لو نظرنا في مساحة الوطن العربي، وأحصينا ما به من ثروات هائلة وتعداد سكاني، أغلبه حسب الدراسات من فئة العمر الشبابية، لوجدنا أن هناك تنوعاً بالمقومات التي يمكن أن تجعله متكاملاً وفي مصاف الدول المتحضرة، إذ يضم الوطن العربي بلداناً نفطية وبلدانا أخرى غنية بالمواد الزراعية والمواد الأولية والكفاءات البشرية، ما عدا الرابط الأساسي الجامع ألا وهو اللغة المشتركة والتاريخ والتراث المشترك.. وبذلك يمكن القول نظرياً إن عوامل التكامل بين الدول العربية هي أقوى من عوامل التفكك والتجزئة. أما عملياً فقد اختلق حكام الدول العربية لشعوبهم معوقات سياسية واقتصادية جمّة أمام هذا التكامل، وما ذلك إلا لأجل ضمان استمرارية نفوذهم الشخصي جداً وجعل أنظمة الحكم الجمهورية، وراثية ملكية بالواقع. وكان لهم تحقيق ما رموا إليه خلال نصف قرن من الزمن، ساعدتهم في ذلك اتفاقيات الصمت عن وجود الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي واحتلاله فلسطين، فكان منها ما هو معلن كاتفاقية كامب ديفيد ومنها ما يقال عنه (من تحت الطاولة) كصمت نظام البعث السوري المطبق على جبهة الجولان المحتل، وتحت عنوان عريض هو الممانعةن جديرٌ الهتاف به كشعار وطني قومي في المحافل المحلية والدولية. كانت جامعة الدول العربية مقراً مهماً يجتمعون به سنوياً لتأكيد البصمة على عدم الوحدة، حتى جعلوا من تلك الجامعة مهزلة عربية عالمية ومن اجتماعاتهم السنوية مسرحيات ساخرة مضحكة. ورغم ذلك كانت القضية الفلسطينية تسيطر على الحيز الأكبر من العاطفة لدى الشعب العربي، فمنحها ضمن الترتيب العاطفي لأمانيه وتطلعاته مرتبة الأولوية. لا أشك لحظة في أن شعوبنا على مدى تاريخها الحديث وعت استبداد أنظمتها لها، وأول هذا وضع اليد على مدخرات وموارد البلاد الاقتصادية لصالح أسرة الرئيس الحاكم، ومن لف لفيفها، وكبت الحريات العامة وكلّ ذلك في إطار نظم قمع مخابراتية أوجدتها الأنظمة بحجة الأمن الوطني وسلامة الوطن. فتحملت الشعوب جبروت حكامها المدللين لأنفسهم وصمتت عنهم وعن جورهم خوفاً من الاعتقال والتعذيب والمحاربة في لقمة العيش، وبالمقابل وجهت عاطفتها الوطنية الجياشة اتجاه تحرير فلسطين وسيّرت غضبها اتجاه عدو واحد هو إسرائيل والدول الداعمة لوجودها. كما صفقت للزعماء الذين أجادوا توجيه الحماس العروبي والقومي والديني في خطاباتهم، التي أصبحت منهجاً ومادة دراسية في المدارس وما كان هذا إلا خطة مدروسة بعناية من الحكام لضمان مستقبلهم المؤبد في الحكم عبر تربية جيل ينشأ تابعاً لهم. كان هذا تواطؤاً مستمراً على اغتيال العقل العربي ونصب فخاخ العاطفة في أعماقه وبوجه أي إمكانية تسعى لتطويره ونضجه، وقد ساعدتهم في ذلك الطبيعة الشخصية العاطفية المعروفة عنه. وهكذا عاش إنساننا مدّى زمنياً طويلاً في جمهورية عاطفته الموجهة وغير المستقلة ضمن موجات متتالية من الأزمات السياسية والاقتصادية وبشكل عام الحياتية، وبغير فعالية عقلية عملية. وكما هو معلوم أن الظلم لا بدّ أن يولد انفجاراً لدى المظلوم، تفجرت العاطفة ثورة عارمة عند شباب الوطن، ثورة على القهر طلباً لكرامة إنسانية مهدورة ولحقوق أوجدتها كافة الشرائع السماوية والمدنية، حق الحياة، العدالة والمساواة، حرية التعبير، حق العمل، حق (أنا إنسان ماني حيوان) .. ثورة كسرت حاجز الخوف، فلحق بشباب الوطن شيبهم. ما زالت الثورة منذ أكثر من عامين حتى اليوم مستمرّة حتى في الدول التي سقطت بها الأنظمة، وإن كان في امتدادها حالة من الفوضى نتيجة خلافات لا تصب في مصلحة الوطن، لكنها أملٌ في فكرٍ وطني جديد يجمع على المصلحة الوطنية المشتركة ويحقق تطلعات الشعوب التواقة إلى العدالة والحرية وكرامة الإنسان .