«فراشات هاربة» لعبد الكريم الطبال: الطفولة بوصفها تجربة

يعدُّ محكي الطفولة من جنس السيرة الذاتية، فغالبًا ما يأخذ داخلها موقعًا دالًّا إلى درجة أن يكون بمثابة وسيلة تسمح لنا بالتعرُّف على المحكي السيرذاتي. ويحتشد هذا المحكي بالملفوظات الذاتية التي «لها معنى بالنسبة لنا، وهي قابلة للتشبُّع بعواطف قوية» كما يقول ميري ورنوك (الذاكرة في الفلسفة والأدب)، فيما لو هي صادرةً عن سارد يبدو كأنّه عثر على ذاته في الطفل الذي كانه، بعد أن صار كهلًا، أو أنّ هذا الطفل ما زال يحلم فيه عبر منظور لم يسبق أن وجد على هذه الصورة بحال؛ فيستعيد لا الطفولة التي عاشها، ولا صوتها البعيد، ولا مكانها الأصلي، بل بالأحرى معناها من بعض الذكريات والأحلام والوقائع الأولى التي أثّرت فيه ويعاود بناءها من خزين الذاكرة بوصفها تؤمن الاستمرارية الزمنية للشخص وهويّته في حسبان بول ريكور: أي أن هذه الاستمرارية «تسمح لي بأن أذهب صعودًا من دون أي قطيعة مع الحاضر المعاش إلى الأحداث الأبعد في طفولتي» (الذاكرة، التاريخ، النسيان). لكن الأهمّ داخل هذا المحكي ليس التذكر، بل التخيُّل. «ففي محكي الطفولة – كما يرى فيليب لوجون- يجب تجنب قاعدة المحتمل (الطبيعي) السيرذاتي وولوج فضاء التخييل. وحينئذ لن يتعلق الأمر بفعل التذكر، ولكن باختلاق صوت طفولي تبعًا للآثار التي يمكن له أن يحدثها على القارئ» (أنا آخر: السيرة الذاتية من الأدب إلى الميديا). وهكذا بسببٍ من أنّها ليست مسألة تعلُّم بلا نسيان، وبسبب ارتباطها بالمخيّلة، فإن عمل الذاكرة يتحوّل إلى فنّ داخل نسيج اللغة.

ذاكرة تتخيّل

يُصدِّر عبد الكريم الطبال سيرته الذاتية المعنونة بـ«فراشات هاربة» (منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط – المغرب، ط.1، 2007)، بنصِّ شعريٍّ هو بمثابة (بطاقة) عبور لا تكشف بقدر ما تُعمِّي؛ فهو يشوش إحداثيات الزمان (قبل، بعد)، وينبئ أناه المتلفِّظ أن ما يخطُّه من «رسالة حب» إنّما على «ورق من دخان»، سيكون هو قارئها داخل «كتاب الرماد» كتعبير عن حكمة الخسارة التي اجتازها وسار بها في تحوُّلات التجربة وحرائقها، وكأنّه يطمع في معنى جديد يتحصَّله منها كاتبًا ومُنْكتبًا. تتشكل سيرة الشاعر الذاتية من ثلاثة فصول تمتدُّ من سنة مولده (1931) إلى سنة حصوله على الإجازة والتحاقه بمهنة التعليم، بموازاة مع نيل بلده المغرب استقلاله السياسي (1956). بين التاريخين اللذين يستغرقان ربع قرن من النظر والتأمل والتجربة، تُجسِّد الطفولة بؤرة تلك السيرة ومحرقيّتها الأساسية. يقول عبد الكريم الطبال في مفتتحها: «أحيانًا، أظن أن حياتي انتهت بكليتها وتفاصيلها مع انتهاء الطفولة. فما توالى بعدها من الأيام والسنين إنما هي وقفة على الأطلال والدمن، لأتذكر وأستعيد وأتخيل وأستنتج. وما أعيشه بعدها إنما أعيشه ولست أحياه». إنَّ الطفولة ليس مرحلة ولّتْ، وإنَّما هي كتجربة وجدانية وروحية مستمرّة لم تنقطع في الزمان، بحكم ثرائها وزخم عالمها النفسي ودفق أخيلتها. فالشاعر يستعيدها باستمرار من أجل أن يحياها من جديد.

كانت الأم تُشكِّل امتدادًا ثقافيًّا وروحيًّا لذاكرته وحواسِّه عبر ما كانت تحكي له من قصص الجنّ والأولياء من أصحاب الخوارق، وتلاطفه بالغناء حتى ينام

بلسان الطفل، غائبًا وحاضرًا، ينقلنا الشاعر إلى عالم الطفولة كما عاشه ووقر في وجدانه وتخيَّله شعريًّا؛ فتنثال على الذاكرة من «ماضيه الجميل الضائع» الصور والأحداث والأسماء التي تشعُّ، في جزء رئيس منها، بالغرابة والدهشة. ويحاول أن يعكسها ليس «كما هي»، وإنما كما تفاعلت في نفسه عبر «الاستنجاد بالخيال حتى تظلَّ كما كانت في طبائعها الأصلية الأولى». فقد كتب الشاعر سيرته الذاتية وهو في عقده السابع، ومع ذلك يلمح إلى أنّه ما زال طفلًا يحتفظ بـ«الأصل» وليس بنسخته: «فالطفل الذي هو اللحظة في خريفه لا يزال يتقمص ذاته الغابرة وكأنه لم يفترق عن ذلك الجسد السابق، وكأنه لا يزال إلى حد الآن ذلك الأسمر النحيل في سن الخامسة ملفوفًا في جلباب صوفي قصير على مقاسه، وبرأس حليق كالمرآة يلهو ويلعب في ذلك البيت البعيد القريب في «عقبة السُّوَيْر»». كانت هذه هي العقبة الأولى، وامتحان التجربة الأول ومرقاها إلى سماء الطفل القريبة البعيدة «فيحلم ويحيا كملاك مُجنّح».
في شفشاون، من قمة الجبل الصغير الذي يُطلّ على المدينة كلها – هبوطًا إلى «عقبة السُّوَيْر» الملاصقة لبيت العائلة؛ ومن أسفل الجبل إلى«رأس الماء» عبر «طريق محفوف بالأغراس والأسيجة، وبأصوات الطير المختلفة في خبب كخبب الموسيقى»، تشكّلتْ هيولى الطفولة وملامحها وتقلّبتْ مع التراب. وكان الطفل مأخوذًا بحضورَيْن: حضور الطبيعة في الخارج، وحضور الأم في البيت المشحون بالمشاعر والأخيلة والأحلام؛ بل إنَّ علاقة البيت بالطبيعة (الريح، المطر، البرق، النور) هي علاقة الحقل نفسه بها. ومثل هذا «التمازج الطبيعي الإنساني» كان له الأثر القوي والبعيد في نفسية الطفل وتجربته وشعره، إلى درجة أنّ «الأسطورة كانت دائمًا رؤياه، ومذهبه في يقظته وحلمه».
كانت الطبيعة بمفرداتها المتعددة تقدح مُخيِّلة الطفل وتمتحن ذاكرته وتشرط وجوده اليومي باللعب والاكتشاف والانجذاب والتوحُّد، «فالغدير الصغير حين كان ينزل إليه عاريًا كما تشاء الطبيعة، كان يفنى فيه فناء الضوء في الصباح، أو كان ينساح فيه انسياح النغم في الروح». وكانت الأم تُشكِّل امتدادًا ثقافيًّا وروحيًّا لذاكرته وحواسِّه عبر ما كانت تحكي له من قصص الجنّ والأولياء من أصحاب الخوارق، وتلاطفه بالغناء حتى ينام، وتصطحبه معها إلى مواسم الأولياء بسبب تديُّنها وورعها. وهو ما جعل الأمّ تملأ عليه كيانه، وكان يتوهَّم أن علاقاته بغيرها كانت مجرَّد «علاقات مع صورها وخيالاتها أو مع مراياها العاكسة لها». وابتداءً من سنته السابعة، ستنفتح طفولة الشاعر على تجارب عدة خارج أسرار عالمه الصغير المحجوز بين الغدير والكُتّاب والعقبة، فيزداد وعيه بمشاهدات وحكايات جديدة، ويشهد عقبات أخرى، ويتعرف على مسرّاتٍ من متاع الحياة، وفي مقدمة ذلك السينما التي غذّتْ فيه «النزوع البطولي الحالم والـمُخلِّص» وشدّتْ قصيدته، من الآن فصاعدًا، إلى «الصورة كأساس في الكتابة الشعرية». غير أن الموقف الذي هزَّ كيانه ووخز وعيه الناشئ هو عودة «المجاهدين المغاربة» من الحرب الأهلية الإسبانية بأعطاب وعاهات، وقد سأل في سرّه: «لم هذه الأعطاب؟ وأين هي الأرض التي جرت فيها هذه الحرب الطاحنة؟». وفي المحيط الصوفي الذي تشكله الزوايا الصوفية في المدينة، وجد الطفل نفسه مهيّأً لاستقبال الواردات عليه من ارتياده مجالس الذكر والسماع والتصوف، فكانت هذه التجربة الجديدة بمثابة رافدٍ رئيس بالنسبة إلى تكوُّن شخصيته فكرًا وكتابةً وسلوكًا، ثُمّ سرعان ما تعلَّق بالكتاب وانفتح وعيه على صنوف المعرفة وانجذب إلى حديث الحركة الوطنية ضد الاستعمار الأجنبي.
سيشرع عبد الكريم الطبال في كتابة أولى نصوصه الشعرية، وقد زاد وعيه بما حوله تدريجيًّا، وأخذ يدرك في قرارة ذاته «أنّ عليه أن يكون طبيعة في داخل الطبيعة، وأنّ عليه أن يتعلم من الخفاء سحر البيان، وأنّ عليه أن يقبس من الماء موسيقى القصيدة، وأنّ عليه أن يتكلم من وراء، وأنّ عليه أن يرهن حياته لقدره». وكان هذا الرهان الحيويّ بالنسبة إليه، قد اختبره ابتداءً من «الرحلة الصعبة» – كما يسميها- بين سنوات 47 و56، متنقِّلًا بين فاس وتطوان، حيث تابع دراسته حتى نيله الإجازة وتأثر بالشعر الرومانسي وانخرط في حياة ثقافية أرحب، قائلًا: «وقد اخترت أو اختارني الواقع لأنتسب إلى صف الشاعر».

فراشات الحضور

لئن كانت «فراشات هاربة» – بما يوحي به العنوان الدالّ من دلالة المثال أو المطلق أو اللامرئي، الذي يسافر في الزمن ويتأثر بانجذابه إلى الحال أو تحليقه في البعيد والمجهول – هي سيرةٌ ذاتيّةٌ في الظاهر، فإن الشاعر/ الطفل كتبها بخلفيّةٍ شعرية وصوفية، وضمّنها نصوصًا شعرية سيرذاتية وأسرارًا ومحكيّاتٍ شفيفة من تجربة الطفولة، وخلفها تثوي ملامح التجربة الشعرية ومصادرها الحيوية، بله توازيها وتخترق بناءها. وأهمّ هذه المصادر كما رأينا، هي: الطبيعة، الأم، المحيط الصوفي، الإرث الرومانسي العربي (المهجر، أبوللو) الذي توافق ونبرة التبرُّم لديه وحس تمرُّده على واقع القبح ومجاوزته، حتى قال بلهجة عرفانية: «ومن المؤكد أنني منذ أن كتبت القصيدة الأولى عقدت مع الشعر ميثاقًا يشبه ميثاق القيثارة مع النوح أو ميثاق الفراشة مع النار، إن انجرحتُ انجرح، وإن انتشيت انتشى، فأناي أناه وسواي سواه. ومع كل كتابة لاحقة كنت أنشد دائمًا تأكيد هذا الميثاق بشبق الغواية وجنون الجذب، فأعرج مرة – وأنا في حضرة الكتابة إلى سماء بعيدة علّني أنصعق ذات دهشة بومض يشع من شبح يشبه جسده القمر الغامض السابح هناك. وقد أغوص في بحر قصي علّني أرى في الأعماق صورة تشبه روحه النورانية الشفيفة فأثمل حتى الجنون».

انصرف الطبال مُبكِّرًا إلى كتابة الذات، ولم يقع في شرك الإيديولوجيا الحزبية التي وقع فيها عددٌ من مُجايليه. وكانت هذه الذات إشراقية والقصيدة التي يكتبها معراجية، مما جعل شعره يتأبّى على التصنيف والارتهان لمرحلة زمنية معينة.

إن القصيدة كما كتبها عبد الكريم الطبال وحلم بكتابتها، هي ما يمكن تسميتها بـ(القصيدة المعراجية) التي لا تكفُّ عن العروج، أي التحليق والغوص والسفر في اللامرئي والمطلق والمجهول. وما ينشده في مثل قصيدته الدائمة والتي لا إقامة لها، غايتان: البوح بما يضجّ في السريرة من صخب لا ينتهي، وبما يمور في ضمير الكون من أصداء وتموُّجات وبما يعتمل في سويداء الحياة ومكنوناتها؛ ثم السؤال الذي يقود إلى المعرفة وتأمل المشكلات المعقدة في الوجود الإنساني من الدهشة والشكّ، قبل أن يتبلور في القصيدة بصيغ متنوعة كلما تقدّمتْ أنا الشاعر في معراج التجربة وتحرّقت بأشواقها.
من هنا، لم تكن قصة الفراشات التي تحدّث عنها عبد الكريم الطبال في سيرته الذاتية مجرد ذريعة فنّية لبناء المحكي وحسب، بل تعلقت أكثر من ذلك بمسألة وجودية تُشخّص تجربة عبور الذات في عالم الأعيان، ورغبتها في الكشف والمكاشفة على حدّ سواء. يقول عبد الكريم الطبال في حوار معه، «إن السرد في السيرة هو سرد عن الفراشات وعن الطفل معًا، وما الفراشات إلا الأيام التي تأتي صباحًا وتذهب مساء، والطفل يفعل فعلها سواء بسواء» (عبد الكريم الطبال ناسك الجبل: حوار في الحياة والشعر).

سيرة الذات والآخر

وإذا كانت السيرة الذاتية التي كتبها عبد الكريم الطبال تمتدّ على ثلاثة عقود، إلا أنّ ما ورد بعدها من تجارب ومشاهدات ووقائع شخصية وجمعية، قد تفاعل معها «أنا» الشاعر باستمرار، وجعلت من طفولته بوصفها تجربة كيانيّة تحضر في مجمل ما كتبه من شعر. منذ عقد السبعينيات؛ حيث ظهر ديواناه «الطريق إلى الإنسان» (1971) و»الأشياء المنكسرة» (1974)، وإلى اليوم؛ بعدما انتظم صدور مجاميع شعرية تالية، ما زال ذلك الطفل البعيد يَرِد من النبع الشعريّ نفسه وإنْ تعدّدت روافده وتنوّعت سبل إبداعه ومنحنيات عروجه، ولا يفارق متكأ معتزله الشفشاوني وإنْ شارف التسعين من العمر.
يتعقب عبد الكريم الطبال، في مجمل تجربته الشعرية، سوانح الرؤية فيلتقط مخايلها وأسرارها من تفاصيل الحياة الصغيرة ومفردات الطبيعية المنسية والعابرة، على نحو يجعل من وعي الأنا بما حواليها بؤرته الحادة. وهو بهذه المعاني، الشاعر النسّاج الذي لا يغزل فحسب، بل يتابع ببصره وبصيرته ما يقع منه ويضعه في نسيج اللغة ببساطةٍ كثيفة ومدهشة.
لقد انصرف الطبال مُبكِّرًا إلى كتابة الذات، ولم يقع في شرك الإيديولوجيا الحزبية التي وقع فيها عددٌ من مُجايليه. وكانت هذه الذات إشراقية والقصيدة التي يكتبها معراجية، مما جعل شعره يتأبّى على التصنيف والارتهان لمرحلة زمنية معينة. وفي انحيازه الواضح إلى كتابة الذات، نتبيّن أن ثمّة تآلُفًا في شعره بين الهمّ الجمالي والواجب الإنساني على نحو يعيد تسمية الأشياء ويرقى بالذائقة الفنية والقاموس الشعري. والأهمُّ أن هذا الفعل الشعري كان يتمُّ بأسلوب شعري بسيط لا غموض فيه ولا تعقيد، مما يجعل تأثيره في القارئ متحصِّلًا وفاعلًا. ولهذا السبب، نشعر نحن القرّاء بأن الأشياء داخل كتابته تُبْتكر من جديد بفعل الدهشة، وكأنّ الطفل الذي كانه ما زال يسكنه ويوجّهه على نحو ما، الطفل المندهش بالعالم. فالدهشة دائمًا حاضرة عند الشاعر، وفعل الدهشة في معتقده الجماليّ هو الشعر.
ولا تنفكّ مثل هذه الكتابة عن مسار تطوُّرها على نحو يعكس قلق الكتابة عنده، وتطوُّر خبرة حواسّه ورؤيته للذات والعالم؛ فالكتابة عنده منحازة دائمًا إلى كتابة الذات وسيرتها التي تمزج بين ما هو رؤياوي وصوفي، وتُحيل على أنا مُتحوِّل وتخييلي يمتدُّ في الآخر ويتفاعل معه عبر رهان الغيريّة مُطْلقًا.

٭ شاعر مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية