صادفته ليلاً في ميدان التحرير، جذب عيني كأيقونة سحرية مُشعة وسط ضجيج الأصوات واليافطات، كان صامتاً لا يتكلم، ساهماً في سماء لا مرئية تخصه وحده ..
سنواته تجاوزت الستين عاماً، وعصاه تتحرك معه مثل صديق قديم طالت رفقته، يرتدي (بالطو) داكن اللون رهيف الشكل، يغطي جسده بالدفء كما تغطي عيناه مودة رجل طيب من زمن بعيد، على (البالطو) يضع لوحة بحجم جسده النحيف كله كاتباً عليها مطالب الثورة الوليدة والنبيلة، خطها بيده، وكأنه يخط أحلامه على الأرض وفي السماء، يتحرك في الميدان ومعه مطالبه، يتحرك كطائر نبيل يسير على الماء، ويسمو على جسده، ويرى الميدان كحلم يسكن في عينيه، يتحرك في خطوط مستقيمة ومحددة وواضحة، ويعلو بدفقات ثائر قديم، على كل الثائرين حوله .. أوقفته، وثبت عيني في عينيه، وبعد السلام والمودة، سألته عن مدينته، أجابني : بورسعيد، ارتجف قلبي في مرقده، ليس لأنني ابن نفس المدينة، وليس لأن الشيخ قطع مسافراً مائتى وعشرين كيلو متراً ليعلن ثورته، لكن لأن ذاكرة المدينة عادت إليها، وروحها الصلبة ردُت إلى أوصالها، روحها التي لمعت مع ضربة أول معاول الحفر في صحرائها الفضاء وخفتت مع تحولها إلى مدينة من الكرتون بعد انفتاح الرئيس السادات عام 1976، وماتت وتيبست خلال الثلاثة عقود التي مرت من حكم الرئيس السابق مبارك، وتحولت إلى جسد ميت لمدينة عريقة، بعد أن فقدت بوصلة المقاومة وغلبتها روح التشتت والاستهلاك ..
ولم أنس وقت وداعنا أن اسأله عن مكانه كي تجمعنا يوماً مظلة لقاء بيننا .. وغلبتني الأيام، ونسيت عم ‘طنطاوي’ في زحامها، حتى التقيت بأحد أصدقائي المقربين، وحدثني عن حديث جمعه بأيقونة ‘بورسعيد’ في ثورة يناير، حدثني عن أحد مقاتلي الفرقة 140 مظلات، الفرقة التي شاركت في حرب أكتوبر عام 1973، ولم يكن أيقونة الثورة في المدينة ومُجند الفرقة 140 مظلات إلا عم ‘محمد طنطاوي’ نفس الشخص التي علقت به عيني في بقعة الميدان الأثيرة، ومن لحظتها نقبت عنه، كمن ينقب عن أنشودة مفقودة يشتاق سماعها، أو عن لحظة مستحيلة غائبة في أيامنا الرتيبة، وبعد طول بحث، وجدته، وذهبت إليه في بيته، ذهبت إليه وقت صلاته، وانتظرته حتى يفرغ من نشيد محبته، رأيته في صلاته شيخاً كبيراً، يناجي الله من مقعده، ويصلي بإيماءات جسده وخلجات عينيه، فعادت لي صورته في ميدان التحرير، وصورته التي تخيلته عليها في الكتيبة 140 مظلات ..
وتحدثنا معاً، وعرفت أنه لم يكن له يوماً انتماءات سياسية، ولم يشارك من قبل في مظاهرة أو إحتجاج، وبكى بحرقة يوم رحيل جمال عبد الناصر مع جموع المصلين في مسجد ‘الرحمة’ أو مسجد ‘فاروق’، كما تعارف عليه الناس وقتها، بكى على حلمه الضائع، الذي اكتشف بعدها أنه مجرد سراب في صحراء مترامية، على حد تعبيره .. وانتظر ‘طنطاوي’ ثمانية وثلاثين عاماً حتى يصدح برأيه وبثورته، فالمقاتل الذي شهد حرب أكتوبر 1973، وحوصر مع المحاصرين في ثغرة الدفرسوار رأى بعينيه عربة الإمدادات إليهم يقودها جندي إسرائيلي، وسمع بأذنيه الرئيس السادات يعلن انتصاره، بينما هم محاصرون بسبب أخطائه القاتلة وتواطئه مع العدو، على حد إعتقاده .. وتأكدت ظنونه وهواجسه مع الأيام التي تلت المعركة، ومع الخطوات التي إتخذها السادات تجاه أعداء الأمس: أمريكا وإسرائيل .. وفى حديثه عن حرب أكتوبر شممت رائحة جيل بأكمله، جيل تعطر برائحة الوطن، وسقطت حبات عرقه على الضفة الشرقية من قناة السويس كقطرات مطر على زهرات صبار منسية، ورأيت فيه عبق سينما الراحل النبيل، عاطف الطيب، الذي لامس بصورته السينمائية وجع ذلك الجيل وتهرؤ أحلامه ..
وحدثني ‘طنطاوي’ عن الفريق ‘سعد الدين الشاذلي’ حديث المريد عن شيخه والحالم عن حلمه، فالمجند المقاتل في الفرقة 140 مظلات، رأى ‘ الشاذلي ‘ رأى العين، رآه يسبقه ركضاً في التدريبات، يسبقه رغم أن خمسة وعشرين عاماً تفرق بينهما في العمر، يسبقه وهو القائد الميداني المرموق، الذي أبى إلا أن يشارك جنوده في تدريباتهم، لا أن يتباعد مُتعالياً من وراء سواتر بينه وبينهم، رآه يقتص لمجند بسيط من قائده المتغطرس، بعد أن أهانه أمام زملائه دون تقدير لانسانيته .. حدثني عنه واصفاً إياه بالمخطط الفعلي لحرب أكتوبر، وصاحب (المآذن العالية )، الخريطة الفعلية التي عبرت بنا من وهدة هزيمة يونيو 1967 إلى تباشير نصر أكتوبر، التي لم تكتمل ..
ولم يكن غريباً أن يوقع ‘طنطاوي’ على لوحة مطالب الثورة التي حملها طوال أيام ثورة يناير على جسده، بتوقيع: أحد جنود سعد الدين الشاذلي، جنباً إلى جنب مع مواطن مصري ..
المدهش أنه تحول منذ اليوم الأول للمظاهرات إلى رمز وأيقونة، وتحديداً في نهار الثامن والعشرين من شهر يناير، حينما كتب أول لوحاته وخط عليها عبارة : ارحل GO OUT، ورفع عصاه، ودوى صوته هادراً مُطالباً بإسقاط النظام، ومن لحظتها حمله الجميع على الأكتاف، ليردد هتافاته من أعمق أعماق روحه، يرددها بدفقة ثمانية وثلاثين عاماً كاملة، قضاها حزيناً على نصر شارك فيه، ولم يشهد اكتماله .. ولا يمر يوم من أيام الثورة المصرية دون أن يحدد ‘طنطاوي’ مطالبه / مطالب الثورة، ويكتبها على لوحته، ويسير بها بين الناس، كمفكر يعرض أفكاره بين البشر، وحينما يتحقق أحد مطالبه، ما يلبث أن يضيف إليها جديداً ..
ويحتفظ ‘طنطاوي’ بمطالب الثورة منذ يومها الأول وحتى لحظتنا الراهنة، يحتفظ بها كأحب الذكريات إلى روحه، ويتذكر بدقة متناهية متى كتب كل مطلب من مطالب الثورة، ومتى وكيف تحقق، لأنه يشعر أنه والثورة حكاية واحدة، وتاريخ واحد، والثورة لديه لن تتوقف، ولن تخبو، حتى تصبح مصر مصرٍ أخرى، غير التي ألفناها طوال ستين عاماً منذ ثورة يوليو عام 1952 ..
ورغم أن ‘طنطاوي’ حمل لأيام طوال مطالب الثورة على جسده، لكنه لم يرفع يوماً مطلباً شخصياً أو فئوياً، وتجرد من همومه الضيقة، وحمل على جسده هموم الوطن، برغم حاجته وهو المقاتل السابق في حرب أكتوبر إلى علاج دوري للقلب بأحد مستشفيات القوات المسلحة ..
وشارك المقاتل الثائر في كل تظاهراته ابنته وابنه، ولم يتركاه لحظة واحدة، شاركاه خطوة بخطوة وحلم وراء حلم، وتحرك الثلاثة معاً ككتلة رفض واحدة، ولم يغيبوا يوماً عن ثورتهم أو عن حلمهم، حتى تحقق، ونبتت ملامحه وتفاصيله، ولن يترك الثلاثة حلمهم وثورتهم ؛ لأنها صارت جزءاً منهم، وصاروا جزءاً فيها..
هكذا كتبت متأثرا يأيام ثورة يناير الأولى، وقبل دخول الثورة مرحلتها الانتقالية الدامية بدءًا من فترة ‘المجلس العسكري’ وحتى ‘الاخوان المسلمين’، والتي غاب ‘طنطاوي’ عن المشهد فيها، غاب بوجهه النبيل الحانى وبعصاه التي يتكأ على أحلامها، بعدها سمعت من أطراف عديدة أنه يساند ‘الاخوان’ ويسير خلفهم، فغفرت له ضياع ثورته في واقع عبثي و مُلتبس، حتى التقيته من جديد يجلس أمام تمثال شيخه الآخر الفريق الشهيد ‘عبد المنعم رياض’ يجلس أمامه مستحضراً مصر التي يحلم بها، ومُعفراً بتراب صحراء أكتوبر التي سكنت روحه كقطرات مطر ندية، سألته عما سمعته، أجابني بصوت مقاتل قديم: لم أكن يوماً مع أحد، أنا ابن هذه الارض، وأحلامها مرسومة كالوشم على كف يدي، والأرض ما زالت ناضبة بعد طول تجريف، وليس لي غير إنتظار مجد نيلها من جديد، مثلما انتظرت من قبل ثمانية وثلاثين عاماً ..
من نصوص كتاب ‘رائحة الغياب’ الذي سيصدر قريباً عن دار شرقيات المصرية بالتعاون مع ‘آفاق’ الصندوق العربي للثقافة والفنون