نضال خجول ضد أولاد العم: القاهرة – “القدس العربي” – من كمال القاضي: احتل مسلسل ‘فرقة ناجي عطا الله’ للفنان عادل إمام الحيز الأكبر من الاهتمام في السباق الدرامي الرمضاني المحموم لعدة أسباب أهمها أنه يمثل عودة للبطل بعد أكثر من عشرين عاماً الى الشاشة الصغيرة، كما ان الموضوع الذي كتبه يوسف معاطي على قدر من الخطورة لكونه يناقش طبيعة العلاقة بين مصر وإسرائيل مجدداً على ضوء ما يستجد من أحداث وثورات كان لها بالطبع اثراً فيما اعترى المجتمع من تحولات جعلت العداء لإسرائيل فرضية حتمية وعدم القبول بالتطبيع معها قضية لا تقبل الجدل. وبرغم السخرية التي يتناول بها معاطي التراجيديا السياسية والإنسانية إلا أن الثابت حتى الآن هو هذا الرأي وإن أرق ذلك الكاتب الذي يرقص على حبال التطبيع أو يرقص على السلالم، فلا هو مطبع ولا هو غير مطبع، ولأن الأصل في الدراما هو السيناريو وليس أي عنصر آخر فإن مسئولية التأرجح ومحاولة مسك العصا من المنتصف تقع في البداية والنهاية على يوسف معاطي الذي يسخر من كل شيء بما فيها الثوابت الوطنية، وهو يسير في نفس اتجاه أعماله السينمائية السابقة السفارة في العمارة، فهذا الفيلم بصفة خاصة لم يترك الكاتب خفيف الظل والدم والروح تياراً سياسياً وطنياً إلا ونال منه وبالأخص اليسار بوصفه التيار الذي كان متصدرا المشهد والمعارض بشدة لإسرائيل ومشروعها التطبيعي.
هذا الكلام فيما يبدو ولا يعجب البيه السيناريست ويعتبره موضة قديمة ونبرة لم تتغير منذ الستينيات، برغم أن مياها كثيرة جرت في النهر وقد شهدت الساحة تضحيات حقيقية قطعت الطريق على إسرائيل وحالت بينها وبين مشروع التطبيع الثقافي، إلا أن كل هذا ليس له اعتبار في نظر صاحب ‘الفرقة’ وصديقه ناجي بك عطا الله.
من الحلقة الأولى وحتى الحلقات التالية لم نرى في سيناريو الحكاية السياسية الإسرائيلية غير المهادنة والتمهيد لأفكار تصب كلها في صالح التسوية ونبذ العنف على طريقة الخطاب المباركي في النظام السابق، ولكن ذراً للرماد في العيون يأتي الكاتب على لسان البطل عادل إمام بجملة هنا وجملة هناك كنوع من التوازن لكي لا يمكون التطبيع الدرامي المرجو والمستهدف مفضوحاً، إذ يمرر المخرج رامي إمام على استحياء بعض الإساءات لإسرائيل من باب النقد وليس للتشديد على الموقف الشعبي الصارم ضد أي تعاون مع الدولة اللقيطة النابتة شيطانياً على الأراضي الفلسطينية المغتصبة.
إشكالية الاثنان كاتب السيناريو والبطل، انهما يتعاملان من منطلق التحليل العميق للقضية، على اعتبار ان ما يقولانه هو عين الصواب والحكمة، بينما أي خطاب آخر حاد ومختلف هو مراهقة سياسية وديماجوجية وكلام حنجوري لا يودي ولا يجيب.
مشاهد بعينها تستحق التوقف أمامها طويلا في الحلقات الأولى، منها على سبيل المثال، مشهد طالب الهندسة الذي يكرر الخروج في المظاهرات للمطالبة بالدفاع عن الفلسطينيين المحاصرين في غزة نجده مدان من السيد ناجي عطا الله لأنه ينجرف في تيار الحماس بشكل أهوج بدلا من التركيز في دروسه! غير أن البديل عن التظاهر والاحتجاج وهذه بالطبع وجهة نظر يوسف معاطي هو التفوق فيما تفوقت فيه إسرائيل أي أنه يرفض أن يكون هناك توازي بين التفوق في العلم والمطالبة بالحقوق ويتزرع بالخوف على مستقبل الشباب لتبرير الجبن والاستسلام للأمر الواقع!
تأتي مشاهد أخرى مكملة لمعنى التخاذل والمراوغة والسفسطة وهي المشاهد المتصلة باستقالة أحد الدبلوماسيين المصريين المهمين العاملين بتل أبيب لنجد أيضاً وصايا لقمان تخرج من فم ناجي عطا الله ورفيقه سيف عبدالرحمن في محاولة منهما لإثناء الرجل عن القرار غير المدروس، وفي الواقع أن من كتب المشاهد والمسلسل كله لا يترجم فقط قناعة الشخصيات والأبطال، وإنما يترجم قناعته هو فالكاتب يستنطق شخصياته وأي إنكار لهذه القاعدة الدرامية هو محض كذب ولغو المراد به قول أي شيء في أي شيء.
نعود إلى ما هو أكثر صراحة في الحلقات الدرامية الملغومة والذي ينطوي على ترويج لمفهوم المعايشة داخل الأراضي المحتلة مع العدو، حيث كل الشخصيات الإسرائيلية أو معظمها ايجابي تماماً فهو أناس عاديون يحبون الحياة ويقيمون صداقات صميمة مع المصريين المقيمين في تل أبيب ولا يجدون غضاضة في مد حبال الود وتعميق العلاقات، غير أن العيب فقط يكمن في لحساسية المفرطة تجاههم والتأثر بالصراع التاريخي الطويل بيننا وبينهم، ولو أننا تخلينا عن هذا الشعور وتحررنا من قيد العداء لمطلق لأصبحنا على ما يرام معهم، ونقول هنا للثلاثي العبقري عادل إمام ويوسف معاطي ورامي إمام إن الدعوة للمصالحة ليست دعوة تحققها الدراما لكون بطل لمسلسل نجم كبير ومحبوب وإنما هي دعوة تتحقق فعلياً لو تخلت إسرائيل عن الجولان والضفة وغزة وفكت أسر بيت المقدس، وليس صحيحاً أن الشباب الثائر شباب طائش وأحمق ولكن الحقيقة أنه جيل يميز بعقله ويرى بعينه ما يكابده الشعب الفلسطيني على أراضيه وداخل وطنه، لذا هو يتحرك من واقع ما يحسه ويعايشه يومياً على الفضائيات، وليس معنياً بالدجل السياسي في المسلسلات والأفلام ولا تنطلي عليه ألاعيب التنصل من المسئولية والهروب من المواجهة.
ن الأميز في اتجاهات ناجي عطا الله الدبلوماسي المفصول من عمله هو الاختيار الثاني المتمثل في رد الفعل الانتقاصي بالسطو على البنك وتفريغ خزائن السيولة المالية وتوزيعها على الشعوب الجائعة في السودان والصومال ودول العالم الثالث التي يعيش مواطنيها تحت خط الفقر، إنها الضربة الاستباقية التي تشفي غليل الجمهور المشحون بالعواطف الوطنية والمنحاز دائماً للبطل المنتصر وهو الجمهور ذاته المنتمي للشريحة الأعظم من أبناء الشعب قدرا وعددا.
في الحلقات الآتية ينتظر عشاق الدراما التليفزيونية ومحبي عادل إمام ضربة المعلم بالوصول الى عقر دار الصهاينة وإحراز هدف في مرماهم ولو على سبيل التجريب والمناورة فما لا يتحقق في الواقع نستطيع أن نحققه في الفن وهذه قيمة العمل الإبداعي أنه يفتح المجال لخيال المتلقي ويجعله يعيش المغامرة حسبما يتصورها وفي كل الأحوال فإنه لا يقيم للحسابات وزناً.
ابتداء من الحلقة السادسة وحتى الحلقة العاشرة لوحظ تغيير الإيقاع بشكل أسرع وتحويل دفة الأحداث ناحية المقاومة مما يعني وجود مفاجآت ربما تبدد هاجس الاستسلام وتقطع بصحة المقولة الشهيرة للزعيم جمال عبدالناصر، ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.