فراس السوّاح في بغداد

المكانُ هو منتبذي الأثيرُ في المساء وأوّل اللّيل، فيه اجتمعت تقاليد الحانة العراقيّة القديمة، مع ما نشاهده في مقاهي أوروبّا. الشّرق والغرب حضرا في دارة «هوازن» حيث أقضّي أمتع السّاعات مرّتين في الأسبوع على الأقلّ، لكنّي تُهتُ في ذلك اليوم في طريقي إليه ورحتُ أدورُ في الشّوارع، إلى أن بلغتُهُ أخيرا بعد تعبٍ، وليس عنديَ تفسيرٌ لما جرى غير جلال ووقار وهيبَةَ اسم فراس السّوّاح، وكان يحلّ ضيفا عليّ في تلك اللّيلة في بغداد، مطبوعا في مرآة قلبي وذهني.
إن آلامنا ومسرّاتنا تنتسب إلى الماضي وليس إلى الحاضر، وهكذا يتحوّل التّاريخ على يدِ الأديب إلى نوستالجيا دائمة، وفراس السّوّاح رجل يحمل اسما برّاقا، بالإضافة إلى كونه شاعرا يهتمّ بالحياة القديمة، وفي أبحاثه يمتهن القارئ حنينا معتّقا نسبة الحزن فيه مثل كمّيّة الكحول في النّبيذ الخفيف الحلو. استقبلتُ الرّجل في الصّالة الواسعة للمقهى، شيخا محنيّ الظّهر قليلا، لكنّه مفعم بالطّاقة والحيويّة كأنّه رجل بحر، له عينان كهرمانيّتان حادّتان وأنف كبير وشَعر بُنّيّ، وهذه صفات تكاد تكون مشتركة بين الشّاميّين جميعا، وذكّرني وجهه وعيناه اللّتان تحدّقان في نقطة غير مرئيّة بالشّاعر نزار قبّاني، الطلّةُ ذاتها، وكذلك الهالة السحريّة التي تحيط به، وكان الضّوء ينمو في الحانة خافتا، وصافحتُ الشّيخ مستقبِلا ومرحّبا، وأتاني صوتُهُ بعيدا كأنه مقبل من الماضي. النظر في العينين بشكل مباشر أثناء المصافحة يدلّ على الثقة واحترامك للشّخص الذي يقف أمامك، لكن التّطلّعُ في وجه عالم في التاريخ عن قرب يشبه تسلّق برج نمرود في الأسطورة اليهوديّة، وكان المرء يحتاج اثني عشر شهرا لصعوده من أسفله إلى أعلاه، مثلما تقول الأسطورة، أيّ جهد عظيم يتطلّب مني الحوار مع فراس السوّاح إذن، وهل كنتُ أمرّ في ورطة دون أن أدري؟ مرّت على ذهني هذه الخواطر، وأُصِبتُ بنوع من العِيّ ونسيتُ قائمة الكلام والأسئلة التي أعددتُها للحوار، واستغرقت منّي زمنا وأنا أدرسُ آثار الرّجل وكتبَه، كما لو أنّه من المحتّم أن يكون العلم الشّديد متّصلا بإحساسنا بالجهل. تبخّرَ كلّ شيءٍ جهّزتُهُ، وكان الوقت يمضي بطيئا وثقيلا ونحن صامتَان. كان الخمول يضغط على عقلي وبان الحرجُ عليّ ووجدتُني أقولُ، كأن أحدا غيري هو الذي تكلّم وأنقذني في الوقت المناسب:
– الله بالخير!
تحيّةٌ نقولها نحن العراقيّين في المقهى، وصارتْ لازمةً لنا، وخاصّةً، مثل الهويّة. أخذ الجلاس في المقهى يطلّون علينا، وتحوّطتُ لما قد يحدث من فضول أو محاولة للتّقرّب إلى ضيفي من أجل أوتوغراف أو صورة أو غير ذلك، وكان تدبيرُ أهلِ الدّار أنهم خصّونا برُكن من المبنى هو الأبهى، وأن تقف نادلتان هما «نور» و»فرح» على الجانبين تحرسان زاويتنا الواسعة، وكنّا في تلك السّاعة نودّع حُمرة الغروب ونستقبل ليل بغداد البهيّ في النّوافذ، وعلى بعد أمتار منّا، وعلى كورنيش شارع أبي نؤاس يقف نصبان برونزيّان فخمان لشهرزاد تروي حكاياتها للملك شهريار، ويجري بموازاة الكورنيش نهر دجلة الخالد، يرسل أمواجه إلى شاطئ غير مرئيّ. هل فكّرتُ في تلك الدقائق، أني أنتسب إلى ماض ينام في بطون كتب التاريخ، وعليّ أن أقدّم إلى ضيفي لمحة من حياة أسلافي الغامضين شبه الأسطوريين، الذين شغلوا الدنيا في ذلك الزّمان؟
كانت المائدة التي ضمّتنا مؤثّثةً بأصناف النّبيذ، لكنّ ضيفي طلب عرَقا مقطّرا من عصير تمر العراق. المشكلة أنّنا لا نملك مصنعا أو معملا يدور ويُنتج في طول البلاد ـ عدا كردستان ـ وعرضها، وكلّ ما لدينا في السّوق مستورد من بلدان الجوار، أو البلدان البعيدة، حتّى الفجل والكرّاث والبصل يأتينا في حاوياتٍ مبرّدةٍ، فكيف بالنّبيذ المعتّق والمولود من ثمار سيّدة الشّجر؟ دقائق، وأنقذ الموقف مدير أعمال حانة «هوازن» السّيّد حكمت، جاءنا بعَرَقٍ هو خاصّته، ومن عمل أهله في بلدةِ «بعشيقة» دارَتِهِ، وتنبّهتُ إلى شفتي ضيفي ترشفان من الكأس بتمهّل، كأنّه يرود أرض العراق وأنهارها وهواءها ويكتشفها بواسطة القُبل. مدينة «بعشيقة» احتلّتها عصابات «داعش» في واقعتهم الشّهيرة في مدينة الموصل، وفعلت ما فعلت برجالها ونسائها، ودار الزّمان دورته، تحرّرت الموصل من سطوة البيارق السّوداء، وها هي البلدة الغافية في السّهل الشّهير بسهل نينوى، تقدّم للضّيف صورة عن البلد كلّه، أيّ نخلة من غابات بلادي تفخر الآن بأنّها قدّمت بسْرَها ورُطَبَها وتمرَها متّكأً ومنزلَ راحة ومطعما للعبقريّ القادم من بلاد الشّام؟

إن ليل بغداد والركن الهادئ في بار «هوازن» صيّرنا صديقين حميمين في أقلّ من نصف ساعة، فتبخّر عندها وجلي وغادرني الشّعور بالارتباك لأني نسيت كلّ ما حضّرته من أحاديثَ وأسئلةٍ. وتنبّهتُ عندها إلى النّظرة المتأهّبة للحياة في مُحيّا ضيفي، وكان يشير إلى الفتاة نور، ذات العينين الزّرقاوين والبشرة عاجيّة اللّون، أن تقف قربه، وطلبَ أن تجمعهما صورة في هاتفها النقّال.

أصعب الحالات، أن تعقد علاقةً أو صلةً برجل تتعرّف إليه أول مرّة، والنظرة الأولى بين الاثنين هي التي تحدّد مصير الصّداقة التي سوف تجمعكما لأمد طويل، أو تنتهي بعد قليل. يقول العلماء إن هذه النّظرة تدوم ثانيتين أو ثلاث ثوان في المتوسّط، ووجدوا أن أقصى زمن تحتمله العين وهي تنظر في عيني الآخر، تسع ثوان، وهذا أمر نادر الوقوع. إنها البداية وما يمكن أن ندعوها النظرة العتبة، نظرة الابتداء والانتهاء، فكيف إذا كانت عينان كهرمانيتان صاحبهما فراس السوّاح؟ إن في قاع العين، بل في أعمق نقطة فيها يكتشف أحدنا كيمياء الآخر، مع خريطة كاملة ومفروشة بتفاصيل دقيقة، ولا شيء مخبوء. انقضت هذه النّظرة بيني وبين ضيفي بسلام، وسألتُه مباشرة عن حكمة عُمر الثّمانين، في نوع من افتتاح أدبيّ للجلسة، التي كان من المفروض أن تدور عن عِلمِ الماضي، وكان في نيّتي أن أستنيرَ من أفكار ضيفي في تجوال خلاق بين كتبه، وما يفيدني ويكون مادّة لبحث جديد. ورغم غرابة سؤالي في جلسة تضمّ أديبا وعالِما، أجابني السّوّاح، مثلما يحادث صديقا في المقهى: «هو ليس السنّ الأمثل للمرء، كما أنني لا أرغب في الشّباب أن يعود إليّ، ولا في الكهولة. إنّما ينضجُ المرءُ ويكتمل نماؤه عندما يبلغ السّبعين، وهو العُمُرُ الذي غادرني فيه شعوري بالخوف، لأنّي صرتُ أعيش أيّامي مثل من يتأمّل حلُماً. الزّمن يجري مثل نهر لا يقف لحظة، وفي أحد الأيام نكتشف أن بعض رغباتنا، لا كلّها بالطّبع، أصبحت مجرّد ذكريات».
إن ليل بغداد والركن الهادئ في بار «هوازن» صيّرنا صديقين حميمين في أقلّ من نصف ساعة، فتبخّر عندها وجلي وغادرني الشّعور بالارتباك لأني نسيت كلّ ما حضّرته من أحاديثَ وأسئلةٍ. وتنبّهتُ عندها إلى النّظرة المتأهّبة للحياة في مُحيّا ضيفي، وكان يشير إلى الفتاة نور، ذات العينين الزّرقاوين والبشرة عاجيّة اللّون، أن تقف قربه، وطلبَ أن تجمعهما صورة في هاتفها النقّال. ظهر السوّاح على الشاشة مثل لوحة باللّون الرّماديّ لشابّ بعينين تبتسمان وتتوهّجان باشتهاء الحياة، ثم تحدّث مع البنت وسألها عن أهلها وأولادها مثل أبٍ حنون، وأنا أصغي إلى صوت نور العذب يسيل باللّهجة العراقيّة مثل قارورة تدير لنا العسل المصفّى.
بالنّسبة إليّ فإنّني راضٍ بكوني ما أنا عليه، ولا أريد أن أكون شخصا آخر، لكنّ حديث فراس السّوّاح الشّجيّ رغّبني في أن تقفز سنيني في التّوّ إلى عمر السبعين، حيث تكون الرّصانة مبذولة في طلب الشّجاعة. ثمّ بلغني الإلهام من العالِم بطريقة الحثّ، وبدلا من أن أستمع لآرائه بدأتُ أفكّر مثل باحث. تحدّثتُ عن علاقة اللّهجة المحلّيّة والمرأة بالمكان، وهذا أمر لا يخصّ بلدي وحده ويصحّ على جميع الأوطان، أيّ وحي أنزل إليّ بهذه الملاحظة ونحن نتناول طعام العشاء المكوّن من سمك مسقوف على الطّريقة البغداديّة؟ قلتُ، وكان ضيفي يفحص كلماتي بعينيه: «كلاهما، المرأة واللّغة المحكيّة، تثبّتان تربة الوطن من الاختلاط مع دول الجوار، ومن الانجراف بعيدا حين يصيب البلادَ جدبٌ. في تسعينيات القرن المنصرم، وكانت بلادي في أشدّ سنين ضعفها بسبب الفقر الشّامل الذي عاقبنا به العالم المتحضّر، لأن صدّام حسين احتلّ دولة الكويت. في تلك الأيّام القاطبة التي أحرقت البلاد كنتُ أنظر بعين الأمل إلى تلاميذ المدارس الابتدائيّة، الذّكور منهم خاصّة، أرانب يركضون هنا وهناك لاهين عن البؤس في الوطن عن طريق اللّعب، ولا شيء غير اللّعب. كنتُ أتملّى الطّريق الذي تفتحه لنا أقدامهم الرّائعة في المستقبل. كبرَ الأطفال، وشبّوا، وأراهم الآن مشغولين بفتوحاتهم الخائبة، المال والأعمال وأشياءُ أُخرى، الدّين مثلا أو السّياسة، ذاهلين من قدرة هذا النّعاس الغريب عليهم. الآن أخذت آمالي تتّجه صوب الأنثى، أبحث عن بصيص أمل في عيون الأطفال البنات في بلدي، والصّبايا بالطّبع. الرّجال مشغولون بحروبهم، والنّساء في كلّ مكان في الأرض يرتقن الفتوق».
أنهى ضيفي كأسَه من نبيذ تمر العراق، وبان في عينيه البهجة والرّضا العميق والتّسليم بحبّ أبنائه. ثم دار بيننا حديث في الأدب والسّياسة وعلم التّاريخ لا يمكن التّبسّط فيه في مقال تنشره الصّحافة على الملأ، لأن فيه تحليلا وتدقيقا في الأحداث ورؤية في أعماق لجّتها، وربما جاءت فرصة أخرى أشرح فيها كلّ ما نهلته من معارف توصّل إليها بعد خبرة الثّمانين صديقي فراس السوّاح.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية