فرقة ‘الثلاثي جبران’ تبدأ امسياتها الموسيقية في بريطانيا اليوم

حجم الخط
0

سمير جبران: سنفاجئ جمهورنا… ودرويش علمني ما لم تعلمه لي الجامعاتلندن – ‘القدس العربي’ – من حسام الدين محمد ولدت فرقة ‘الثلاثي جبران’ عام 2004 لتجمع بين اخوة ثلاثة يعزفون العود كل بطريقته وشخصيته، بحيث يتلقى المستمع لهم تجربة فريدة من نوعها يمتزج فيها الارتجال العميق الجذور في الموسيقى الكلاسيكية العربية باللفحات الساخنة لموسيقى الجاز والفلامنكو وغيرها.

سمير، الذي بدأ الرحلة مبكرا، سرعان ما تلقى معمودية النار الشعرية على يد الشاعر الراحل محمود درويش، التي ستؤثر في رحلة الثلاثي جميعا في ما بعد وتطبعها بطابع لا يمكن ان يفارقها.

ومن بيت بسيط لصنع الاعواد في الناصرة الى مسارح العالم وحتى مبنى البرلمان الاوروبي صنع الثلاثة ملحمتهم الموسيقية الخاصة ونقلوا وضعهم الجغرافي في خريطة الموسيقى من عازفين الى مؤلفين موسيقيين لأفلام واسطوانات تسجل ارقاما قياسية في المبيعات.

وبمناسبة رحلتهم الموسيقية التي تبدأ اليوم في بريطانيا ويقدمون خلالها عددا من الامسيات التقيت بمؤسس الفرقة والاخ الاكبر سمير وكان هذا الحوار:*تبدأون امسياتكم في بريطانيا اليوم، وكنتم قد اديتم حفلات في الكثير من المدن الاوروبية، كيف يتلقى الجمهور الاوروبي فرقة فلسطينية تعزف آلة غير معروفة كثيرا بالنسبة لديه، وما الذي يتوقعه منهم عادة، وما هي ردود الفعل التي تتلقونها؟* الجواب يفتح الكثير من المجال للكلام. يمكن ان تكون هذه اول مرة نأتي فيها الى لندن لكننا قمنا بجولتين سابقا في ويلز قبل ثلاث سنوات قدمنا فيها اكثر من 15 امسية ولكن هذه اول مرة في بريطانيا ككل وفي لندن نفسها. نحن نقيم منذ 6 سنين في فرنسا ونعتبر من اشهر الفرق ليس العربية فحسب ولكن من اشهر الفرق العالمية هناك. بالنسبة لكيفية استقبال الجمهور لفرقة فلسطينية فانني ارفض هذه التسمية. كنا سابقا نعرف بصفتنا موسيقيين فلسطينيين لكننا اشتغلنا كثيرا على ذاتنا ونجحنا في ان نرفع التعريف من كوننا موسيقيين فلسطينيين الى كوننا موسيقيين من فلسطين.

لقد سعينا جاهدين خلال الست سنوات الاخيرة لتأكيد هذا المفهوم. جمهورنا يستمع لموسيقى الثلاثي جبران التي نعتبرها موسيقى مؤلفة للعالم ككل، ومن خلال موسيقانا يدخل الى القضية والى الرسالة التي تتضمنها.

جمهورنا في اوروبا 80 بالمائة جمهور اوروبي و20 بالمائة جمهور عربي. لقد اقتنعنا باننا كي نؤثر في اوروبا والعالم فعلينا ان نخرج من قوقعة التعامل مع ذاتنا. يجب ان نؤثر في الغرب او على الاقل نعرفه بثقافتنا.

وبالمناسبة فقد وصلني اليوم ان امسية اوكسفورد بيعت تذاكرها كلها، وانتظر اخبارا مماثلة عن حفلة لندن.* ما هي الفكرة من تكوين فرقة من ثلاثة اخوة يعزفون العود؟* لم اقل لابي ان ينجب اخوين لي وان يعلمهما عزف العود مثلي، ولكنها ايضا ليست محض صدفة فالوالد صانع اعواد، ووسام هو اول طالب يتخرج من معهد انطونيو ستراديفاري وهو من ارقى المعاهد لصناعة الكمنجات والآلات الموسيقية في العالم، بل هو الطالب العربي الوحيد الذي تخرج من هذا المعهد.

وسام يعتبر حصيلة الجيل الرابع من صانعي الالات الموسيقية في عائلتنا، فوالدي هو الجيل الثالث في شجرة عائلة ممتدة من صانعي الاعواد.

مشواري مع اخي الثاني وسام بدأ عام 2002 حيث انجزنا معا اسطوانة ‘تماس’ وقد لاقت نجاحا كبيرا في فرنسا، وربما بسبب عنصر الغيرة الايجابية رأينا اخي الثالث عدنان يتحفز للانضمام الى هذا المشروع الناجح عام 2004 بحيث شكلنا الثلاثي جبران وقدمنا انجازنا الاول معا في اسطوانة ‘رندنة’. اما بالنسبة لاختيارنا لآلة العود، فالسبب يعود الى ان العود هو الاخ الذي يولد كل شهرين في البيت على يد والدي. العود هو الالة الاساسية في الموسيقى العربية.. هو آلة غنية جدا، وهو الاب الشرعي لآلة الغيتار. واذا تطور الغيتار ووصل الى ما وصله من العالمية فان العود يمكنه ان يصل الى العالمية نفسها. عمليا ليست هناك فرقة في العالم فيها ثلاث آلات عود، ولا اقصد هنا انه لا وجود لفرقة موسيقية في العالم تستخدم 3 او حتى 20 آلة عود، ولكنني اقصد ان فرقتنا تختلف لأننا لا نعزف اللحن نفسه كما تفعل الفرق الموسيقية عندما تستخدم اعدادا كبيرة من الآلات. نحن نقدم 3 آلات عود وكل واحد منها يعزف شخصيته. ثلاثة انغام وليس ثلاث آلات عود تعزف اللحن نفسه بصورة مكبرة. هناك حوار على المسرح. هناك شخصيات مختلفة، هناك تلاؤم وهناك ارتجال. طبعا سيكون معنا عازف ايقاع هو يوسف حبيش الذي انضم الينا في الالبوم ‘مجاز’ وهو الالبوم الاول للثلاث آلات عود الذي صدر نهاية 2007 واحتل لفترة سنتين المرتبة الاولى للمبيعات في فرنسا.

الثلاثي جبران اضافة الى الحفلات والالبومات التي نؤديها فقد اشتغلنا كثيرا على كتابة موسيقى لافلام، وهنا نرجع الى السؤال الاول حيث نؤكد ان تأثيرنا ليس نابعا من كوننا فلسطينيين بل من كوننا موسيقيين اولا، وبهذا المفهوم دخلنا الى الافلام العالمية.

لقد الفنا كل موسيقى فيلم ‘الرحلة الاخيرة’ الذي قامت ببطولته الممثلة ماريو كوتيار وهي الممثلة الفرنسية الوحيدة التي حازت جائزة اوسكار وهذا كان اكبر انتاج سينمائي اوروبي.* هل كانت آلة العود موجودة؟* كانت آلة العود موجودة بشكل اساسي ولكننا استعملنا الالات الغربية كالكمان وغيره.

قمنا ايضا بتأليف موسيقى ‘وداعا جيري’ وهو من انتاج فرنسي وحصلنا من خلاله على جائزة المهر العربي لافضل موسيقى افلام في مهرجان دبي للسينما.

من هنا لما اخذنا افضل موسيقى لافلام سينمائية في مهرجان لم يكن لفيلم فلسطيني ولكنه كان لفيلم فرنسي وكانت الموسيقى لفنانين من فلسطين، ومن هنا نفهم كيف ان مفهومنا جعلنا قادرين على خلق تأثير للثقافة العربية على الثقافة الغربية.*رافقتم لسنوات طويلة الشاعر الراحل محمود درويش، كيف اقتنع درويش، وهو الشاعر المتطلب والنزق احيانا، بمرافقتكم، وما هي خلاصة هذه التجربة؟* لن انسى لقائي الاول مع درويش كان في الجنوب الفرنسي عام 1996 ولا انسى توبيخه لي طالبا مني ان اقدم مقطوعات موسيقية قصيرة لا تتعدى 3 دقائق بين الفواصل الشعرية وليس خلال فترة ادائه الشعري، ولكني فوجئت في وسط الامسية بأن الشاعر بدأ بالقاء القصيدة في نفس الوقت الذي كنت انا اعزف فيه موسيقى.

هو بدأ بالقاء الشعر ولم اكن اعرف ان كان قد فعل ذلك ليجعلني اسكت ام ليجعلني اكمل، ولكنني احسست ان هناك كيمياء ما تتولد على خشبة المسرح وبعدها صرح محمود درويش بان الموسيقي الوحيد الذي يقرأ الموسيقى داخل النص الشعري هو سمير جبران، ومنذ عام 1996 حتى غادرنا درويش كنا الفرقة الاكثر تقديما له بـ32 امسية على مدار 12 عاما.

بدأت العلاقة مع درويش معي انا وحدي ثم صرنا نقوم بذلك انا ووسام عندما اصدرنا ‘تماس’ الذي يقوم على علاقة جدلية بين موسيقانا وديوان ‘سرير الغريبة’ لدرويش، وانتهت في امسيتين قدمهما درويش الاولى في رام الله قبل وفاته بشهر ثم في الامسية التي قام بها قبل وفاته باسبوعين وكان من غريب الصدف انها جرت في نفس المكان الاول الذي التقينا به في الجنوب الفرنسي وهذه كانت اخر امسية قدمها في حياته 14 تموز (يوليو) 2008، فكانت الحلقة التي اغلقت علاقتنا الفيزيائية بدرويش، لكنها لم تنه علاقة اعمالنا بأعماله.* اصدرتم العديد من الالبومات كيف تلخصون المرحلة بين البومكم الاول والاخير وما هي الفوارق بينها؟* هذه المسألة لها علاقة ايضا بمحمود درويش.

قبل ان اتعرف على محمود كان لدي هم التفسيرات التقنية للموسيقى وبعد ان عرفت درويش وتعايشنا معه عرفني ما معنى جملة موسيقية بيضاء مثلا، وعلمني الكثير من الاشياء الخطيرة التي لا يمكن ان اتعلمها في الجامعات او الاكاديميات الموسيقية.

قبل درويش لم اكن ارى وردة تتفتح من الموسيقى ولم اكن ارى البعد الثالث في الموسيقى. كنت دائم التنظير وكان يقول لي لا تنظر في الموسيقى ولا تتكلم عن الموسيقى فهي اجمل من الشعر لانها قابلة للتأويل. فمن هنا بدأت ايضا تسميات الاسطوانات التي نصدرها تأخذ منحى مجازيا وشعريا، وهذا بدأ باسطوانة مجاز وقد طلبت منه ان يكتب عن المجاز فقال لي اذا اردت ان اكتب عنه فسأكتب ديوانا لكنه قال باختصار المجاز هو ظل الكلام.

موسيقانا تسعى لتكون موسيقى مجازية وهو شيء يصعب وصفه او هو ظل الكلام.

من ضمن تأثير درويش الطاغي اصدرنا الالبوم الاخير لنا في ذكرى 40 درويش حيث قدمنا امسية اسميناها ‘ظل الكلام’ وهي تجدل موسيقانا مع كلام محمود درويش بتقنية خاصة يصدح خلالها صوت محمود درويش في المكان فيما نعزف. في العالم الغربي نقدمها مع شاشة تترجم ما يقوله محمود درويش الى الفرنسية والالمانية حيث قدمناها داخل البرلمان الاوروبي وكان هناك تكريم لمحمود درويش وقدمنا في بلدية باريس ايضا امسية تكريمية لمحمود درويش كما قدمت في عدة عواصم عربية وسوف نفاجئ الجمهور في بريطانيا بتقديم فقرة من هذه الامسية في كل كونسيرت في بريطانيا.* الفلسطيني مفهوم صعب بالنسبة لشعب مجزأ ومحتل ومشتت (فلسطينيو 48، فلسطينيو الشتات، فلسطينيو الضفة وغزة الخ…)، واذا اضفنا اليه كونكم متجولين بين بلدان العالم، فهل تحسون فعليا بشعور الانتماء لمكان والرغبة في الاقامة فيه وبالعلاقة بوطن؟*سؤالك يوصلني الى علاقتنا بالتجوال والترحال ونحن بالمناسبة في المراحل الاخيرة من تسجيل الالبوم الجديد الذي عنوانه ‘اسفار’، الذي يعبر عما تسأل عنه بطريقة او باخرى. ‘اسفار’ سيكون ترجمتها للانكليزية AS FAR بحيث تأخد اكثر من معنى.

التجوال يخلق حنينا دائما الى الاشياء الجميلة وليس الاشياء القبيحة فهو يذهب بنا بمصفاة الذاكرة للامور الجميلة فبما اننا غير موجودين في وطننا الفيزيائي دائما لدينا حنين الى ابسط الامور: الى طبخة من الام الى عصفور على الشباك الى رائحة الياسمين على الطريق الى المدرسة، الى حقل السنابل. الحنين امر صعب لكننا لسنا موجودين في منفى لان المنفى دائرة مفتوحة، والاصعب ان تكون موجودا في بلدك وتشعر بالنفي.

المكان الوحيد الذي نشعر فيه بتملكنا لجغرافية المكان ومصداقية حالتنا الفلسطينية والقدرة في التعبير عنها هو خشبة المسرح اينما كانت. هذه هي ملكيتي المكان الذي احكي فيه اي شيء او اي مكان ارتجل فيه عن السياسة او الحب او الشعر هي المنصة للتعبير عن ذاتنا وعن حيرتنا واشواقنا.*هل تجدون صعوبات او تحديات من قبل جهات معادية للفلسطينيين في اوروبا او العالم العربي؟*اكيد في صعوبات. اكيد. لكنني لا اخذ هذه الصعوبات كما يتعامل معها غيري فهناك جزء كبير من الفلسطينيين او مواطني العالم العربي لا يتقدم في مشروعه ايا كان لأن عنده هوس بفكرة انه ضحية. انا ما عندي هذا الهوس. فكرة انني ضحية ترغبني في ان اكون قويا. منطلق الضحية هو حافز للعمل بشكل جدي او بشكل بطولي. فكرة الضحية هي حافز ان تعمل بشكل بطولي وليست حافزا للقول: العالم ضدنا ثم نجلس لنبكي احوالنا ولا نفعل شيئا لنغيرها. جزء كبير منا في فلسطين او العالم العربي نقول الكل يعادينا وانا غير ناجح لان هناك معاداة لنا. انا اؤمن بانه يجب ان اعمل اكثر. حالة الضحية تدفعني لاكون اكثر جبروتا.*ما الذي تتمناه من لقائك بالجمهور في بريطانيا؟* نتمنى ان تأتي الناس وتحس بالانبساط والسرور. في موسيقانا هناك نشوة لأننا لا نعمل بمنطق البكاء. هناك نشوة وفرح. ضمن الوضع العربي المحبط ثقافيا وسياسيا واجتماعيا يجب ان نكون شعلة امل على الاقل لذاتنا حتى نقدر ان نوصل هذا الشيء الى الجمهور او المتلقي فمن غير امل ليس هناك حياة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية