ان قنابل الرجم وصواريخ القسام التي تُطلق علي غرب النقب هي مقدمات ثانوية فقط من الجبل البركاني الآخذ في حشد الطاقة، بلا عائق، استعدادا للانفجار.
لا توجد في الجيش الاسرائيلي أوهام في شأن القوة العسكرية التي أخذت تُبني بازاء اسرائيل داخل قطاع غزة. علي حسب قول جهات عسكرية رفيعة، أصبحت اليوم تنشر في غزة فرقة مشاة ـ مضادة للدبابات مخندقة لمعركة دفاعية. يُقلد الفلسطينيون في غزة حزب الله. في الحقيقة انهم ما زالوا بعيدين عن قدرات حزب الله لكن ايقاع تعلمهم سريع جدا.
توجد تحت قيادة فرقة حماس ثلاثة قادة ألوية يترأسون ألوية في ثلاث مناطق. يوجد لكل لواء قادة كتائب اقليمية ينتشرون في أنحاء القطاع وتحتهم سرايا، وأقسام وقوات فنية مختصة بمضادة الدبابات، واعمال التخريب، والدوريات، والتصوير والمراقبة.
بازاء قوات الجيش الاسرائيلي التي تعمل في منطقة الحراسة ـ وهي منطقة عرضها كيلومتر في عمق ارض قطاع غزة ـ يجلس قادة سرايا حماس الذين يُديرون القتال مع القوات المتحركة ومع كمائن الجيش الاسرائيلي في الميدان. أرسل قائد سرية كهذا في بداية الاسبوع الماضي فتي منتحرا في الخامسة عشرة مع حزامين ناسفين بعد أن لاحظ كمينا للجيش الاسرائيلي وُجد داخل مبني بازاء موقع اطلاق لصواريخ القسام. أُرسل الفتي ليفجر نفسه في الكمين واعتُقل.
الفرقة الحماسية مركبة من قوتين. احداهما ـ الذراع العسكرية وعددها نحو سبعة آلاف شخص. والثانية القوة التنفيذية وعددها نحو خمسة آلاف شخص. الحديث عن قوة نفذت سيطرة حماس العسكرية علي القطاع وتعمل اليوم في الأساس في نشاط شرطي وتغليب النظام العام. لكن حماس لا مشكلة لها مع القوة البشرية لان 60 في المئة من سكان القطاع تحت سن العشرين (نحو 600 ألف شاب). ان احتياطي القوة البشرية لا ينفد تقريبا ولا ينقصهم السلاح هناك ايضا.
في واقع الأمر يدور اليوم علي الخط الحدودي مع اسرائيل نوع من القتال الضئيل يستخفي وراءه ايضا حرب أذهان غير سهلة. يعمل الجيش الاسرائيلي ويتعلم الطرف الثاني، ويستخلص العِبر، ويُطبق ويرد. علي سبيل المثال: ينفذ الجيش الاسرائيلي اعمال اعتقال داخل القطاع. في البداية تحاول حماس المقاومة باطلاق النار ويصاب عشرات من رجالها. بعد ذلك تدرس حماس محاور الحركة وتبث اجهزة جس ـ وهي كمائن تهدف الي التحذير من دخول الجيش الاسرائيلي. يلاحظ الجيش الاسرائيلي اجهزة الجس ويصيبها ايضا. تستخلص حماس العِبر وتبني حول جهاز الجس كمينا من الشحنات الناسفة. يجد الجيش الاسرائيلي جوابا علي هذا ايضا. وهكذا دواليك وهكذا دواليك.
ومثال آخر: قبل اربعة اشهر أقامت حماس نظام قذائف رجم من انتاج ذاتي. الحديث عن قذائف رجم 90 ملم و100 ملم يبلغ مداها اربعة كيلومترات. بدأ الجيش الاسرائيلي يتلقي النار علي طول الجدار في اماكن تركيز. تعلم الجيش صيد الخلايا التي تطلق قذائف الرجم. آنذاك تعلمت حماس ان تدفن قذائف الرجم في اماكن مخفية موجهة الي أهداف محددة. يأتي مُطلق القذيفة ويطلقها وينصرف فورا.
والشيء نفسه في شأن صواريخ القسام: أُقيمت في الاشهر الأخيرة علي طول القطاع مواقع اطلاق خفيّة. يُدفن تحت الارض أنبوب حديدي خفيّ. وكذلك يُركب الخيط الكهربائي وجهاز التشغيل سلفا ويُخفيان. تأتي خلية الاطلاق مع السلاح، وتُجهز الصاروخ وتطلقه وتنصرف. ان المجال الزمني الذي يُمكّن من ادراك ان الحديث عن خلية اطلاق صغير جدا. إلا اذا علموا سلفا أين توجد مواقع الاطلاق الخفيّة. اشترت حماس مساحات من الارض، وأقامت عليها دفيئات، وتحفر أنفاقا من داخل هذه الدفيئات. ينبغي أن نفترض ايضا ان كثيرا من مواقع الاطلاق مدفون داخل هذه الاراضي.
بُنيت فرقة حماس من اجل انشاء ميزان رعب مع اسرائيل، كما بني حزب الله في جنوب لبنان بالضبط. يعتمد تصور تشغيل حماس في القطاع علي جهدين دفاعيين وعلي جهدين هجوميين. في نطاق الجهد الدفاعي تبني قوتها داخل المنطقة المدنية ـ تحت الارض أو في الطوابق السفلي من المباني المأهولة ـ من اجل احباط تميز سلاح الجو.
ويرمي جهد دفاعي ثانٍ الي احباط تميز قوات الجيش الاسرائيلي المدرعة الحصينة. في هذا النطاق تبني عقبات، وتدفن ألغاما، وشحنات ناسفة وقنابل مضادة للدبابات علي طول ما تُقدر أنها المحاور المركزية التي سيتحرك فيها الجيش الاسرائيلي. الهدف هو أن يُجبي مــن الجــيش الاسرائيلي ثمــن بــاهظ عن كل محاولة تغلغل بري في القطاع.
في الجانب الهجومي تُحسن حماس قدرة الكوماندو للخلايا الفنية. يفترض أن تعمل هذه خارج الجدار: ان تهاجم مستوطنات ومواقع عسكرية وان تنفذ اختطافا للجنود. أصبحت تتم اليوم في المتوسط محاولتان أو ثلاث لاختراق الجدار في كل يوم. أكثر المحاولات هي محاولات باحثين عن العمل أو اولئك الذين يهربون من حماس. لكن يوجد فيها ايضا محاولات تخريبية. والاحصاء يتكلم. حتي مع تطور الجيش الاسرائيلي تنجح محاولة تغلغل شخص ما آخر الامر من بين بضع عشرات من المحاولات.
ينحصر جهد هجومي آخر في سلاح الصواريخ. أصبح واضحا لاسرائيل أنه في اللحظة التي تصل فيها حماس الي قدرة اطلاق لمدي يزيد علي 15 كيلومترا فستكون قادرة علي اصابة عسقلان من داخل مدينة غزة. لن يساعد هنا الاطلاق الدقيق. في هذه المرحلة ستشتد قبضتهم علي أعناقنا. سيضطر الجيش الاسرائيلي من اجل وقف اطلاق النار الي الدخول في الداخل. من الخارج، في اطلاق النار المضاد لن يكون في الامكان الوصول الي مطلقي النار. عندما يبلغون الي مدي 15 كيلومترا ستنتهي سياسة ضبط النفس عندهم ايضا. كم من الوقت سيحتاجون اليه لبلوغ هذا المدي؟ مسألة اشهر حتي سنة. أصبحوا يُجرون التجارب علي صواريخ لآماد كهذه.
في هذه المرحلة الحالية يشغل الجيش نفسه بالدفاع عن الحدود. لا علاج لفرقة حماس، ولا علاج لقدرتها علي الانتاج العسكري التي تشتمل علي الصواريخ، والشحنات الناسفة المعيارية التي أصبح جزء منها قادرا علي اختراق أكثر من 500 ملم من الفولاذ، وقذائف الرجم، والقنابل اليدوية وقنابل الـ آر.
بي.
جيه. تقتضي هذه خطوات من نوع آخر بإذن من المستوي السياسي.
ان سياسة حماس الآن هي ضبط النفس في ظاهر الامر وترمي الي كسب الوقت. لكنها تُمكّن منظمات اخري في القطاع ـ الجهاد الاسلامي، ولجان المقاومة، وفتح السابقة، التي أصبحت اليوم تعمل وكيلا عن حزب الله، والجيش الشعبي لدوغمش واخري، من العمل. تستطيع حماس بقرار واحد أن توقف هذا النشاط. لكنها لا تريد ذلك. انها تستعمل هذه المنظمات علي أنها أداة لمضايقة اسرائيل. يخاطر رؤساء حماس العسكرية الذين هم العامل الغالب في القطاع مخاطرة محسوبة. اذا سنحت لهم فرصة فلن يترددوا في خطف جندي أو مواطن اسرائيلي رغم الضربة العسكرية المتوقعة بعد ذلك.
وفي هذه الاثناء يزيد الجهاد الاسلامي اندفاعه وإن صواريخ الايام الأخيرة تعبير عن ذلك في الحقيقة. تجمع عند الجيش الاسرائيلي في الايام الاخيرة غير قليل من الانذارات بنوايا الجهاد الاسلامي اصابة مستوطنات ومعسكرات للجيش الاسرائيلي. لهذا يستعد استعدادا خاصا لافتتاح السنة الدراسية. كم من الوقت سيكون في الامكان إبقاء النشاط العسكري علي طول الجدار علي نار هادئة؟ يبدو أنه ليس كثيرا.
اليكس فيشمانمراسل عسكري في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 4/9/2007