فراق

كانت لصاحبنا في طفولته علاقة خاصّة جدّا بوالده.
كان والده شديدا في غير قسوة، جلدا لا يبدي ضعفه، مقترا في إظهار حبّه له، وكان يكنّ له منه الكثير. وكان صاحبنا يهابه لذلك كلّه، فلا يجالسه ولا يصاحبه إلّا قليلا. وإن كلّمه والده فلا يطول ذلك إلا بالقدر الذي يطمئنّ به عليه وعلى حال دراسته.
كان صاحبنا حينها أقرب إلى والدته. يصاحبها حيث ما ولّت ولا يفارقها إلّا في أوقات دراسته. فإذا فرغ ذهب ليلقاها في مكان عملها، يمكث هنالك ما شاء الله له، يعبث بما بين يديها من أوراق ودفاتر، ولا يبالي كثيرا إن نهرته ولا ينته عن ذلك إن هي نهته. فإن عادت إلى البيت عاد معها ولازمها فيه، يطوف حيث تطوف، يحادثها حينا ويمازحها حينا، ويذيقها ألوانا من شقاوته. فإذا حضر أبوه استقام فكان أودع الناس. ولمّا بلغ صاحبنا الصّبا اقترب أكثر من أبيه حتّى اتّخذه صديقا. يلاعبه ويمازحه كما يمازح الخليل خليله. وإنّه ليسرف في هزله، بل تهكمّه منه أحيانا، حتّى إذا ضاق والده بذلك بادره صاحبنا بابتسامة في شيء من العشم، فما هي إلّا أن يسكت عنه غضبه فيصفح عنه، ثمّ يعود لتحمّل لهوه وهمزه ولمزه.
وحين كبر صاحبنا عرف لوالده قدره، واحتفظ من صغره بمهابته له ومن صباه بقربه منه وزاد عليهما رأفة وحنوّا يربوان كلّما تقدّم والده في السنّ، فوهن عظمه ورقّ قلبه. أمّا والده فأصبح شديد التعلّق به، يجهر بحبّه له كما لم يكن يفعل من قبل. ذهبت شدّته وضعفت قوّته وزهد في الدنيا، حتّى لم يعد يعنيه من أمرها شيء إلا ولده. يسعد بما يسعده ويغتمّ إن أساءه أمر.
فلمّا عزم صاحبنا على الهجرة حزن والده لذلك حزنا شديدا لم يعنه عليه إلا بقيّة من صبر وموعدة واعدها صاحبنا إيّاه. غاب صاحبنا زهاء السنة، علم الله ما لقي فيها من أهوال ليس أقلّها أنّ والده مرض مرضا شديدا حتّى خشي عليه. وحين عاد لقضاء إجازة الصيف ولقيه وجد فيه من الوهن ما لم يعده فيه. أمّا والده فلم يكد يره حتّى فاضت عيناه فشكتا إليه مرارة ما احتمل في غيابه. كانت أول مرّة يرى فيها صاحبنا أباه يبكي فاضطرب ولم يدر ما يفعل ولا ما يقول إلّا كلمة جعل يردّدها في ظاهر من الجلد بالكاد يخفي شواهد قلبه الذي انفطر «لا بأس، لا بأس، لا بأس عليك يا أبي». كان ذلك أول عهد أبيه بشدائد الأسقام، تزوره سنة وتقلاه عاما أو عامين.
زاد ذلك من تعلّق صاحبنا بوالده وشفقته عليه وضاعف كل ذلك من ألم البعد وشدّته على كليهما. ونسي صاحبنا أو كاد ما اغترب من أجله. ولم يعد يحلم إلا باليوم الذي يعود فيه لبلده فيلقى والده بخير، يجالسه ويسامره ويسلّيه. وما كان أشدّ عليه من تلك الأيّام التي يمرض فيها والده وهو بعيد في غربته، تحالف عليه الحزن والوسواس والحيرة والعجز والنقمة على نفسه التي سوّلت له الهجرة فحرمته صحبة والديه في الأيّام التي كانا يدّخرانه لها.
كانت حال صاحبنا حينئذ فرعا عن حال والده، يسعد ويهنأ إذا كان والده بخير ويحزن ويغتمّ إن هو أصابه مكروه. وكان له مع والدته موعد لا يخلفه. يهاتفها كل يوم ليسأل عن حال أبيه. يدفعه لذلك الواجب الذي لا بدّ منه، وتجبن نفسه أحيانا فتودّ أن تجد من الأسباب ما تعتذر به عن السؤال حتّى لا تسمع ما يسوءها. فقد كان ذلك السؤال محدّدا ليومه. فإن سمع خيرا اطمأنّ قلبه وانشرح صدره وأقبل على حياته خفيفا حالما، وكأنّ وزرا ثقيلا وضع عنه، أو كأنّ غشاوة سوداء رفعت عن ناظريه فأبصر نور الحياة من جديد. وإن سمع شرّا انكدر وثقل همّه على كاهله وثقل كاهله على ركبتيه فهما بالكاد تحملانه.
وكان صاحبنا يستشفّ الأمر من نبرة صوت والدته، قبل أن تحدثه عن أيّ تفاصيل . فإن هي قالت «الحمد لله» في نبرة حادّة سريعة، علم أن الأمر على ما يرام، وإنّما هي تتلهّف لتبشّره بأنّ والده بخير. وإن هي قالت «الحمد لله على كل حال» في نبرة فخمة ثقيلة، علم أنّ الأمر الذي حمدت الله عليه مكروه لا يحمد عليه سواه. وكان ظنّه يصدق في كل مرّة. لم يخطئ في ذلك قطّ. ولم يكن صاحبنا عالما بخفايا النفوس ولا دارسا لأسرارها، ولكن كان بينه وبين والدته سرّا يدرك كنهه، ولا يحسن وصفه. فكأن ليس بين روحها وروحه حجاب. لا يعتمل شيء في نفسها إلّا وجد ظلّه في نفسه، وكانت قسمات وجهها أو نبرة صوتها على ذلك الظلّ دليلا. وقد تفكّر في ذلك وتعجّب منه بادئ الأمر، فلمّا تذكّر أنّه كان يوما ما بعضا منها زال عجبه.
ومضت السنون والأعوام والوالد بين سقم وعافية، وصاحبنا بين صبر ودعاء وحمد وثناء. كلّما مرّ والده بمحنة تضرّع إلى الله كي يفرّج كربه، وألحّ في ذلك حتّى يستجيب الله له. فلمّا مرض الوالد مرض الموت لم ينقطع صاحبنا عن الدعاء ولكنّه لم يعد يجد في نفسه تلك الحرقة التي كان يدعو بها من قبل، ولم يعد ملحّا كما كان من قبل. ولم يكن ذلك قنوطا منه من رحمة الله، بقدر ما كان تسليما بأن سنّة الله تجري على والده كما جرت على الذين من قبله.
عاد صاحبنا إلى بلده ليقضي آخر إجازة له مع والده، فوجده طريح الفراش، قد غيّبه المرض قبل أن يغيّبه الموت، فلم يجد لمجالسته ولا لمسامرته سبيلا. وأدرك أنّه فاقده لا محالة. وانتهت تلك الإجازة وطوت أيّامها على ما فيها من قلق وحزن. وعاد صاحبنا ببعضه إلى غربته وترك بعضه عند والديه. ولم يكن بعضه الآخر هذا ليغني عنهما شيئا. فما هي إلا بضعة أسابيع حتّى اشتدّ الكرب بوالده، وأسرّ الطّبيب إلى أهله بأنّ الرّجل يحتضر، فسارعوا إلى إخبار صاحبنا لعلّه يدرك والده قبل الموت، فكان الموت أسبق.
علم صاحبنا بوفاة والده وهو يهيّئ نفسه للسّفر فما جزع وما هلع. فالمرض حين يشتدّ ويطول بصاحبه يهيّئ أهله لما سيأتي بعده، فلا يفاجئهم الموت. والمرض حين يشتدّ ويطول بصاحبه يهدي أهله إلى أنّ الموت الذي يعقبه إنّما هو شيء من رحمة الله به وبهم.
بلغ صاحبنا بلدته ودخل بيته وهبّ إليه الناس ليقدّموا له العزاء، فاستقبلهم صابرا محتسبا. ثمّ أشار عليه بعضهم بدخول إحدى الغرف فدخلها فوجد والده مسجّى في ثوبه الأبيض وحوله بعض أهله. دنا منه ثمّ انحنى نحوه وطبع قبلة على جبينه، ثمّ جلس على كرسيّ وضع بجانبه وجعل ينظر إليه صامتا واجما والناس من حوله يرقبونه، ينتظرون بكاءه ونحيبه، فلم يجد البكاء إليه سبيلا، ولم يحاول هو أن يتكلّفه أو أن يظهر لوعة أو حسرة على فراق أبيه. فما كان يحسن ذلك وما كان يجد إليه حاجة. جلس صاحبنا قليلا ثمّ غادر إلى غرفته فمكث نحو ذلك، أدّى صلاته وناجى ربّه ثمّ عاد. فلمّا دخل على والده مرّة أخرى وجد أنّ الناس قد انفضّوا من حوله إلّا قليلا منهم. جلس ثانية بجواره، ثمّ فكّر أنّ يلقّنه الشهادة حتّى يذكرها إذا وضع في قبره وأقبل عليه الملكان يسألانه. دنا صاحبنا من والده يريد أن يهمس في أذنه، والتصق صدره بصدره، وبدا له وكأنّه يعانقه. ثمّ أغمض عينيه وجعل يردّد «لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله». ورأى في تلك البرهة أطيافا من حياته مع والده تمرّ أمامه وتمضي مسرعة. رأى والده ممسكا يده صغيرا يصحبه إلى مدرسته. ثمّ رآه واقفا بجانبه في حفل نهاية العام مبتسما فخورا بتكريم ولده. ثمّ رآه يرقص فرحا في عرسه. ثمّ رآه مبتهجا يداعب ويلاعب حفيدته. ثمّ ذكر كيف قبّل يد والده أمام المسجد ذات يوم، يستعطفه كي لا يمانع سفره، واعدا إيّاه بالعودة حالما يتمّ دراسته.
ذكر كلّ ذلك فخرّ جسده على جسد أبيه، وذهب ما كان يتجمّل به من صبر، وترك نفسه لنفسه فانخرط في بكاء كبكاء الطفل أو هو أشدّ، حتّى أبكى من حوله. وجعل يردّد الشهادة يكاد يصرخ بها، لا يدري أكان يذكّر بها والده أم كان يثبّت بها فؤاده.
كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية