د. أحمد الصغيرفتحي عبد السميع شاعر مصري ينتمي فنيا الى ما عرف بجيل الثمانينيات الشعري، فقد حاول شعراء الثمانينيات في مصر أن يصنعوا صوتا خاصا بهم، وأن يتمرودا على جيل الحداثة الأول في مصر (أعني جيل السبعينيات)، لكنهم فشلوا في تقديم مشروع متشابك يمتلك رؤية ثقافية وفنية صُلْبة. ولذلك فقد جاء المشروع الثمانيني متفرقا وهزيلا؛ ملتحقا بشكل أو بآخر بناصية التجريب الشعري، وعليه فإن فتحي عبد السميع يعد واحدا من الشعراء الذين آثروا البقاء في جنوب مصر(قنا) من أجل الشعر مؤمنا بمشروعه الشعري مضيفا له، ومنتجا في الحياة الثقافية المصرية نصا شعريا مائزا يعتمد علي شعرية التدفق الإبداعي من خلال صوره الملتحمة بالبيئة الصعيدية في قنا وسكون الحياة فيها لحد الموت، مبتعدا عن أبواق النفاق الاجتماعي والثقافي في القاهرة، ومن ثم نلاحظ انشغال عبدالسميع بقصيدته عن العالم المحيط به، لأنه قرر في وقت سابق أن يكتب للعالم وليس عنه، يصبر علي اللغة كثيرا، يخلق من خلالها إيقاعاته الخاصة جدا التي تجعل نصه الشعري كالفتاة البكر في زمن النضج الأنثوي الجميل.
صدر له من قبل مجموعة من الدواوين الشعرية بدءا من ديوانه الأول الخيط في يدي، تقطيبة المحارب، خازنة الماء، فراشة في الدخان، ويعد ديوانه الأخير فراشة في الدخان أحدث دواوينه الشعرية فقد صدر بعد مرور عشر سنوات كاملة قضاها في الهيئة المصرية العامة للكتاب متخبطا بين الآلات البيروقراطية وجبروتها المظلم. جاء هذا الديوان في ثلاثة أقسام رئيسة، الأول اشتمل علي سبعة نصوص وهي (نهايات لم أبدأها، سكرة الموت المبكر، تقاسيم الربابة، الظل بمفرده، حجر العزلة، علي جمر، رفرفة)، أمَّا الثاني فقد تضمن (ضحي، عباد الريحان، فرار، صفية، جمرك في جمري، لعبة، الثالث: خاتمة، الجدران، فراشات الدخان، صلاة الغائب، استدارة، براق، ينبش أمسه). إن عبد السميع من الشعراء الذين يؤمنون بفكرة المشروع الشعري، حيث إنه في جل دواوينه السابقة يجنح الى التجريب الشعري من خلال الكتابة في لون شعري بعينه وأعني هنا تحديدا قصيدة النثر، فقد جاءت مجموعته الشعرية مترابطة في شكلها العام ومتفاوتة في إطارها الداخلي لطبيعة النصوص الشعرية هذا هو البناء الكلي للديوان أما البناء الجزئي نلاحظ أن عبدالسميع يميل الى استعادة وجود الذات الشاعرة داخل الديوان استعادة قوية، وكأنَّ الذات تعلن عن نفسها في صورة يلونها التمرد والحيرة والقلق النفسي إزاء العالم الذي تحاول العيش بداخله، ولذلك نلاحظ أن ديوان (فراشة في الدخان) يقع في دائرة المفارقة التي اشتمل عليها العنوان وهي تلك الفراشة التي تكون في بهائها وليونتها وجمالها والدخان في ظلامه وجبروته، بل يصبح الدخان هو القاتل الوحيد للفراشة، فيسهم بغبائه في قتلها وفي قتل كل الفراشات التي تشبهها. إن الفراشة هنا هي الذات الشاعرة التي لا تستطيع العيش في عالم مفعم بالدخان والفساد والجبروت، إنه عالم متخبط لا يرقى لمستوى النفس الإنسانية البريئة التي تحلم بعالم مثالي، أو أكثر احتراما للإنسانية، يومئ الإهداء أيضا الى تلك الروح الساخرة المتمردة صانعة المفارقات فيقول: الى أمي وأبي إلى أشقائي…….. هذا ظلي اقبلوه وأمركم لله.
وكأن الذات الشاعرة تخلق روح السخرية، لتعلن عن حضورها النفسي داخل العالم المحيط بالآلة نفسها وهي الكلمات التي تفصل بين الحياة والموت، ونلمس الاعتراف الجلي من الذات الذي تجسد في حضور الظل (الشعر) اقبلوه لكي أعيش بينكم هذا شرط الحياة في عالم لا تطيقه الذات نفسها. ومن التقنيات الفنية في شعره أيضا اللعب بالمونودراما الشعرية داخل النص الواحد فيقول بعنوان: نهايات لم أبدأها: أفرك عيني وأصحو أين أنا؟
لا الليل يطل من البرواز ولا الصبح ما من لون يفصح عن درب ما من تكوين يدركني ليس سوى أطيار يابسة وروائح سوداء وأطلال يأكلها الملح كل الأشياء هنا تنسحب بلا همس.
إن رحلة البحث عن الذات داخل العالم الشعري، إنما هي رحلة عن النفس الإنسانية بعامة، ومن ثم فإن البحث الدائم عن وجود الذات داخل هذا العالم الشعري قد يستغرق العمر كله لأن الذات تعيش في أشد حالات الاغتراب النفسي بل تحاول أن تنتصر على هذا الاغتراب بمخاطبتها للأشياء المختلفة، لكن الأشياء كلها لا تفصح عن شيء سوى اغتراب آخر أكثر قسوة وإيلاما، مما يؤدي بالذات الى البحث عن أرض جديدة تشكلها بيديها وتصنعها على عينها من أجل البقاء، فتخذلها الأشياء معلنة انسحابها الصامت من الحياة خوفا من الروائح المنتشرة في الحياة التي لم تترك للجمال مكانا ولا للرجولة منطقا، ويقول في مقطع آخر: لاشيء يشير إليَّولستُ أشير الى شيء هل يكسر تلك البيداء النوح؟
؟ أوجاع تتقافز في أنحاء الروح.
تتجلى بنية السؤال في معظم نصوص الديوان، وكأننا في عالم مشحون بالألغاز والأسئلة السوداء التي لا تشير الى شيء واضح بعينه يمكن لنا أن نحدد ملامحه من خلال صورة جلية، لكن مازالت الأوجاع تسيطر على آلام الذات الشاعرة وتنتشر في جل أركان الحياة منغصة حيوات البشرالمتدثرين بأحزانهم الثقيلة.
يتكئ عبدالسميع أيضا علي خلق الصورة الشعرية المتشربة بالحياة في صعيد مصر، ذلك الصعيد المفعم بحكاياته التي لا تنتهي عن العفاريت والجن وسَبْعِ الليل والمَعَلِّمْ شُعِيب وقُطَّاع الطُّرق والجنية الحمراء التي تضاجع الرجال الأقوياء في جوف النهر فلايعودون مرة أخرى للحياة فيقول:
مازلت أذكر عندما جدفت أول مرة في النهر شدتني عجوز من نساء الجن وحديصرت أقفز ثم أهبط صارخا حتى أتي صياد أسماك وخلصني لأغرق في كوابيس ويبقى من ملاك الموت ريش سابح في منبعي.
من الملاحظ أن الذات الشاعرة تنسج خيوط الأساطير القديمة التي نسجتها الذاكرة الثقافية في أذهان الشخصية الصعيدية التي تمتلك ثقافة خاصة تختلف عن أهل الشمال في مصر، وقد تجلى ذلك في الصورة الدرامية السابقة التي هيأت الذات لنا وكأنها ذات متلبسة بالأساطير والحكايا لتخرج من كابوس الجن، لتدخل في كوابيس الحياة المعاصرة، فيعتمد المقطع السابق علي تقنية التناص المعكوس لأسطورة طائر الفينيق القديمة التي تتحدي الموت في انبعاث الطائر مرة أخرى من رماده، يتماهى الشاعر في تلك الروح الأسطورية العابرة للحواجز البشرية القارة في نفوس العوالم المحيطة بحياة الآخرين.
ويقول في مقطع آخر مستلهما البيئة الصعيدية الثرية بصور تشي بالحراك اليومي في الحياة من خلال الربابة التي تقوم مقام الحياة لدى الجنوبيين:
أُسافرُ في تقاسيم الربابة هنا كل الدروب تقود سالكهاإلى بطن المقابركل صبح يستدير بألف جرح كل نافذة تطل على خرابة ألمُّ الروح في مرآتها أنداح من عزف الى عزف ٍ.
إن استدعاء الربابة في المقطع السابق بوصفها رمزا قويا للحياة التي تحياها الذات الشاعرة، ومن ثم المعاناة التى تقع عليها والصورة التى تلمسها فتفجر مشاعر الحزن والموت والحنان، فالحياة تقود الى الموت والصباح يقود الى الجراح والفساد الذي تنوء الذات بحمله وتريد التخلص منه، فتتلاطم أمواج الحياة فتقفز بها الى أمكنة لا تعرف خرائطها ذوات العالم المحيط بنا. فتختلط الأمور علي الذات الشاعرة عندما تجد العالم الكبير أصبح خرابة للحشرات الحاقدة على قلوب يسكنها البياض، ويقول في مقطع آخر متلبسا في هموم وأوجاع الذات نفسها:
أرى في كل حضن طرف سكين أرى في كل موال مؤامرة أرى أبدية في جبهة العارض إنَّ تكرار الفعل المضارع أرى ثلاث مرات يومئ الى إيقاعية التمرد وبتكرار الحدث نفسه في صور متغايرة، تمنحنا حسا داخليا دافئا وإيقاعا صادقا دالا يسهم بشكل واسع في تنقية الصورة ووضوحها، إنَّ الخيانة التي تكابدها الذات الشاعرة هي ليست خيانة واحدة بل مجموعة من الخيانات النرجسية التي امتلكها الآخرون الذين يتلذذون بعذابات الذات بل يفتكون بها في مرات مختلفة وبصور متفاوتة في زمكانيات بعيدة. ومن ثم فقد تلجأ الذات إلى العزلة فيقول عبدالسميع:
أختصر اللحظة في موال أسود وأبلل بالعزلة ريقي الدرب هنا بين الجنبين هنا سر السرلماذا أنظر مثل المعتوه هناك وأنتظر صباحا لن يقبل؟
ما في الخارج غير الموت اليوم عرفت طريقي.
أعبث في أزرار الذات وأفتح للرعد مغاليقي. ينكفئ الشاعر فتحي عبدالسميع على ذاته كثيرا، وأصبح خطابه الشعري مفتوحا للداخل، بل نجد الذات الشاعرة تلعن العالم الأرضي الذي يحتفي بالموت الرخيص والعبودية المطلقة، فتدرك الذات أن نور الحرية لن يأتي، ومن ثم تطلق الذات شراعها الأبيض حيث تشاء فيقبل الرعد رمز الصخب الداخلي الذي ينتقل بالذات من حال الى حال ومن موال الى موال، ومن ثم فإنها لاتفكر في أمور بالية وحواديت لا تجلب إلا الفراغ الأسود، فتخلق عوالم خاصة تليق بنبض العشق الأبيض.
إن الشاعر عبدالسميع يحتاج الى دراسات نقدية أكثر اتساعا تليق بتجربته الشعرية التي امتدت عبر حيوات متفاوتة… *ناقد وأكاديمي مصريكلية الالهيات ـ جامعة رجب طيب آردوغان ـ تركيا