلص فدوى طوقان تماما من تبعات الطفولة، إلا أنها قاومتها واستطاعت بناء شخصيتها الشاعرة المميزة، واختارت نمط حياة يناسبها ولم يفرضه عليها شخص آخر. وكانت بداية الضوء نحو الخروج من العتمة، من الكهف، شخصية شقيقها إبراهيم طوقان الشاعر الذي كرس وقته وجهده لتعليمها في البيت كيف تكتب الشعر، شعرا تقاوم به محيطها الجامد، وتشارك عبره هموم شعبها ضد الاحتلال البريطاني ثم الاستيطان الإسرائيلي، وتحاول من خلاله تمزيق دائرة العزلة، والانصهار في الجماعة. وإن تمكنت من كل ذلك فإنها لم تتمكن من الاندماج في صفوف الجموع، وهو ما كان يحز في نفسها. تقول: “كنتُ أتمنى بصدق لو تظل السياسة جزءا دائم السخونة في تفكيري، لو أستطيع الانضواء إلى أحد الأحزاب التقدمية، لو أتخلص من هذا التمزق بين فرديتي وبين عواطفي الشعبية، تلك العواطف التي كانت تستيقظ فقط في المناسبات المتأججة. كنت أتمنى ومن كل قلبي لو أستطيع الارتماء في حضن الجماعة فأعيش حياتها واهتماماتها ومواقفها المتصلة بالقضايا الوطنية. ولكن تحقيق هذا التمني ظل فوق قدرتي؛ فالتعامل مع الناس في الخارج ليس في طبعي، وهكذا بقي عجزي التام عن الاندماج مصدر شعور بعدم الرضى، وبقيت حائرة بين هذه الحالات المتعارضة، موزعة النفس بفعل التعارض القائم بين قوة طبيعتي الأصلية المتحكمة وبين عدم اقتناعي، بل كرهي هذه الطبيعة، مما ولد في ضميري ما يشبه عقدة الذنب، وفي الحقيقة لقد كان عجزي عجزا مأسويا”.
لقد بدأت فدوى طوقان سيرتها بالبحث في تاريخ ميلادها وذكريات طفولتها التي توافق العام 1917، وأنهت خطابها السير ذاتي بالاستعداد للرحلة إلى إنجلترا من أجل حياة أخرى سنة 1962.
فدوى طوقان: “رحلة جبلية، رحلة صعبة”.
منشورات كتاب الدوحة، 2017
154 صفحة.