فرانسيس فوكوياما في امريكا علي مفترق طرق :

حجم الخط
0

فرانسيس فوكوياما في امريكا علي مفترق طرق :

دعوة الي سياسة واقعية جديدة ولسنية تمزج تأثير امريكا بالتطور السياسي والاقتصادي بدلا من القوة المفرطةالجهادية الاسلامية نتاج ثقافة هامشية في الغرب واوروبا ساحة الحرب عليها والحديث عن حرب عالمية ضدها مضللفرانسيس فوكوياما في امريكا علي مفترق طرق :عرض وتقديم: ابراهيم درويش منذ سقوط العاصمة العراقية بغداد في نيسان (ابريل) 2003 وامريكا تعود في غالب الاحيان الي امثلة عن بناء الدول في مرحلة ما بعد الحرب وتستشهد تحديدا بعملية بناء المانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية، وتقدم الدولتان علي انها انجح الامثلة علي عملية تحويل دول خرجت مهزومة من الحرب ومنهكة ومدمرة وبناء انظمة ديمقراطية فيها. ولكن هذين المثالين لا يمثلان الا الوجه المضيء من السياسة الخارجية الامريكية، فالوجه الاخر ان امريكا قامت وساهمت في عملية بناء دول ولكن سجلها فيها لم يكن مجيداً ـ فهي احتلت الفلبين لمدة خمسين عاما، ولم يظهر في هذا البلد اي نموذج ديمقراطي او تنموي، بل ان الفلبين تعتبر من اقل دول مجموعة الدول الاسيوية اسيان تطوراً ودرجات الحرية والديمقراطية فيها ليست جيدة، كذلك حاولت امريكا التدخل في الصومال وهاييتي ودول الكاريبي والسجل معروف، في البوسنة اسهمت امريكا في ايقاف الحرب والمذابح الا ان السجل يظل بين بين. يطرح هذا النقاش في ضوء المشاكل التي تعاني منها السياسة الخارجية فيما يتعلق بالحرب في العراق، وهي الحرب التي لم تنته، لان الرئيس الامريكي جورج بوش الذي هبط بالطائرة علي مدمرة بجرية امريكية ليعلن في بداية ايار (مايو) 2003 نهاية الحرب علي خلفية عبارة المهمة انتهت لو كان يعرف ان التحديات التي ستواجهها امريكا في العراق، من ظهور المقاومة، الي التناحر الطائفي والقتل علي الهوية واكثر من الفي قتيل امريكي اضافة لمئات الالوف من العراقيين المدنيين لم يكن ليجرؤ علي الاعلان عن نهاية الحرب وجيشه لا يزال يقاتل عدوا لا يعرفه. العراق هو تجربة امريكية لن تتكرر بعد فشل طروحاتها بأن الديمقراطية تأتي من فوق ويتم فرضها علي المجتمعات بالقوة. مشاكل جورج بوش في العراق ادت الي جدل داخل التيار الذي قاد الحملة من اجل غزو العراق. الجدال حول عقيدة المحافظين الجدد لم يطعن في جدليته الفكرية بقدر ما تحدث عن اخطاء في التكتيك والاستراتيجيات. والوحيد من بين المحافظين الجدد الذي قدم اطارا فكريا جديدا عن هذا الارث هو فرانسيس فوكوياما، مؤلف الكتاب المعروف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق نهاية التاريخ .سيرة ذاتية لمحافظ جديد سابق فوكويا كان واضحا في نقده لمشروع المحافظين الجدد حين قال ان المشروع تطور الي شيء لم يعد قادرا علي دعمه، وما لم يعجب فوكوياما في كتابه الجديد امريكا علي مفترق طرق: الديمقراطية والسلطة وارث المحافظين الجدد هو تلك اللهجة الانتصارية والاستعلائية التي برزت في خطاب عدد من ممثلي هذا التيار. ولكن كتاب فوكوياما ليس عن ارث المحافظين الجدد بقدر ما هو عن السياسة الخارجية الامريكية في مرحلة ما بعد هجمات ايلول (سبتمبر) 2001. والكتاب ايضا يحمل رؤية شخصية حيث يقول في مفتتح كتابه: كنت اعتبر نفسي ولفترة طويلة من المحافظين الجدد، واعتقدت اني احمل نفس الرؤية العامة معهم، بمن فيهم اصدقاء ومعارف خدموا في ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش. عملت مع مساعد وزير الخارجية السابق بول وولفويتز في مناسبتين واحدة الوكالة الامريكية للتحكم بالسلاح ونزعه، ولاحقا في وزارة الخارجية، وكان وراء تعييني للعمل في مركز الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة هوبكنز، وعملت مع استاذه ومشرفه البرت هولستير… كما كنت طالبا لآن بلوم، تلميذ ليو شتراوس ومؤلف كتاب اغلاق عقل امريكا ، وكنت زميل دراسة لويليام كريستول وكتبت باستمرار في مجلتين انشأهما والده ايرفينج ناشونال انتريست National Interest و بابليك انتريست Public Interest وكذلك في مجلة كومنتري . بعد هذا العرض النسبي اي علاقة فوكوياما بمجموعة المحافظين الجدد يقول انه رغم كل هذا كان من المعارضين لحرب العراق او علي الاقل كما يقول لم اقتنع بمنطق حرب العراق . مع انه بدأ كما يقول صقرا بالنسبة للعراق حيث وقع عام 1998 علي رسالة دعمها مشروع القرن الامريكي الجديد تطالب ادارة الرئيس كلينتون باتخاذ سياسة اكثر تشددا من بغداد. لم يكن غزو العراق علي الطاولة في حينه ولن يكون الا بعد احداث ايلول (سبتمبر) 2001. كيف غير فوكوياما وجهة نظره او لم يقتنع بالحرب؟ يقول انه في العام الذي سبق غزو العراق 2003، طلب منه المشاركة في دراسة عن الاستراتيجية طويلة المدي لحرب امريكا علي الارهاب وعندها قرر كما يقول ان الحرب علي العراق لا معني لها. الكتاب هو نتاج كما يقول عن مراجعة ذاتية لافكاره وفيما اذا كان تفكيره الجديد قد جرده من لقب او وصف المحافظ الجديد امر ليس مهما. لكن التغيير لا يحدث فجأة بل لا بد له من شرارة او محفزات، والشرارة التي دفعت فوكوياما الي التفكير او اعادة التفكير بمواقفه من المحافظين الجدد جاءت في شباط (فبراير) 2004 عندما شارك في الحفل السنوي لـ معهد امريكان انتربرايز المحافظ، وكان المتحدث الرئيسي فيه الكاتب الصحافي المعروف تشارلس كروثامر حيث قدم المحاضرة المكرسة لايرفينج كريستول احد اهم المحافظين الجدد وكانت عن السياسة الامريكية الخارجية في عالم احادي القطبية. جاءت المحاضرة بعد عام تقريبا من غزو امريكا للعراق، وقدم المحاضر الحرب علي انها نجاح كبير. لم يكن فوكوياما يفهم السبب الذي يجعل كل الحاضرين يصفقون للخطاب، خاصة ان الولايات المتحدة لم تعثر علي اسلحة الدمار الشامل وتواجه حربا من المقاومة العراقية. موضوع الكتاب هذا كان إذن نتاجا لرد علي المحاضرة حيث التقي في اليوم التالي مع محرر مجلة ناشونال انتريست التي تعبر عن صوت المحافظين الجدد، وطلب منه الرد علي المحاضرة، ووافق جون اوسليفان محرر المجلة علي ذلك وكانت النتيجة مقالا نشره فوكوياما واثار جدلا في حينه بعنوان حركة المحافظين الجدد . اهم ما جاء في المقال ان حركة المحافظين الجدد تطورت الي شيء لم يعد فوكوياما قادرا علي دعمه . خلاف حول الاصول والمبادئالخلاف بين فوكوياما وبين المحافظين الجدد كما يظهر الكتاب هو نظري، فهو اصولي من ناحية فهمه لهذا الفكر الذي تطور في الثلاثينات من القرن الماضي، انه يدعو للعودة الي الجذور الاولي للحركة والتي يري انها كانت مجموعة من الافكار المنسجمة والقوية التي تطورت اثناء الحرب الباردة والتي كانت عقلانية ومقبولة في داخل امريكا وخارجها. طبعا يري فوكوياما ان ما حدث في فكر المحافظين الجدد هو اشكالية في التفسير اي ان هذه الافكار قابلة للتفسير، ومن هنا فقد استخدمت في تسعينات القرن الماضي كمبرر للسياسة الخارجية الامريكية ودعت الي استخدام القوة وقادت بشكل منطقي الي حرب العراق. المحمل الاخر الذي يأخذه فوكوياما علي الحركة انها اصبحت الان مرتبطة بشكل او بآخر بسياسات الرئيس الامريكي جورج بوش. ويعتقد فوكوياما ان ادارة بوش كانت مخطئة في توجهاتها خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية ويقدم في النهاية بدائل اكثر واقعية منها استخدام القوة اللينة كوسيلة لادارة السياسة الخارجية واحياء مبادئ اخري تربط امريكا بالعالم اكثر مما تبعدها عنه. الكتاب قبل كل هذا هو عن السجال بينه وبين كروثامر، الذي يعتقد ان اراءه القيامية بالنسبة للعالم الاسلامي ليست صحيحة. واحدة من الطرق التي يمكن من خلالها فحص فكر المحافظين الجدد هي العودة الي ردود الفعل التي قامت بها ادارة بوش علي هجمات ايلول (سبتمبر) 2001 حيث اتخذت عددا من الاجراءات الامنية الواسعة، بما فيها استحداث وزارة للامن القومي، وتطبيق حر وواسع لقانون الوطنية، والكاتب وان تفهم رد فعل الادارة واعتبرها ضرورية الا ان التحول في فكر الادارة والمحافظين الجدد من الحرب علي الارهاب لدعم تغيير النظام في العراق يعتبر من المناطق التي تظل مفتوحة للجدال خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار ان معظم المحافظين الجدد دعموا الحرب علي العراق. وهنا يتساءل فوكوياما عن ادارة بوش وعلاقتها بالمحافظين الجدد، ويقول ان هناك عدداً كبيراً من الادلة تشير الي اثر هذا التيار علي الادارة ولدينا الان ادبيات واسعة خلفتها الادارة منذ انتخاب بوش 2000 حتي الغزو عام 2003 وتشير الي اثر المحافظين الجدد، خاصة ان هؤلاء يدعون منذ فترة لتغيير النظام في العراق، وخطابات بوش في ويست بوينت في 2000 و 2003 والاستراتيجية الوطنية للولايات المتحدة كلها تعبر عن اثر المحافظين وتقود الباحث للاستنتاج بأن ادارة بوش تنتمي لهذا التيار او علي الاقل تستلهم الكثير من افكارها منهم. طبعا وان واعترف فوكوياما بأثر المحافظين الجدد علي ادارة بوش الا انه يري ان العلاقة بين الطرفين كانت محلا للكثير من المبالغة، ونظرا لاننا لا نملك الكثير من الادلة او الادبيات عن الشخصيات اللاعبة في ادارة بوش الحالية، وبانتظار كتابة مذكراتهم فاننا لا نعرف حجم تأثرهم او اندماجهم بفكر المحافظين الجدد، مشيرا الي ان ديك تشيني، نائب بوش والرئيس نفسه اضافة لوزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد لم يعرف عنهم انتماء لمعسكر المحافظين الجدد. يريد فوكوياما ان يؤكد لنا ان فكر المحافظين الجدد الذي يعود لاربعينات القرن الماضي ليس فكرا واحدا ولا يفهم ضمن اطار خطي مستقيم بل هو ظاهرة متنوعة ومعقدة ما يجمع افرادها عدد من الافكار المركزية: الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الانسان، الاهتمام بالطريقة التي تعمل فيها السياسات الداخلية للدول، الاعتراف بامكانية استخدام امريكا لاغراض اخلاقية التسيد الخيري ، الايمان بالحروب الاستباقية وبان امريكا دولة ذات خصوصية واستثناء، ونظرا لذلك فالمحافظون الجدد يحملون نوعا من الشك والاحتقار احيانا للقانون الدولي ويشكون بقدرته علي حل المشاكل الدولية ذات الطابع الامني، واخيرا فان تيار المحافظين الجدد يؤمن بأن سياسات الهندسة الاجتماعية الطامحة قد تقود الي نتائج غير محمودة او متوقعة. بناء علي هذا يعتقد فوكوياما ان افكار المحافظين الجدد وبناء علي الاطار النظري تظل مقبولة حتي من دعاة الواقعية في السياسة الخارجية مثل هنري كيسنجر واتباعه، وعليه يشير الي ان محاكمة تيار اليمين المحافظ هذا يجب ان لا تتم بناء علي المنظومة الفكرية التي قام عليها بل علي الاخطاء الاستراتيجية واخطاء التطبيق. وهو ما يحاول فوكوياما خلال معظم صفحات الكتاب تقديمه لنا.اتجاهات أربعة للسياسة الخارجيةفكر المحافظين الجدد هو واحد من اربعة اتجاهات في السياسة الخارجية الامريكية، الواقعيين الممثلين بمدرسة هنري كيسنجر في احترام القوة، وعدم الاهتمام بالتصرفات الداخلية للانظمة. الاتجاه الثاني المعروفون باسم الجاكسونيون القوميون ، وهم الذين يعبرون عن سياسات العزلة داخل حدود امريكا، وهؤلاء تحالفوا مع المحافظين الجدد لاسباب مختلفة لغزو العراق. اما الاتجاه الرابع فهو الواقعية الولسونية، التي تختلف عن واقعية كيسنجر حيث تأخذ بجدية دخول امريكا في داخل الدول، وتعترف ان الدول الضعيفة او الفاشلة هي مصدر لعدم الاستقرار في العالم، وعلي خلاف المحافظين الجدد فهي تتعامل بجدية مع مؤسسات المجتمع الدولي. يقدم فوكوياما، نسخة شبه رسمية عن تاريخ المحافظين الجدد، فهو يقول ان هذه الكلمة اصبحت تستخدم مرادفا لكلمة يهودي، وبعد المشاكل التي واجهتها امريكا في العراق تعرض هذا الفكر لهجوم شديد، لدرجة ان بعض انصار الفكر قاموا بانكار وجوده. ومع اعترافه بأن فكر المحافظين هو ما عبر عنه مثقفون يهود كانوا يلتقون في كلية جامعية في نيويورك الا انه يجب التعامل مع هذا الفكر بناء علي اصوله النظرية التي يري انها نتاج لتقاليد فكرية امريكية متنوعة، ويدعو فوكوياما ايضا الحكم علي هذا الفكر من خلال منظومته وليس هوية الاشخاص الذين دافعوا عنه الاثنية او الدينية. وفي الوقت الذي قدم فيه كل من إيرفينغ كريستول، ونورمان بودهوريتز روايته عن المحافظين الجدد، وهناك كتابات يري فوكوياما ان بعضها متحيز، ومليء بالاخطاء، والغريب ان احسن كتاب عن فكر هذه الجماعة هو الفرنسي الين فرانشون. تاريخ الجماعة يعود الي سنوات الثلاثينات وبداية الاربعينات عندما كانت مجموعة من الطلاب والمثقفين اليهود تجتمع في سيتي كوليج في نيويورك، ومنهم إيرفينغ كريستول، دانيال بيل، إيرفينغ هاد، سيمون مارتن، فيليب سيلزتك وناثان غليزر، وانضم اليهم لاحقا دانيال باتريك مونيهام. وكل هؤلاء يعودون الي عائلات عمال مهاجرين، ودرسوا في سيتي كوليج لان جامعات النخبة في كولومبيا وهارفارد اغلقت في وجوههم. اهم ملمح في افكار ونقاشات الجماعة هي يساريتها، ولكن هذه الشيوعية هي التي تدعم الاتجاه التروتسكي ضد الاتجاه الستاليني، فهي كانت معادية للشيوعية الرسمية كما كانت تكره الليبراليين الذين يتعاطفون مع الشيوعية. ولكن عداء هذا الفريق للشيوعية يختلف عن التيار اليميني المحافظ في امريكا للشيوعية. كانت النقاشات تدور رحاها علي صفحات المجلة التقدمية المعروفة بارتيسان ريفيو ، و كومنتري التي حولت اتجاهها وصارت واحدة من اهم ابواب اليمين المحافظ.المرحلة الثانية في فكر المحافظين الجدد تبدأ في الستينات عندما قام إيرفينغ كريستول ودانيال بيل بانشاء مجلة بابليك انتريست عام 1965، في فترة انشاء الصحيفة، كان الجو السياسي الامريكي قد تغير، بفعل حرب فيتنام ومعارضة اليسار لها، وبسبب الانجازات التي حققتها جماعة الحريات المدنية، فيما حدثت تغييرات داخل اليسار القديم، حيث ولد تيار يساري جديد عبر عنه توم هايدين، وشهدت فترة حكم ليندون جونسون محاولات لتعزيز الهندسة الاجتماعية، وكذلك الاعجاب بدولة الرعاية الاجتماعية في اوروبا ومحاولة تقليدها. وفي الوقت الذي كان فيه محافظو الجيل الاول منشغلين بالحرب ضد الستالينية، كان محافظو الجيل الثاني منشغلين بمحاربة الثقافة المضادة واليسار الجديد، فمعارضة حرب فيتنام ادت الي تعاطف اليسار مع عدد من الانظمة اليسارية في كوبا، وهانوي. وعليه حاولت المجلة الاولي بابليك انتريست الاهتمام بالقضايا المحلية، وفي وقت لاحق سيعلن كريستول عن ولادة مجلة اخري هي ناشونال انتريست اهتمامها واتجاهها كان السياسة الخارجية. ضمن هذا السياق تحضر شخصية ليو شتراوس، الفيلسوف اليهودي الذي كان يعمل مدرسا في جامعة شيكاغو، والذي ينسب اليه فكر الجماعة، هنا فوكوياما يقول ان الكثير من الكلام الزائف قيل عن شتراوس، وما يجعل الاخير بعيدا عن العراق ان ايا من تلامذته لم يكن في الادارة الامريكية، قبل واثناء غزو العراق. ومربط الفرس في علاقة شتراوس بالحرب هي ان بول وولفويتز، الذي عمل نائبا لوزير الدفاع درس سابقا ولفترة قصيرة علي يدي شتراوس كما كان تلميذا لتلميذ شتراوس، الان بلوم. وحتي هذا فوولفويتز لم يكن ينظر لنفسه باعتباره احد اتباع شتراوس. والاخير بحسب تحليل لم يكن مشغولا بالايديولوجيا ولكن بنقد الفلسفة الحديثة، خاصة فلسفة نيتشه وهايدغر، ودعا تلامذته لدراسة الفلسفة الكلاسيكية، وانشغل شتراوس بكتابة التعليقات والشروح علي اعمال الفلاسفة القدماء مثل ارسطو، وافلاطون، والفارابي، وفلسفة موسي بن ميمون. في الاتجاه العام، كان الموقف السياسي لشتراوس يتركز علي معاداته للشيوعية والفاشية وايمانه بالليبرالية الديمقراطية. وما غرسه شتراوس في عقول طلابه وهو الرغبة في دراسة وفهم تقاليد الفلسفة الغربية. هذا عن شتراوس الفيلسوف والمفكر وليس الايديولوجي، ولكن كيف وصل شتراوس الي العراق، هنا مشكلة في التفسير، اي ان تلاميذ تلاميذه، او الجيل الثاني من تلامذته بدأوا بالتعامل مع فكر شتراوس كنوع من الكليشيهات والشعارات بدلا من البحث فيها باعتبارها تعبيراً عن التحقيق الفلسفي.النقلة الكبري النقلة الاولي في فكر شتراوس، ومحاولة ادخال افكاره في السياسة الخارجية جاءت علي يد الان بلوم، صاحب كتاب اغلاق عقل امريكا ، وهو الكتاب الذي اشتهر عام 1987. تلميذ اخر لعب دورا في هذه النقلة كان هاري جافا. ليو شتراوس لم يقل ولو كلمة واحدة عن السياسة الخارجية الامريكية، ولكن تلامذته وتلامذة تلامذته حاولوا ترجمة افكاره لسياسات خارجية. هذا لا ينطبق اساسا علي البرت ولستير، مدرس وولفويتز وزلماي خليل زاد، هولستير، كان استاذ رياضيات وعمل في مؤسسة راند، ايام عزها في الخمسينات من القرن الماضي. ومن هنا فهولستير، وولفويتز، وريتشارد بيرل وحلفاؤهم السياسيون كانوا وراء تحويل عدد من المفاهيم الي سياسة خارجية.تحول اخر، جاء عندما انضم احد اباء المحافظين الجدد، إيرفينغ كريستول، الي معسكر ريغان وثورته. بعد جيل كريستول الاب، جاء ويليام كريستول وروبرت كاغان في التسيعنات اللذان دعيا الي احياء الريغانية، تحت اسم الريغانية الجديدة ، وكانا وراء فكرة نشر الديمقراطية والتدخل العسكري. وقد ساهم كاغان في صياغة افكار من هذا النوع، عبر مجلة ويكلي ستاندرد التي صارت المتحدث الرسمي باسم اليمين المحافظ. محاولات كريستول وكاغان بدأت عام 1996 عندما كتبا مقالا في فورين افيرز وسع فيما بعد لكتاب التهديد الحاضر (2000). وجوهر الريغانية الجديدة، هي ولسونية حديثة ولكن بدون المؤسسات الدولية، كما تعتمد علي استخدام التفوق العسكري، والوقوف الي جانب الحلفاء وانشاء نظام دفاع من الصواريخ للرد علي هجمات يمكن ان تتعرض لها امريكا.فوكوياما يتهم ادارة بوش التي ذهبت للحرب متأثرة بطروحات المحافظين بانها اخطأت في التقدير وليس في المبادئ التي ساقتها لحرب العراق. وفي دعوته لاعادة النظر في استراتيجية الامن القومي التي حددت معالم الحرب الاستباقية واستثنائية امريكا يدعو لاعادة التفكير في خطر التهديد الاسلامي الذي لا ينبع من الدول ولا من الاسلام، متبنيا في هذا طروحات الباحثين الفرنسيين في شؤون الحركات الاسلامية، جيل كيبل واوليفر روي، حيث يقول ان طروحات بعض اليمين المحافظ تري ان التهديد نابع من الاسلام وهو تشخيص غير صحيح، لان الخطر لم يأت كما يقول من المؤمنين في المنطقة العربية بل من افراد مقطوعين عن ثقافتهم المحلية الاسلام يعيشون في اوروبا، ويحاولون بناء رؤية عالمية لاسلامهم من خلال ادلجته. المعضلة او التهديد الاسلامي لا تأتي إذن من تنوعات التيار الاسلامي ولكن من المهاجرين في الغرب، فالتهديد والتحدي يظلان اوروبيي الطابع وعلي اوروبا والحالة هذه التصدي للمشكلة. ومن هنا يري ان خطأ المحافظين الجدد الذين ارادوا فرض الديمقراطية في القوة غير عارفين اولا بطبيعة التعقيدات العراقية والتجربة البريطانية الاولي، اثناء استعمار بريطانيا لهذا البلد، كما ان المحافظين الجدد وتحديدا ادارة بوش لم تفهم ان نهاية الحرب الباردة ادت لولادة مراكز للحنق والغضب علي السياسة الامريكية في المنطقة العربية والاسلامية، ومن هنا فعندما اعلنت امريكا الحرب علي الارهاب، وقامت بحربين في العراق وافغانستان كرد علي هجمات ايلول (سبتمبر) 2001 كانت تناطح العالم الاسلامي. ومع اعترافه بأخطاء العراق، الا انه يدعو الي اعادة النظر بالسياسة الخارجية الامريكية، مشيرا الي ان مادلين اولبرايت كانت اكثر وعيا بدور امريكا من كوندوليزا رايس، التي تحاول تصحيح بعض الاخطاء، فاولبرايت قالت ان امريكا ودورها في العالم ينبع من قدرتها علي التفكير للامام. ومع خوفه من فشل امريكا في العراق وخروجها علي طريقة فيتنام الا انه يري ان قوة امريكا وان كانت ضرورية تحتاج الي شرعية، وهي التي فقدتها في العراق، خاصة ان العراق الان حل محل افغانستان كمركز جذب للناشطين الجهاديين علي غرار ابو مصعب الزرقاوي. إعادة النظر في استراتيجية الأمن القوميويري فوكوياما ان امريكا ما زالت تملك الفرصة لانشاء ديمقراطية يتسيدها الشيعة في العراق ولكن الحكومة التي ستنشأ ستظل ضعيفة وستعتمد علي الوجود الامريكي ولسنوات طويلة. يقول فوكوياما انه لو لم تغير امريكا النظام في العراق لاستمرت انتهاكات صدام حسين ولكن ممارسات الاخير لا تساوي الثمن الانساني الكبير، مقتل عشرات الالوف من العراقيين والامريكيين، كما ان انشغال امريكا في العراق حرفت انتباه امريكا عن مخاطر وتحديات اخري تواجهها في آسيا التي بدأت تقوم بانشاء مؤسساتها الاقليمية لاعتقادها ان امريكا لم تعد تهتم بها. واحد من آثار الفشل في العراق هو هزيمة مشروع المحافظين الجدد، والعودة الي الواقعية السياسية التي يدعو اليها كيسنجر واتباعه، وقد يؤدي الفشل الي انتصار التيار الانعزالي الذي يدعو لتحديد سلطة امريكا وطموحاتها في داخل حدودها. يعترف فوكوياما ان امريكا، بلد قوي، وضخم وغني، وما تحتاجه ليس العودة الي المفهوم الواقعي في السياسة الخارجية، ذي الاطار الضيق، ولكن المفهوم الذي يهتم بشؤون الدول، وما يجري فيها من ممارسات، ومحاولة تغيير اساليب وتصرفات الانظمة من خلال ما يعتقد انه القوة اللينة اي بناء مؤسسات الديمقراطية وادامة عملها. العالم اليوم فيه دول ديمقراطية اكثر من الماضي، وما تحتاجه امريكا طول نفس وصبر علي تغيير الانظمة بالاسلوب اللين. ويدعو في هذا الاتجاه لتعديل استراتيجية الامن القومي التي تعتمد علي الحروب الاستباقية والتبشير بالديمقراطية بحد السيف، حيث يقول ان السياسة الخارجية الامريكية بحاجة لنزع السلاح عنها ، كما يجب التوقف عن خطاب الحرب العالمية الرابعة وبلاغته، فامريكا وهي تقاتل علي جبهتين في العراق وافغانستان، ومقاتلين اسلاميين جهاديين عالميين عندما تضع هذه الحرب علي قدر الحروب العالمية الاخري، والحرب الباردة فانها تضع نفسها في مواجهة مع العالم الاسلامي. امريكا مدعوة الي نشر وتعزيز التطور السياسي والديمقراطي، ويجب ان تنتبه لما يحدث في الدول من ممارسات، اي علي امريكا ان تقود بالمثال وليس بالعصا. مع تأييده لنشر الديمقراطية في العالم العربي الا ان فوكوياما يري ان امريكا تعاني من ازمة مصداقية في هذه البلدان، فصورتها ليست مرتبطة في اذهان الجماهير العربية بتمثال الحرية ولكن بانتهاكات ابو غريب. وهنا يقول ان النموذج التاريخي الذي يهدي امريكا في حفاظها علي سلطتها العالمية ليس المدخل الواقعي الذي يمثله الامير النمساوي ميترنيخ ولكن المثال الالماني، المتمثل ببسمارك الذي خاض حربين لتوحيد المانيا وعزز دورها السيادي في اوروبا ولكنه انتبه الي ان دور المانيا بعد الوحدة هو تقديم رسائل تطمينية لجيرانه الخائفين او الحاسدين لقوة المانيا. وبالمقارنة مع النموذج الالماني فان تصرفات امريكا قربت الخطوات بين دول لا تثق ببعضها البعض، فرنسا والمانيا، كما ان هوغو شافيز في امريكا اللاتينية، يستخدم اموال النفط من اجل بناء تحالف مع الدول اللاتينية لمواجهة النموذج الامريكي او الغطرسة الامريكية. يعتقد فوكوياما ان الطريقة الوحيدة التي تمارس فيها امريكا تأثيرها علي العالم ليست من خلال القوة العسكرية ولكن عبر قدرتها علي تشكيل واعادة تشكيل المؤسسات العالمية. وضمن هذا السياق يطرح علاقة امريكا مع مؤسسات المجتمع الدولي، خاصة الامم المتحدة، وهي المؤسسة التي لا يكن لها المحافظون الجدد اي احترام، وحرب العراق اثبتت فشلها، فهي لم تمنع احتلال البلد ولم تمنع امريكا من القيام بمغامرتها. يري فوكوياما ان مؤسسة الامم المتحدة في ظل عالمنا المتشابك لم تعد تصلح لقيادة العالم والتأثير علي احداثه وحماية امنه، لسبب بسيط انها تتعامل مع دولة ذات سيادة ولا تهتم بتصرفات او سجلات هذه الدول في مجال حقوق الانسان، ولكن العالم الجديد، ادي لولادة قوي اخري غير الدول السيادية وما يحتاجه الي مؤسسات متعددة مؤسسات دولية متعددة ـ متعددة تتشابك وتتلاقي في اهدافها واعمالها وتؤدي اعمالها، وهو لا يدعو في الوقت الحالي لالغاء او تهميش الامم المتحدة ولكن لولادة مؤسسات دولية اخري تساعد وتسهم في حل مشاكل العالم. فوكوياما يحدد إذن معالم سياسة جديدة لامريكا تقوم علي التأكيد علي تفوق امريكا ولكن من خلال الاقناع والتطوير، ويدرس امكانيات وحالات انشغلت امريكا فيها بتغيير الانظمة واشاعة الديمقراطية، ملمحا الي قصور التجربة التي لم تكن مكتملة او اكدت علي هذا الجانب او ذاك، ومشيرا الي الدور الذي لعبته امريكا في عدد من التغييرات في دول الاتحاد السوفييتي السابق، خاصة اوكرانيا وجورجيا، حيث قامت بمد المعارضة بالمال، والسلاح الاعلامي لمواجهة الانظمة السابقة. فوكوياما كان حذرا في بداية كتابه للتأكيد علي انه ليس مرتدا علي افكار اليمين المحافظ وخلافه يكمن في الطريقة التي تحولت فيها افكار هذا التيار، خاصة علي ايدي الجيل الثاني والثالث، فهو وان اقتنع بحيثيات الفكر الاولي واسسه الا أنه ينكر علي الاجيال اللاحقة الانحراف في الممارسة. كما يعيد التركيز علي مجالات واتجاهات لها علاقة بالفكر هذا، خاصة الحرب علي الارهاب التي يعتقد ان ساحتها الاساسية ستكون اوروبا وليس العالم الاسلامي، لان الفكر الجهادي هو منتج لثقافة التهميش والضياع في الميتربول الاوروبي الكبير، فالحديث والحالة هذه عن حرب علي الارهاب دولية الطابع قطبها الان في العراق مضلل. اهمية الكتاب إذن في تحليله لمكامن القصور في السياسة الخارجية، وما قدمه من معلومات عن تيار المحافظين الجدد ليس فيه اضافة جديدة، سوي عرضه السياق التاريخي للكيفية التي تطور فيها هذا الفكر، وكيف تداخل فيما بعد خاصة في حقبتي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. عن المؤلف:فرانسيس فوكوياما استاذ كرسي بيرنارد شوارتز للاقتصاد الدولي، ومدير برنامج دراسات التنمية الدولية، في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة، في جامـــــعة جون هوبكنز، ومؤلف الكتاب الشهير نهاية التاريخ والانسان الاخير ، الذي حاز علي جائزة كتاب لوس انجلــيس تايمز .America at the Cro RoadDemocracy, Power and the Neoconservative LegacyBy:Francis FukuyamaYale Univsersity PreNew Heaven and London/20067

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية