فرصة تاريخية ثانية
د. علي محمد فخروفرصة تاريخية ثانية من بين أهم أحداث العام المنصرم ذلك الإرتفاع الكبير السريع في أسعار البترول مُّما ولُّّّّّّّّّّّّد دخلاً لدول الخليج خلال عام 2005 قدٍّر بحوالي نصف ترليون دولار.هذه ثروة هائلة تشير إلي أن منطقة الخليج من الوطن العربي ستدخل مرحلة جديدة من توفر الفائض المالي الضخم الذي يذكر بحقبة السًّبعينات من القرن الماضي عندما ارتفعت أسعار البترول ووفُّرت فائضاً مالياً مماثلاً.آنذاك أضاع العرب فرصة تاريخية لاستعمال تلك الثروة لإحداث تنمية مستدامة واقتصاد إنتاجي في منطقة الخليج من جهة ولمساعدة بقية مناطق الوطن العربي للخروج من أزمات بنيوية اقتصادية واجتماعية من جهة أخري. وبدلاً من ذلك تجمًّع القسم الأعظم من تلك الثروة في أياد قليلة ليستثمر في تنمية اقتصاد أمريكا وأوروبا، ثمًّ ليبذًّر في ترف حسٍّي فاضح أو في مغامرات عسكرية حمقاء أو في صرف ريعي لشراء الولاء لشرعيات غير ديمقراطية. وفيما عًّدا بناء بنية تحتيًّة معقولة في دول الخليج العربية ظل باقي الوطن العربي يرزح تحت الفقر والجهل والتخلف المتراكم.اليوم تطلُّ فرصة جديدة، لعلُّها ستكون الأخيرة، لاستعمال منطقي عادل لثروة البترول الجديدة علي المستويات الوطنية والقومية والإسلامية. في اعتقادي أننا سنحتاج لإعطاء الجوانب التالية أهمية قصوي:أولا: أخلاقياً ودينياً وأمنياً هناك ضرورة قصوي لاستثمار جزء من هذه الفوائض الهائلة في الأقطار العربية الأخري بدلاً من تركها تستجدي استثمارات الآخرين لتقع في الديون والإستغلال وتخضع لإملاءات مؤسسات دولية خاضعة لدول استعمارية معروفة. ليست الصدقة هي المطلوبة وإنما المنفعة المتبادلة. وفي جميع الأحوال فان كثيراً من أموال الخليج المودعة في بنوك أجنبية هي التي تستعمل لقروض استثمارية لدول عربية محتاجة. فأين المنطق في هذا العبث العربي الذي طال أمده؟ ومن قال أن الغنيُّ الساكن في محيط من الفقر والعوز يستطيع أن يأمن علي نفسه؟ وبالطبع فليس الحديث موجٌّه للفوائض الحكومية فقط وإنما موجه أيضاً للرأسمال الخليجي الخاص أيضاً.ثانيا: علي المستوي الوطني الخليجي آن الأوان أن يوضع جهد علمي وبحثي وإنتاجي لبناء اقتصاد في الحقول الجديدة. فهل يعقل أن ينجح بلد مثل الهند في أن يكون أحد البلدان المنتجة للمعرفة في حقول برامج الكمبيوتر والتواصل الأخري وتكتفي دول الخليج ببناء مجمعات لتأجيرها علي الشركات العالمية المنتجة لتلك البرامج؟ وهل سننتظر حتي ينفجر حقل البيوتكنولوجي بإمكانياته الهائلة في وجوهنا قبل أن نوليه جهداً مكثفاً للاستفادة من إنجازاته الاقتصادية والبشرية في حياة العرب؟ وفي الأسبوع الماضي كتبت عن أهمية إيلاء اهتمام لأبحاث الطاقة البديلة لأستمع بعد بضعة أيام للرئيس الفرنسي وهو يدشن برنامج بلده الطموح للتوسع في الطاقة الذريًّة استعداداً لإنتهاء حقبة البترول العالمية. فماذا نحن فاعلون في إقتصاد الطاقة البديلة في العقود القليلة القادمة؟ هذه أمثلة وغيرها كثير.الآن لدينا المال الكافي لعمل شيء ما في مثل تلك الحقول الجديدة بدلاً من استعمال ذلك المال في بناء مجمعات الدُّرر والدُّانات للمترفين من الداخل والخارج التي ستنعق الغربان فيها بعد نضرب البترول.ثالثا: وبالطبع هناك حاجة لإيجاد مؤسسات عالية الجودة والكفاءة إعداد القوي البشرية المحلية والعربية اللازمة لمثل ذلك الإقتصاد. وهذا سيحتاج لمال كثير.وبعد، ففي الماضي كان الخليج لايستثمر في بلاد العرب خوفاً من مصادرات الاشتراكيين ، ولايبني إقتصاداً حديثاً إنتاجياً لأنه مشغول ببناء البنيات التحتيًّة الأساسية، فأية أعذار ستكون عندنا في هذه المرة؟ إذا ضاعت هذه الفرصة فان ذلك سيكون مقدٍّمة لتهميش لبلاد وأمة العرب لقرون طويلة قادمة.9