تحمل التصريحات الأخيرة للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل دلالات عميقة، وتطرح العديد من الأسئلة عن الثقافة السياسية المعاصرة. في تبريرها لإجراءات العزل والإغلاق والتباعد الاجتماعي، وما تحمله من تقييد لحقوق المواطنين الأساسية، أكدت ميركل أن ما يحدث قد «فُرض على الديمقراطية»، وفي الوقت نفسه أبدت تمسّكها بالقيم الدستورية، خاصة المادة الأولى من الدستور الألماني، التي تتضمن الحفاظ على الكرامة الإنسانية.
اللافت في هذا التصريح اعتبار الديمقراطية نظاماً عاجزاً بحد ذاته عن مواجهة الضرورات، ما يجعل بالإمكان تعليق بعض الضمانات السياسية والقانونية الملموسة للتصدي للمهام السياسية والصحية الملحّة، وتبرير ذلك بمبدأ مجرّد، فوق ديمقراطي، وقابل بشدة للتأويل، هو «الكرامة الإنسانية». هذا التناقض بين ما هو ملموس ومجرّد يعطي حالة الاستثناء الحالية طابعاً خاصاً: السياسات الحيوية قادرة على اختزال الحياة الاجتماعية بضرورات البقاء، وفي الوقت نفسه تقديم هذا الاختزال بوصفه تجسيداً لقيمة عليا هي «الكرامة»، تحددها السلطة التنفيذية. ما يدفع للتساؤل عن قدرة مجتمعات، تخلّت عن جانب من حياتها السياسية والاجتماعية، على الدفاع عن كرامتها، والمشاركة في تحديد معناها في ما هو ملموس من إجراءات.
ميركل ليست زعيمة سياسية اعتيادية، كثيرون نصّبوها «زعيمة العالم الحر»، بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. كما أن التجربة الألمانية، في مواجهة انتشار فيروس كورونا، من أكثر التجارب نجاحاً، وحفاظاً على الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للمواطنين، ولذلك فإن هذه التصريحات ذات أهمية بالغة في صياغة الطرح النموذجي للأنظمة الديمقراطية المعاصرة، الذي قد يُبنى عليه في تحديد الممارسة الديمقراطية مستقبلاً.
وإذا وافقنا على أن الأزمة الحالية ستعيد تعريف كثير من مفاهيمنا السياسية والثقافية، فإن مفهوماً عن ديمقراطية تخضع لما يُفرض عليها، وعن قيم مجردة يمكن أن تعطّل الممارسة العينية للحريات، يجعل الحقوق الأساسية ترفاً يناله المواطنون في حالات الازدهار والاستقرار، ويمكن أن يُسحب منهم جزئياً أو كلياً عندما يصطدم بالضرورات والقيم. ما يخالف المفهوم الكلاسيكي للديمقراطية، بوصفها الإطار الأكثر كفاءة لإدارة الأزمات الكبرى، وتنظيم الممارسة اليومية للحقوق والحريات الأساسية، وتجسيد القيم الدستورية والأخلاقية. وهو مفهوم حاولت الدول الأكثر ديمقراطية الحفاظ عليه، ولو بشكل نظري، حتى أثناء الحرب العالمية الثانية. فكيف يمكننا تتبع جذور هذا التغيّر اللافت في فهم الديمقراطية في عصرنا؟
ثنائية الإنعاش الصناعي
يبدو الحديث عن «إجراءات مفروضة على الديمقراطية» قريباً جداً من أجواء نظرية المفكر الإيطالي جورجيو أغامبين، التي باتت كلاسيكية، عن «حالة الاستثناء» و«الحياة العارية». من جهته لم يفوّت أغامبين فرصة الإجراءات الاستثنائية الحالية للتنويع على نظريته. في مقالة نُشرت مؤخراً يربط اختزال الحياة الاجتماعية بضرورات البقاء بمبدأ الثنائية المترسخ في المسيحية والفلسفة الغربية الحديثة، أي الانقسام بين المادي والمجرّد، الجسد والروح. وهو مبدأ كرّسه الطب الحديث عن طريق تعميم مبدأ الإنعاش الصناعي، والتمييز بين «الموت السريري» والموت التام: يمكن للمعدات الطبية، مثل أجهزة التنفس الصناعي والتغذية عبر المحاليل الوريدية، أن تُبقي الجسد حياً بغياب تام للوعي، أو حتى في حالة الموت الدماغي. هكذا تستمر العمليات الحيوية الضرورية لبقاء الجسد، رغم انتفاء الإحساس والتفكير والرغبة، ويُصنف المريض حياً، أو «غير ميت» على الأقل. يمكن بالطريقة نفسها للسلطة الحيوية أن تعطّل معظم علاقات الجيرة والصداقة والمحبة، بما تحمله من قيم اجتماعية وأخلاقية وعاطفية، وتُبقي على الجسد الاجتماعي حياً، حتى لو كان في حالة «موت سريري»، نتيجة هذا التعطيل.
لحسن الحظ لم تصل الأوضاع في البلدان الديمقراطية إلى حالة استثناء نموذجية كالتي يخشى منها أغامبين، فالدول لم تستطع تطبيق التباعد الاجتماعي بشكل مطلق، أو حرمان البشر من الاعتراض والتعبير عن آرائهم.
إذا تجاوزنا الثنائية، التي ترى الجسد والروح منفصلين، فلا يمكن اعتبار مجتمعات تنازلت عن جوانب حياتها المتعددة مجتمعات حية، حتى لو نجحت الحكومات بتحقيق ضرورات البقاء الأساسية، كما لا يمكن اعتبار الحفاظ على الجسد الاجتماعي في حالة إنعاش صناعي إنجازاً. تقسيم الحياة الاجتماعية والسياسية إلى مستوى أساسي وضروري يتعلق بالبقاء بشكله العاري، وآخر ثانوي يمكن الاستغناء عنه في حالات الضرورة، أسلوب أساسي في عمل السلطة الحيوية: الأولوية لضبط عمليات إعادة إنتاج الحياة، مثل الولادات والوفيات ومعدّل الأعمار، أما الحقوق الأساسية فيمكن إلغاؤها عندما تعرقل هذه المهمة. وقد يكون هذا استمراراً للمبدأ الكنسي القديم، عندما كان «خلاص الأرواح» مُقدماً على صون الأجساد. ولكن بعد عكس الأولويات، وجعل الحفاظ على الأجساد الضرورة الأولى. بهذا المعنى فإن فهمنا لـ«الضرورة» مرتبط بتحديداتنا المعاصرة للموت والحياة والاستمرارية، ربما لو كان بالإمكان تجاوز المنظور الثنائي فستُعتبر الحقوق الأساسية، وما تتيحه من ضمانات سياسية وقانونية للحياة العامة والخيارات الفردية، ضرورةً لا يمكن فصلها أو تمييزها عن البقاء المادي للجسد، فـ»الحياة العارية»، المحرومة من كل حق إلا الاستمرار البيولوجي، ليست حالة طبيعية، بل هي ما يتبقى من الحياة الإنسانية بعد نزع السلطة، بشكل مصطنع، كل الضمانات عنها.
الألم المترف
يبني المنظور الثنائي جانباً من تصوراتنا عن الألم نفسه، عبر تقسيمه إلى ألم جسدي وآخر نفسي أو عاطفي، مع اختلاف في تقييم شدتهما ومدى المعاناة التي يخلّفانها. فبينما تركز بعض الأدبيات الرومانسية والدينية على «ألم الروح» الذي يزيد شدةً عن ألم الجسد، تؤكد النظرة، التي تحسب نفسها واقعية أو مادية، أن الألم الجسدي هو الألم الحقيقي، أما الحديث عن «ألم روحي» فما هو غالباً إلا بلاغة مترفة. يمكن رصد هذا التقسيم للألم في «التضحية» التي تفترضها إجراءات التباعد الاجتماعي: على البشر أن يتحمّلوا بعض الألم النفسي، الذي تسببه العزلة وانقطاع العلاقات الاجتماعية، في سبيل وقاية المجتمع من الآلام الجسدية الحقيقية التي يخلّفها الوباء. من منظور مادي واحدي، متجاوز للثنائية، لا يوجد ألم غير جسدي، يرجع لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو دراسة الأثر الجسدي للعنف الرمزي والثقافي، الذي قد يتعرّض له المرء في مختلف المواقف الاجتماعية: الإحساس بالإهانة والتجاهل والنبذ والعزلة، يخلّف اضطراباً وانقباضاً جسدياً، هو ما يجعلنا نختبر تجربة ما نسميه «ألماً نفسياً». أما شدة هذا الألم فتتعلق بمدى العنف الممارس بحق الأجساد، وليس بنوعية هذا العنف، سواء كان مادياً مباشراً أو رمزياً. تزايد حالات الانتحار في ظل «التباعد الاجتماعي» دليل جيد على صحة هذا المنظور، فـ»الألم المترف» له عوارض جسدية قد تؤدي للوفاة.
على المستوى السياسي من المفيد الرجوع لسبينوزا، أحد أهم فلاسفة الواحدية في التاريخ، لفهم المشكلة في «الضرورات» التي تفرض على الديمقراطية: انتهاك الحريات العامة، وما يرافقه من انفعالات سلبية، مثل الخوف والحزن والحقد، يؤثر سلباً على استمرارية الأجساد نفسها، أي الجهد الذي يبذله كل ما هو موجود لضمان بقائه، وإطلاق طاقاته ورغباته. لا يمكن لدولة تسلك بمقتضى العقل، حسب الفهم السبينوزي له، أن تحرم مواطنيها حقوقهم الأساسية، وتضمن استقرار نظامها العام في الآن ذاته، فالدافع للاستمرارية لدى البشر قد يتخذ حينها أشكالاً أقرب لـ«حال الطبيعة»، تحرّكه انفعالات سلبية، تُغرق المجتمع بأكمله في التناحر والشقاء.
تجسيد الكرامة
ربط تعليق جانب من الحقوق العامة بمفهوم مجرد عن «الكرامة الإنسانية» يذكّر بنقد جيل دولوز للمفهوم السائد عن حقوق الإنسان: اعتبار الحقوق أصولاً ومبادئ متعالية، تعبّر عنها الدولة، التي تصنّف نفسها «دولة الحق»، يجعلها تجريداً وعناوين عامة غير مجسّدة، تحتكر الدولة تأويلهــــا، ويمكــــن من خلالها تبرير أي ممارسة سلطوية. يدعو دولوز بدلاً من ذلك إلى ما يسميه «فقه الوقائع الملموسة»، أي عوضاً عن ربط التفاصيل الجزئية بمفاهيم شاملة عن الحقوق، يتعيّن إعادة تعريف وإبداع الحقوق نفسها مع كل حالة ملموسة. القانون وحقوق الإنسان غير موجودين بشكل قَبْلي، وكذلك الكرامة، ولكن مقاومة البشر للانتهاكات الملموسة التي يتعرضون لها هي ما يبدع الحقوق والكرامة.
لحسن الحظ لم تصل الأوضاع في البلدان الديمقراطية إلى حالة استثناء نموذجية كالتي يخشى منها أغامبين، فالدول لم تستطع تطبيق التباعد الاجتماعي بشكل مطلق، أو حرمان البشر من الاعتراض والتعبير عن آرائهم، وهنالك ميل لتخفيف أكثر الإجراءات صرامة بمجرد الانحسار الجزئي للوباء، وذلك ليس بسبب تمثيل «دولة الحق» للقيم المجردة، بل لأن المجتمع قادر على المقاومة، والضغط على الحكومات، والدفاع عن مصالحه. بهذا المعنى فالكرامة التي تحدثت عنها ميركل لم تتجسد في تعليق جانب من الحقوق الأساسية للمواطنين، بل في إعادة إنتاج المواطنين لحقوقهم، من خلال قدرتهم على مساءلة حكوماتهم، وتشككهم الدائم من جدوى حالة الاستثناء الحالية. يبقى أن التطبيع مع مفهوم «الفرض على الديمقراطية» قد يؤدي إلى فقدان البشر يوماً لهذه القدرة، ومن هنا تأتي أهمية نقد المنظور الثنائي لـ«زعيمة العالم الحر».
٭ كاتب من سوريا