فرج عبّو…الملفات المنسيّة من السيرة الذاتية

عندما عزمت شذى فرج عبو آل نعمان على توثيق سيرة أبيها الفنان فرج عبّو، عادت إلى ما ورثت عنه من أعمال فنية، وملفات ووثائق، فضلاً عن مئات الصور والذكريات، والمعلومات والدراسات المتوفرة في المكتبات والمراجع العراقية والعربية. وهي بذلك قدمت جهداً رائعاً ونبيلاً يحمل قدراً كبيراً من الوفاء النادر لأبيها الفنان والإنسان، ولمنجزه الفني الثّر عبر كتابها «فرج عبو.. الملفات المنسية من السيرة الذاتية» الصادر عن دار نشر سطور البغدادية عام 2024.
ولد فرج عبّو في الموصل عام 1921، كان والده صياداً ماهراً للنسور، ومقاتلاً في الحرب العالمية الأولى، كان عبّو خلال سنين طفولته ملتزماً بالذهاب إلى الكنيسة أيام الآحاد في ناحية «القوش»، يحضر الدروس الدينية، والفعاليات الثقافية ودروس اللغة السريانية، التي لم يتمكن منها في طفولته، على الرغم من إجادته لأربع لغات عالمية لاحقاً. تابع باهتمام الأعمال الفنية والرسوم والمنحوتات ذات الموضوعات الدينية على جدران الكنائس والأديرة، كانت البداية الأولى للدهشة والتعرف على الفن العالمي ومبدعيه، فتعرف على الفنان الإسباني الشهير موريللو 1618 ـ 1682 فنضجت ذائقته الفنية، وزاد شغفه ورغبته في استطلاع هذا العالم الفسيح. تخرج عبو من ابتدائية الطاهرة في الموصل، ثم التحق بمتوسطة الموصل، ثم ثانوية أربيل، شارك في أول معرض مع فنانين محترفين أمثال الفنان عاصم حافظ، الذي أصبح قدوة ومعلماً في حياة الطالب فرج الذي فاز بالمركز الأول.
انتقل عبّو إلى الإعدادية المركزية في بغداد وتخرج منها عام 1939، حينها تعرف على رواد الفن العراقي الأوائل ومنهم: فائق حسن، جواد سليم بعد عودتهما من الدراسة في أوروبا، وقام الفنان فائق في استضافته في منزله وتعرف عليه وأطلعه على أعماله، ونشأت بينهما صداقة متينة ومميزة امتدت لأواخر أيامه.
من المفارقات الجميلة أن أول تعيين له بعد تخرجه من الثانوية، كان في دائرة الأنواء الجوية في الديوانية، بيد أنه ترك العمل ليلتحق بالكادر التدريسي في ثانوية الحلة عام 1947 لتدريس مادة «الرسم»، قبل ذلك كان عبو إلى جانب الفنانين أكرم شكري وعيسى حنا، تقدموا لتشكيل تجمع تحت مسمى» جمعية الفنانين التشكيلية ومحبي الفن» وتمت الموافقة على ذلك عام 1941. فضلاً عن ذلك أحب فرج عبو التمثيل وأخرج عدداً من المسرحيات لشكسبير وموليير، كما مثّل فيهما، كما أنه جرّب كتابة القصة القصيرة. وكانت الموسيقى من أولى هواياته، مستمعاً للأسطوانات والأشرطة كطقس يومي يمارسه أثناء ممارسته الرسم.


درس الفن في جامعة حلوان المصرية 1947 ثم رجع إلى بغداد للتدريس في ثانوية الأعظمية لبضع سنوات، عاد بعدها لإكمال دراسته العليا في معاهد إيطاليا الفنية عام 1954. التحق بمعهد الفنون الجميلة مدرساً، وتوطدت علاقته بالفنان جواد سليم فانتمى إلى جماعة بغداد للفن الحديث.
يُعد فرج عبو واحدا من أبرز رواد الفن التشكيلي العراقي في القرن العشرين، ومن الشخصيات المحورية في تكوين ملامح الحداثة البصرية العراقية. جمع في أعماله بين التأصيل للهوية الحضارية العراقية والانفتاح على أساليب الفن الحديث الغربي، ما جعله رمزا للتجريب والانتماء في آن واحد. امتاز بأسلوب تعبيري حداثي، لكنه ارتكز على مرجعيات تراثية واضحة، لاسيما في استلهامه للعناصر البصرية المستمدة من الفنون الإسلامية والرافدينية، مثل الزخارف الهندسية، والألوان المستوحاة من بيئة العراق، خصوصا من الحياة الشعبية والأسواق المحلية.
لم يكن التراث لديه مجرد حنين إلى الماضي، بل كان وسيلة لإنتاج خطاب بصري معاصر ذي جذور محلية. كان دائم البحث عن صيغة فنية قادرة على تمثيل روح العراق من خلال تكوينات تشكيلية حديثة. فهو من أوائل الفنانين الذين تبنوا ضرورة المزج بين الأصالة والحداثة، بين المحلي والعالمي. أثبت عبّو دوره كفنان أكاديمي إلى جانب ممارسته الرسم كإبداع ولغة فنية جمالية، من خلال دوره كمؤسس لهذا الفن، ومشاركته الحيوية في تعميمه وتثبيته في الحياة الاجتماعية اليومية لبلده العراق، لما يحمله هذا اللون الفني من قيمة حضارية ومشاعر إنسانية عالية. بوصفه أستاذا أكاديميا، ترك أثرا بالغا على الحركة التشكيلية العراقية من خلال تدريسه وتأليفه، حيث ألّف كتبا ومقالات حول اللون، والهوية، وتحليل العمل الفني، وكتابه المهم «اللون في الفن».

يُحسب لفرج عبو جرأته في خوض التجارب الفنية، يجمع بين التقنيات الغربية والروح الشرقية، لكنه وقع في إشكالية التوفيق الصعب بين الشكل والمضمون. ففي بعض أعماله، تطغى الزخرفة على البُعد التعبيري، ما يجعل العمل قريبا من الزينة أكثر من كونه خطابا بصريا نقديا، لجأ إلى البساطة والبدائية في اللون، يرسم أحياناً بعفوية الطفل، وبعقلية ناضجة مدركة لما يفعله. ومع ذلك، فإن عبو يُعد من أوائل من اشتغلوا على مفهوم «الهوية البصرية» في الفن التشكيلي العراقي، وهو بذلك أسهم في تأسيس خطاب ثقافي بصري ظل حاضرا في أعمال الأجيال اللاحقة، خاصة أولئك الذين سعوا إلى محاكاة البيئة العراقية، لا كرمز، بل كمصدر بصري عضوي. يقول عنه الناقد جبرا إبراهيم جبرا: استمر فرج عبو في اتجاه كان محتوماً أن ينتهي بشكل ما بنوع من أنواع التجريد، لكن اقتحامه للون والشكل النقي منح عمله الطاقة والقوة، كل لوحة هي محاولة متجددة للتأقلم مع مزلج الضوء لجو معين. غير أن فرج عبو يفترض في التجريد سمة إنسانية خاصة، يمتلك فيه الفكرة الأساسية في أن للفن تمجيداً حسياً للحياة كما يقول الناقد عادل كامل.
يشكل فرج عبو علامة فارقة في مسار الفن التشكيلي العراقي الحديث، وقد أسهم بعمق في خلق توازن بين البحث الجمالي والانتماء الثقافي. وإلى اليوم، ما تزال أعماله تثير تساؤلات حول معنى الأصالة والحداثة، وحول الدور الذي يلعبه الفنان في إعادة تشكيل الوعي الجمعي من خلال اللون، الشكل، والموروث. اعتمد فرج عبو في تجربته الفنية على رؤية تقوم على تحليل اللون والفراغ والرمز كعناصر أساسية في العمل الفني، فكان يؤمن بأن اللوحة ليست محاكاة للواقع بقدر ما هي بناء تشكيلي ذي هوية وخصوصية. مزج بين خبرته الأكاديمية في إيطاليا وفهمه العميق للفن العربي والإسلامي والرافديني، استخدام اللون بوصفه كيانا تعبيريا مستقلا، وليس مجرّد أداة تلوين. ترك عبّو بصمة واضحة في تكوين ذائقة جديدة داخل الفن العراقي وتأسيس جيل من الفنانين التقدميين الذين تعاملوا مع التراث كأداة تفكيك لا تقديس. دمج النظرية بالممارسة، واستطاع أن يؤثر بعمق في جيل من الفنانين الذين أصبحوا لاحقا أسماء بارزة في الفن العراقي. حملوا روح التوازن بين الحداثة والهوية المحلية في تجاربهم.
لقد أغنى الفنان فرج عبو من خلال بحثه الشاق المدرسة البغدادية المعاصرة، وجماعة بغداد للفن الحديث بمعطياته الفنية، وكان مثالاً رائعاً لها في استلهام الموروث طيلة سنوات حياته التي انتهت في 5 مارس/آذار 1984.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية