تتردد الأغاني في دمشق.. فيرجع صداها من الجولانآرام طحانعلى الرغم من دعوات التسلح المستمرة، ما تزال الأغنية هي السلاح الأبرز للثوار في سوريا، فالأهازيج التي أعطت الثورة طابعها السلمي منذ البداية ما تزال حاضرة بقوة ضد نظام القمع في دمشق. فالشعب الذي ردد وراء القاشوش أهازيج ساحة العاصي بحماة، ورقص طويلاً على وقع صوت الساروت في حمص، ما زال يشهر صوته عارياً في وجه الظلم، عبر أغان جديدة تتردد في دمشق فيرجع صداها هذه المرة من داخل الجولان المحتل. لطالما اشتهر الجولان السوري بالتفاح الذي يشكل محصولاً زراعياً أساسياً لأبناء المنطقة، ومنه أخذت فرقة ‘نص تفاحة’ اسمها الفريد، مبررة أن النصف الآخر ‘تقاسمه الاحتلال الإسرائيلي مع نظام البعث طوال أربعين عام مضت’ كما يوضح متهكماً مؤسس الفرقة الذي يتخذ لنفسه اسم يسار. سبق لهذه الفرقة أن أطلقت منذ بداية الثورة مجموعة من الأعمال الموسيقية والأغاني التي لاقت انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي وموقع اليوتيوب مثل أغاني ‘مازوت، بيشو، هس..’ إلا أن العمل الأخير لهذه الفرقة الذي حمل عنوان ‘محل زغير ومسكر’ حظي باهتمام وانتشار كبيرين. تتناول أغنية ‘نص تفاحة’ الأخيرة فكرة الإضراب والعصيان المدني باعتباره الوسيلة الأنجع لإنجاح الثورة، حيث تدعو سكان العاصمة دمشق إلى ممارسة أضعف الإيمان عبر ملازمة البيوت لإذكاء هذا الإضراب، إن لم يتمكن سكانها بسبب الضغط الأمني من المشاركة في التظاهر السلمي. الكلمات البسيطة التي تنبع من الهم اليومي للمواطن السوري هي ما يمنح الأغنية فرادتها، فالفكرة كما يقول كاتب الكلمات وملحنها مستوحاة من قصة حقيقة لرجل بسيط أغلق دكانه الصغير الذي يعتاش منه كي لا يشعر بالخجل من أولاده في المستقبل حين يكبرون و يسألونه كيف ساهم في الثورة، ويضيف يسار ‘كلمات الأغنية تستند إلى حكايا الناس العاديين، وهي محاولة للحاق بحراك الشارع الذي يمضي إلى هدفه نحو الحرية بسرعة متزايدة’. وتدعو الأغنية في مقاطعها المتتالية سكان دمشق إلى شراء احتياجاتهم من المحلات التي شاركت بالإضراب لدعم أصحابها مادياً ومقاطعة من يخرق العصيان. كما تستند الأغنية إلى أهزوجة ‘يا محلاها الحرية’ التي رددتها المظاهرات في معظم المدن السورية، حيث يقول يسار ‘قمنا باقتراح توزيع جديد لهذه الأهزوجة لتتلاءم مع كلمات الأغنية التي تقول في جزء منها: بالإضراب وبالعصيان، والصرخة بوجه الطغيان، ثورتنا ثورة إنسان، الصوت بوجه الروسية’. هذه الكلمات منبعها الأساسي ‘فكر الثورة السلمي المبدئي الرافض العنف، والمؤمن بالوسائل اللادموية كطريقة فعالة لإسقاط هذا النظام الدموي’ كما يوضح يسار مضيفاً: ‘نحن نخاطب الشريحة الصامتة في سوريا، نعرف أن معظمهم لا يستطيعون الخروج للتظاهر بسبب الحصار الأمني الشديد في مدن معينة كحلب ودمشق، لكن على الأقل نشجعهم على المشاركة في الثورة عبر الإضراب وصولاً إلى العصيان المدني’. بالمقابل، شهد الجولان المحتل مجموعة من النشاطات الداعمة للثورة السورية منذ بداياتها الأولى، كالاعتصامات والبيانات والندوات، إضافة إلى الموقف البارز للأسير المحرر وئام عماشة الذي تجاهله الإعلام الرسمي كلياً عند إطلاق سراحه، بسبب موقفه الصريح إلى جانب المطالبين بالحرية في بلده سوريا، ولذلك يوضح يسار ‘قد لا يكون بإمكاننا بسبب ظروف الاحتلال والبعد القسري عن الوطن أن نفعل الكثير لسوريا، لكن على الأقل نحاول أن تكون أغانينا بمثابة رجع صدى لهتافات الشارع و أهازيجه الشجاعة، وإسقاط النظام بالنسبة لنا هو خطوة على طريق الحرية وليس نهاية المطاف’. تحمل أغنية ‘محل صغير ومسكر’ أيضاً نكهة فلسطينية حيث معظم المشاركين هم من فلسطينيي الداخل الذين تطوعوا للمشاركة في العمل غناءً وعزفاً. ولا بد هنا من الإشارة إلى السوية العالية للأصوات المشاركة، وكذلك للانسجام الواضح بين الأداء الصوتي والموسيقي الذي منح الأغنية متانة واضحة، هذه المتانة يعيدها يسار ‘إلى حماسة المؤدين ورغبتهم بالتعبير عن إعجابهم بحملات الضجيج، ببوالين الحرية، بالمناشير، بتلوين النوافير، بروزنامة الحرية، وغيرها من نشاطات الحراك السلمي الذكي والبسيط، كل تلك النشاطات شحنت الهمة لتقديم عمل يحاول اللحاق بهذا الحراك ‘. على صعيد آخر يحمل التصميم البصري لفيديو الأغنية طابعاً بات مألوفاً في أعمال الثورة السورية الفنية، يستند إلى إخفاء هوية المؤدي والمنفذ بالاستعانة بفن الانيمشن ‘التحريك’ تفادياً لبطش الأمن السوري، ويعتمد هذا المنهج الذي يلاقي قبولاً كبيراً لدى نشطاء العالم الافتراضي، يعتمد على بساطة الأدوات وعمق التعبير وحرفية التنفيذ، وقد أتى هذا الفيديو كما يوضح يسار ‘نتيجة تعاون بين ‘نص تفاحة’ وتجمع فني آخر ‘هو الشعب السوري عارف طريقه’ الذي قدم كثير من التصميمات البصرية والمنشورات للحراك الثوري، حتى كلمات الأغنية ساهم في دفعها إلى الأمام أشخاص من تجمع ‘مصاصة متة’ أصحاب عروض الدمى التهكمية.
كل هذه التجمعات هي تجمعات حراك سلمي نشط على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يعرف أحد عنهم شيئاً حتى أفراد كل مجموعة لا يعرفون بعضهم البعض، لكنهم يتعاونون مع كل من يريد تقديم شيء لخدمة الثورة’ ويرجع يسار ذلك إلى بداية تطور هوية جديدة للفنان السوري في ظل الثورة ‘لا تلقي بالاً للفردي والشخصي، بل تحاول أن تكون أكثر التصاقاً بهموم الشارع وحاجاته اليومية وأكثر تعبيراً عنه، هوية متحررة من الخوف تكسر تابو القائد الأول، والطبيب الأول، والمعلم الأول، هوية فنان صار يدرك جيداً أن الإبداع والخوف كالملح والسكر لا يمكن ابتلاعهما معاً’. كاتب سوريلينك للأغنية http://www.youtube.com/watch’v=_xosPoko3X8