فرانز فانون وزمانه الأخضر

حجم الخط
0

خيري منصور

لم أتخيّل عندما قرأت ‘معذّبو الأرض’ لفرانز فانون قبل اكثر من ثلاثة عقود، انني على موعد معه في المدينة التي قاوم فيها الاحتلال والرجل الأبيض معا، وان الممرضة التي كانت تعمل معه في احد مستشفيات الجزائر إليس سوف تتحدث هذه المرة بلسانها وبتجاعيد وجهها وابتسامتها الحزينة وقد بلغت ما بعد الثمانين، ولم يخطر ببالي ايضا انني سأتناول العشاء في حضرة الخضراء ابنته التي لم تنعم بأبوته لأنه غادر العالم وهي تلثغ باسمه وباسم الجزائر ولم يكن قد تجاوز السادسة والثلاثين من عمره.

ومن مفارقات سيرة د. فانون انه ولد في العام الذي ولد فيه باتريس لومومبا ورحل عن عالمنا في العام ذاته الذي رحل فيه لومومبا، وكان اول درس تلقّاه كما يقول عن هذا الافريقي الأخضر الذي روى كيف ان امرأة بيضاء وبّخته وقالت له ايها الزنجي القذر لمجرد انه ارتطم بها في الزحام وبلا أي قصد. وكان كتاب فانون ‘بشرة سوداء وأقنعة بيضاء’ بمثابة الاجابة على سؤال سارتر الاشكالي وهو ما الذي يفعله الاسود بلونه؟ وكان ما فعله فانون المارتينيكي الجزائري بلونه انه شهره في وجه العالم بعكس ما فعل آخرون من طراز جاكسون عندما تعاملوا مع لونهم باعتباره عورة يجب اخفاؤها او استئصالها، لهذا قدم سارتر كتاب ‘معذبو الارض’ لفانون مبشرا بمثقف افريقي يكتب بالفرنسية، ويوقظ لدى المضطهدين احساسا فائقا بالندية وبأنهم ليسوا كما يتصورهم الرجل الأبيض في اسطورته الباردة، فإذا صحّ ما قاله ادوارد سعيد عن الشرق باعتباره بدعة الغرب وصياغته فإن الزنوجة ايضا هي بدعة البيض وصياغتهم، والمطلوب منهم كما قال برنارد شو ان يمسحوا احذية البيض على ارصفة المدن وليس قيادة النّخب نحو آفاق من التحرر والانعتاق.* * * * * * * * * *التقينا على مائدة فرانز فانون في الجزائر وهي تحتفل بالذكرى الخمسين لاستقلالها وذكرى فانون التي تحولت الى توأم لهذه الذكرى، أفارقة وعرب وآسيويون، منهم د. سمير امين، وطارق علي وحلمي شعراوي وادريس تيرانتي وجورج قرم واعجاز احمد واحسان شريعتي وكريشنا مورتي وآخرون، اضافة الى ابنة فانون وصديقته وممرضته إليس شيركي، فالرجل الذي جمع اصدقاء من كل القارات تجاوز مسقط رأسه ولونه وعبر الحدود نحو انسانية شاملة، ولعلّ عنوان مداخلة طارق علي وهو جيفارا وفانون اطباء بلا حدود توحي بمثل هذا التجاوز والعبور.

عاش فانون الفترة الحرجة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وكانت امريكا الطالعة للتو من بين اطلال تلك الحرب قد بشّرت العالم بنهاية الاستعمار لكنها سرعان ما اصدرت طبعة جديدة ومزيدة من كولونيالية راوحت بين الخشونة والنعومة.

يروي فانون انه عندما كان طالبا في جامعة ليون اصيب بصدمة مزدوجة، فكان من تقاليد الجامعة ان توضع اسئلة الامتحان في سلة ثم يلتقط كل طالب سؤالا منها، وكان احد اساتذة فانون قد احس بالاشفاق عليه فساعده على التقاط سؤال… عندئذ رمى التلميذ الورقة ومدّ يده الى قعر السلة ليحصل على حصته من الاسئلة، فقد رأى في هذا الاشفاق إهانة، وتقليلا من شأنه لأنه مجرد اسود!* * * * * * *في كتابه عن فانون يقول ديفيد كوت: اذا كانت الرأسمالية قد خلقت ماركس والفقر في صقلية خلق غاريبالدي والاوتوقراطية الروسية خلقت لينين والاستعمار البريطاني خلق غاندي فإن الرجل الابيض بدوره المزدوج خلق ظاهرة فانون، هكذا هو التاريخ في جدليته وصيرورته ومكره ايضا، لكأن الظواهر السلبية الكبرى والفاعلة تحمل بذور موتها في جذورها.

لقد احسست منذ الصّبا بأن اطروحات فانون مستقبلية بامتياز وان العالم سيحتاج اليه بعد رحيله بعقود، وهذا ما حدث بالفعل لأنه قشر الرأسمالية حتى العظم وتنبأ بتوحشها وما سوف يقطر من انيابها في العالم الثالث، وكان فانون اول من دلني على ايميه سيزير وسنغور وبقية الاورفيوسات السود من السلالة الخالدة، ولسبب لم يكن جليا بالنسبة لي قدمت لأول كتاب لي بعنوان ‘غزلان الدم’ منذ خمسة وثلاثين عاما بعبارة من سيزير وهي:

انا انسان ظامىء ادور ادور كالمجنون حول مستنقعات مسمومة.

وحين قلت لابنته ورفيقته إليس انه كان يحمل شاعرا في اعماقه اجابتا بصوت واحد نعم، لهذا لم تكن معظم استشهاداته في كتب عن شعراء افارقة وفي مقدمتهم سيزير.

لم يبق من جيل فانون غير القليل، لكن اصداء هؤلاء تتردد في ذاكراتنا نحن الذين كنا صبيانا نسمع من المذياع الخشبي في قرى لم تكن مضاءة بالكهرباء عن ثورة الجزائر وازمة خليج الخنازير في كوبا والعدوان الثلاثي على مصر، ولم افاجأ حين سمعت من الصديق اعجاز احمد شيئا كهذا رغم انتمائنا الى قارتين وتفصل بين قريتينا آلاف الاميال.

لقد كان رهان الوحش الابيض على زهايمر سياسي يتحول الى وباء كوني ويحمل اسم العولمة، لكن هذا الرهان خاب، واذكر انني التقيت رجلا افريقيا أخضر ايضا في عمان وقبيل رحيله هو جوليوس نيريري رئيس تانزانيا الذي تخلى عن منصبه وعمل في شجون الامم المتحدة، كان الجو ماطرا وباردا، والذاكرة في ذروة عنفوانها، فقلت له انه تسبب في رسوبي باحدى المواد المقررة علينا في جامعة القاهرة، وحين ابدى استغرابه اضفت بأنني سمعت بأن موكبه مع عبد الناصر سيمر قريبا من بيتي، لمعت عيناه وكأن فيهما دمعا عالقا، وقال: هل ثمة من يذكر؟ نعم، ثمة من يذكر ويسعى بكل قوة الى التذكير ومقاومة الزهايمر السياسي المعولم.

في تلك الاونة الحرجة، عرف العالم نمطا آخر من العولمة الفذة، هي التي جاءت بفانون من المارتينيك الى الجزائر وبالكواكبي قبل ذلك من حلب الى القاهرة، وسليمان الحلبي من الشام ليقاوم الجنرال كليبر، وبعبد القادر الجزائري من بلاده الى القدس ودمشق وجيفارا من مسقط رأسه الى مساقط روحه في ارجاء واسعة من العالم.

كانت عولمة من طراز آخر، ايجابي وانساني وعابر للحدود واللغات، لأن الشقاء لا يحتاج الى ترجمة وكذلك الحرية.

بين فرانز فانون وزمانه وبيننا الان ستة عقود اجريت خلالها جراحات كبرى لتضاريس الجغرافيا وذاكرة التاريخ بحيث اصبحت الاجيال الجديدة مهددة بالقطيعة عن تلك التجارب التي يجري الان تشويهها واعادة انتاجها رغائبيا بعد حذف كل ما له علاقة بالدسم الانساني وهواجس العصيان.

اننا لا نردد مع دانتوس سحقا لمن سبقونا فقد قالوا اقوالنا كلها، لكننا ندرك بان التاريخ ليس فقط ما حدث وتحقق بالفعل، وثمة ممكنات تهاجر من جيل الى آخر بانتظار حاضنات تتيح لها التحقق.

وما يفزعنا الان هو هذه الميديا المؤدلجة والمدججة بالاقنعة واساليب الغواية والتضليل، اضافة الى ما يمارسه فضاء معتقل في مختبرات الاستراتيجيات الساعية الى التمدد بهدف سرطنة الوعي، لقد انجز فانون مشروعه وهو في السادسة والثلاثين، كما فعل السياب وغسان كنفاني وغيرهم ممن حدسوا بنهايات قريبة وهم في ذروة ابداعاتهم، ويبدو ان ما تغير ليس فقد خرائط وتضاريس ومنظومة مفاهيم، بل سن البلوغ ايضا!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية