فرجينيا وولف… الكلب فلاش وذوق التاريخ

ترجمة: عبدالله الحيمر
حجم الخط
5

منذ الطفولة، أصبحت فرجينيا وولف على يقين واحد: فهي سوف تصبح كاتبة في عالم الكتاب. في سن 24، كان التردد الوحيد الذي يتلبسها: هل ستكون مؤرخة أو ناقدة أدبيةً أو روائية؟ أعمالها الروائية لم تحسم في الأمر. التاريخ يغذي رواياتها المجمعة في ستة مجلدات، رسائلها المجمعة في العديد من الكتب، صحفها، ناهيك عن عملها الرومانسي.
الانفصال عن التاريخ كان بمثابة نوع من الرفض لمسيرة والدها الفكرية ليزلي ستيفن، الذي منحها «حرية الوصول إلى مكتبته التاريخية بأكملها». لا يوجد أي عصر غير معروف للمرأة الشابة: لقد قرأت المؤرخين العظماء في العصور القديمة، ماثيو أرنولد، وإدوارد جيبون، وتوماس ماكولاي. ليس لديها متعة أكبر من «العودة إلى الوراء ثلاثة أو أربعة قرون والانزلاق، على الأقل في الخيال، إلى جدلية العقل الإليزابيثي».
تثبت السيرة الذاتية أنها مجال استكشاف للروائية المحبة للتاريخ، الذي لا يزال – مؤلف معجم السيرة الوطنية؛ مهد لها الطريق. وقام آخرون، مثل أصدقائه ليتون ستراشي ( Lytton Strachey) أو هارولد نيكولسون (Harold Nicolson) بتحديث هذا النوع من الأبحاث. بعد ثلاثة عشر عاما من نشر روايتها الأولى، «رحلة الخروج» (1915) مستوحاة من حبها للشاعرة فيتا ساكفيل ويست
( Vita Sackville West) ونشرت سيرتها الذاتية الخيالية في عام 1928: «أورلاندو».. تروي هذه الرواية المشكلة بمعمار فسيفسائي، تتحدى المكان والزمان لأكثر من ثلاثمئة عام (من عهد إليزابيث الأولى حتى عام 1928) مغامرات أورلاندو، بالتناوب بين الذكور والإناث.
في عام 1933، كررت فيرجينيا وولف تجربة السيرة الذاتية مع «فلاش». إنها تستحوذ على جزء لا بأس فيه من المكونات، التي جعلت قصة أورلاندو ناجحة للغاية: قصة حياة كتبت في ماض انقضى، أهمية علم الأنساب، الشعور بالسخرية. الشعور بالانحراف أكبر في رواية» فلاش «Flush» لم يعد البطل ينتقل من نوع إلى آخر، من قرن إلى آخر. إنه كلب (القصة مغطاة بهذا التناقض المزعج. إن الطموح في إخبار العالم من وجهة نظر الكلب، تقوضه بشكل منهجي حقيقة أن هذا الكلب ليس كلبا في الحقيقة). لا يزال يطرح مسألة الجنس والهوية والخلافة. على خلفية العصر الفيكتوري، يعتمد المجتمع على تناقضات قوية. إنه يضع البشر في مواجهة الحيوانات، والنساء ضد بعضهن بعضاً، والمرأة ضد الرجل، والمثقفين البرجوازيين في الأحياء الفقيرة في أعماق لندن.

تعتمد الروائية على مراسلات من روبرت براوننج وخطيبته، وتذهب إلى الميدان للتحقق من عدد الطوابق وفحص مقبض الباب في منزل إليزابيث باريت.

وهكذا فإن ليلي ويلسون، الموظفة المتواضعة لسيدة الكلب فلاش، الشاعرة إليزابيث باريت براوننج (1806-1861) هي «نموذجية للجيش الهائل من زملائها – الخادمات غير المشفرات، الصامتات، غير المرئيّات في غرف التاريخ.». ما نعرفه عنها هو القليل الذي أنزلته فرجينيا وولف المعروفة بتكبرها في ملاحظة طويلة، لكن أليس من الأفضل ان تظهر أن هؤلاء النساء المتواضعات ليس لهن وجود؟ تبرز نعومة وظلام المنزل الذي تعيش فيه إليزابيث باريت منعزلة في مواجهة عالم الرجال. يرمز إليه والد إليزابيث، بشخصية السلطة، من قبل روبرت براوننج، الزوج، وأخيراً النصابون الصغار. سيكون فلاش هو الضحية. حادثة واحدة في حياته هي في الواقع رمز للزمن: اختطافه. في عهد الملكة فيكتوريا (1837-1901) كانت عمليات خطف الكلاب شائعة… مقابل فدية بالجنيه الاسترليني.
في لندن، في عام 1846هناك هاوية تفصل بين الأحياء الراقية؛ وحي وايت تشابل، جحيم الفقر والتيفوس والكوليرا، حيث يوجد الكلب فلاش بقبضة سارقيه. ووعد قانون سرقة الكلاب لعام 1845 بمعاقبة لصوص الكلاب، لكن «الشرطة لا تستطيع أن تفعل شيئا» ضد «مدينة البؤس» التي تم تركيبها لفترة طويلة جدا على هذا الشكل. إن السيناريو غير ثابت: بمجرد أن فقدت سيدة من شارع ويمبول Wimpole Street كلبها تحدثت إلى السيد تايلور «السياج»؛ وقال ادفعي الثمن؛ وإلا بخلاف ذلك، سيتم تسليمك رزمة معبأة في الورق إلى شارع ويمبول بعد بضعة أيام تحتوي على رأس الكلب وساقيه. «قدرت الفدية في البداية بعشرة جنيهات، أي ما يعادل مرتب ليلي ويلسون لمدة سنة واحدة، وبلغت الفدية أكثر قليلا من ستة، ودفعت من جانب الشاعرة. كان العمل مربحا للمحتالين المحترفين؛ وكان منسجما مع عاطفة السادة تجاه حيواناتهم الأليفة. من الناحية الأيديولوجية، انتهكت الملكية البورجوازية والأمن الداخلي.
برواية «فلاش» التي كتبتها وهي في الخمسين: «لقد كنت متعبة جدا لدرجة أنني كنت قد تمددت في الحديقة لقراءة حروف «الحب» براوننج (Brownings) وشخصية كلبهم جعلتني أضحك لدرجة أنني لم أستطيع مقاومة الرغبة في خلق «حياة». تعطي وولف رؤيتها الخاصة للزمن، مع ربطه بالتفاصيل الحقيقية والتخيلات والنوايا الساخرة. وهكذا، فإن «دقة المواعدة تخفي حقيقة أن فلاش كان ثلاث مرات ضحية اختطاف من أجل فدية». تعتمد الروائية على مراسلات من روبرت براوننج وخطيبته، وتذهب إلى الميدان للتحقق من عدد الطوابق وفحص مقبض الباب في منزل إليزابيث باريت. تم تصميم التسلسل الهرمي للحيوانات على غرار التقسيم البشري إلى طبقات اجتماعية: كما نرى في السلسلة البريطانية Downton Abbey» أو Upstairs، Downstairs، حيث يعمل الخدم ويعيشون في الطوابق السفلية لمنازل أسيادهم، والحيوانات الأليفة تنزل إلى الطابق السفلي، دون طوق، بينما ينطلق فلاش في التلال المرتفعة بقيد في عنقه. هذا العالم المزدوج هو ملاذ وسجن. بناءً على الحقائق الحقيقية، فإن رواية «فلاش» مع ذلك هي حكاية هزلية عن المجتمع البشري. وحالة كوكر إسبانيل وحالة متجانسيها ترجع فقط إلى فرص الولادة لا غير. وقد أكسب هذا فلاش ما لا يحسد عليه بأنساب أورلاندو، التي يرقد أسلافه في سرداب، وتابوت مكدس على تابوت. باختصار، فلاش ليس كلبا عاديا (الرواية مبنية على تناقض النظر إلى العالم، هل هي من إنسان أو كلب، أو كلب إنساني؟). إنه صورة عصره: الفيكتوري حتى أطراف مخالبه.
لكن الأمر أكثر من ذلك. إنه يجسد اللحظات الأخيرة من عالم قديم والانتقال إلى مجتمع حداثي جديد، وزمن آخر، وفضاءات أخرى أيضا. الكلب فلاش Flush مع أسياده في إيطاليا، يعبر بالقطار أوروبا التي بدأت تدخل العصر الصناعي. رأت سيدته بدايات التحرر الهش للحداثة الصناعية في أوروبا. إنه شاهد على أحداث بقيت في محفوظات التاريخ الأوروبي. في إحدى ليالي عام 1847 حضر تظاهرة في فلورنسا، تكريما للبابا بيوس التاسع والدوق الأكبر ليوبولد من توسكانا، من أجل الإجراءات والتدابير الليبرالية التي اتخذوها للتو مثل، فابريس في واترلو في رواية ستندال «دير بارما». لا يفهم« فلاش» ما يجري حوله، يتثاءب، وبعيدا عن هذه التجمعات، يلاحق كلبة.

ترجمة بتصرف عن مجلة l’histoire الفرنسية
ميراي دوشين – عدد: 21/07/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية