نضال القاسم عمل بيسوا صحافياً وناقداً أدبياً، وترك نتاجاً شعرياً ضخماً. و هو ليس فقط شاعر البرتغال الأول، ولكنه، شاعر من أهم شعراء العالم أيضاً، وهو الشاعر الذي دوَّن القلق والأمل واليأس والرجاء في كتاب ( اللاطمأنينة)، ويبقى بيسوا الأيقونة الإبداعية المشعة والمتجددة باستمرار في سطوعها الأدبي والفكري، ولكننا وللأسف لم نتمكن في عالمنا العربي من التعرف على تجربته الإبداعية إلا متأخراً. مع أنه يعتبر واحداً من أكبر أدباء القرن المنصرم، وقد ظل البحث عن الهوية المفقودة الهدف الرئيس لمعلم الحداثة المعاصرة ذي الوجوه المختلفة، والذي حمل أسماء مستعارة عديدة كألبيرتو سايرو و ريكاردو رايس وألفارو دوكامبوس، لذلك فقد أطلق عليه أيضاً اسم ‘ ميتافيزيقي الأمنيات الضائعة ‘ . ومن الجدير بالذكر أن هيجل وشوبنهاور ونيتشه قد تركوا أثاراً عميقة في أعمال بيسوا الأدبية، كما أن عبارة ‘ سوداد ‘ البرتغالية التي تعني الشعور المفعم بالحياة لم تكن بالنسبة لهذا الشاعر الفيلسوف مجرّد تعبير عاطفي، إذ ظل دوماً ينشد إبراز هذا الشعور.
ومع بداية الأربعينيات بدأت أعمال بيسوا تخرج للوجود ومعها هذا الصوت الإبداعي يسطع بتفرد وغرابة ومعه أيضا خرجت أوروبا من حربها العالمية الثانية بحصتها أيضا من الدمار المادي والبشري وحين هبّت نسمات الحرية والديمقراطية على أوروبا تقهقرت إسبانيا تحت الحكم الديكتاتوري لفرانكو وصاحبتها البرتغال أيضا مع الحكم العنيف والدموي للطاغية سلزار. بدت حينها البرتغال وكأنها دخلت في سكتة دماغية أو كأنها دخلت في سبات موميائي لعين.. ولكنَّ الثقافة البرتغالية بواسطة فرناندو بيسوا قد خرجت من الظل إلى وهج شمس أوربا والعالم فلم يعد الشاعر استثناء بل أصبح أسطورة يشع بريقها على عتمات الأدباء والشعراء الآخرين القدماء منهم والمعاصرين. وبالفعل فقد أعاد هذا الإشعاع الخارجي الثقة للمبدعين البرتغاليين ودفعهم ذلك إلى اجتراح أدوات جديدة ومواضيع مختلفة ومغامرات تجريبية شعرية ونثرية تجاوزت المحلية إلى العالمية ( الروائي خوسيه سراماغو على سبيل المثال لا الحصر). ولقد تحققت أحلام بيسوا في خلق حوار إنساني وإبداعي لا متناهي في اتجاه جغرافية طوباوية غير موجودة على الإطلاق. ففي عدم الوصول إلى ذلك المطلق تتأجج المعاناة ويتسع الحلم وتتقدس العزلة. كل هذا يطِّهر النفس ويعزز إيمانها بالذاكرة الإنسانية لا الذاكرة الدموية والوحشية. هكذا تغدو الثقافة البرتغالية برمتها تحت سماء بيسوا صوت انعتاق وحرية وشروق من عتمة الذاكرة البرتغالية المقيدة بالماضي التليد والعنيد والدموي.
وقد خلق بيسوا شخصيات وهمية وجعل لكل شخصية سيرة حياة ووجهة نظر ووضع معاشي بل وحتى تفاصيل جسدية، ولابد لنا من القول أن شعر بيسوا يمثل حالة هروب من الشخصية، ومن الثوابت الفلسفية والثقافية، ومن كل عاطفة أو إحساس، وما يبقى هو الخيال وحده. وكان يقول ‘ أُحسّ الأشخاص الذين خلقتهم في شعري أكثر ممّا أحسّ نفسي، فأنا وحيد إزاء نفسي، دون أن أكون صديقاً لها ‘، ويمكننا القول أن الشخصيات التي خلقها بيسوا تكمل بعضها بعضاً: فهي: تشير، تومىء، تتناقض، تلغي، ولكنها تشكل كلاً متكاملاً، كأن الهدف خلق ‘ أدب كامل ‘ وليس مجرد عمل فردي بحت، فقد بعثر فرناندو بيسوا مفهوم صوت المؤلف الواحد وتمكن من تحطيم سلطته.
ويرى الكاتب البرتغالي أدواردو لورنسو في مقال له حول أساطير الأدب البرتغالي ‘ أنه ومنذ أكثر من ثلاثين سنة والصورة الأدبية للبرتغال ترتبط بــ فيرناندو بيسوا أو على الأصح بصورته كشاعر مبدع لشعراء خيالييين أكثر اختلافاً وتميزاً عنه ولكنهم في الحقيقة يتمتعون بقدر أكبر من الواقعية، ويضيف قوله، لقد دأبنا على اعتبار هذه الكوميديا تشخيصاً مذهلاً لموت الذات، وهذا يكفي لأن يجعل من بيسوا، على غرار بيراندللو أو بورخيس، واحداً من أعظم أساطير الحداثة التي جرى استهلاكها بنحو بالغ كتعبير عن الذات بوصفها جوهراً للعالم، لقد كان على بيسوا أكثر من أي واحد من هذين الكاتبين، أن يحطم أسوار الذات ويعيدها نهائياً الى حقل المتخيل. وهو نفسه لن يكون شخصياً وحقيقياً، كما أن الشخصيات التي يبدعها لن تكون سوى صياغات مجازية لرؤية للعالم لا تنتسب لذات معينة، تلك الشخصيات المجردة من كل شيء إلا من ماهيتها الأدبية، شأنها في ذلك شأن أعظم الأساطير الثقافية، هاملت، دون جوان، أو فاوست ‘وبالرجوع الى مقال أدواردو لورنسو مرة اخرى فإنني أتفق معه فيما ذهب اليه حيث يقول: ‘ وهنا يحق لنا أن نتساءل: كيف أمكن لإبداع اعتبر نموذجاً لتجاوز النزعة الذاتية أن يتخلق من ثقافة ومن أدب أكثر غنائية وذاتية كالثقافة والأدب البرتغاليين؟ نستطيع أن نتصور، بلا ريب، أن الانتاج الأدبي لــ فرناندو بيسوا يشكل نوعاً من القلب الخلاَّق لمنظومة كاملة من التقاليد، تسنده في ذلك إرادة قوية في تجاوز قرون من الغنائية التي تجسدها بامتياز القصائد التلقائية والعفوية الملامسة للروح البرتغالية. لقد كان على بيسوا الذي تشبع بالطباع الانجليزية أن ينفخ روحاً جديدة في الوجدانية البرتغالية، وأن يحدث المسافة الداخلية والتحكم الخلاّق في العواطف، وهما خاصيتان تتجلى فيهما عبقرية وطن شكسبير أو بيرون. إننا لا نشك _ والكلام ما يزال هنا لإدواردو لورنسو _ في أن بيسوا قد أعطى للشعر البرتغالي منظوراً جديداً مزدوجاً، ماتحاً من كل منابع المعرفة قصد التخلص من الصورة الوهمية للأنا المتعالي والمطلق، وقد نجح في ذلك الى حد كبير. فــ بيسوا هو مبدع أساطير بالمعنى القوي، وصانع وجوه تقدر على العيش دونما حاجة إليه، تماماً كشخصيات العمل المسرحي والروائي ‘ . وأما بخصوص رباعياته المشهورة فإن غالبية هذه الرباعيات هي قصائد حب. ربما كانت تشكل وحدها قصائد الحب في شعر فرناندو بيسوا، إذ لا نعرف للحب أي موضع آخر في قصائده العديدة، في أسمائه المتعددة. انه الحب الخجول، الحب المتواضع، الحب العذري، الحب الشهواني، الحب المليء بالغيرة، الحب الذي لا يشعر مطلقا بالاكتفاء، الحب الحالم، الحب اللطيف، الحب المنتقم، الغياب، المرارة، تلك المسحة من كراهية النساء. وتنتظم القصائد حول عناصر من الحياة اليومية الشعبية: ‘كشتبان الخياطة’، لفيفة الصوف، الثوب، أصيص الحبق، القبعة، القرط، التنورة الزرقاء، القميص الأحمر، الدبوس، الشال، المروحة، المقص، حبة القهوة، الخيط، الأغاني،… الخ. كما وأننا نجد ‘أشخاص’ القصيدة في العمل، أمام الغربال، يسهرون لأنهم لا يستطيعون النوم، ينظرون من زاوية النافذة، يتنزهون كي يبرزوا أنفسهم ولكي يشاهدهم المارون الآخرون، ينسجون الصوف والدانتيلا، يأكلون ‘القريدس’، يشترون الأسماك، يحضرون الحلوى، يتمشون في الساحة، يقفون أمام الكنيسة، ولابد من الإشارة الى أن بعض هذه الرباعيات تنحو ‘بالعبث’ صوب الحنان: ‘انه اللامعنى’ الصافي، الذي يشكل صدى لتلك القصائـــــــــد الهجائية التي انتشرت في القرون الوسطى. انه الوضوح المعتم لهذه ‘البديهية’ المكبلة. وفي هذا الشعر ذي الغزارة القليلة، نشعر وكأن ما من شيء يتم كبته. ثمة غنائية بدون نزق، اقتصاد في الوسائل، دقة بسيطة، بعض الاستنتاجات، تفاصيل عادية تتداخل مع يقين النبرة، مع القليل من عاطفة القلب: كل ذلك يضعنا أمام فعالية من السحر والنعومة والنجاح. اننا ببساطة أمام قصائد جميلة.
وأما كتاب ( اللاطمأنينة ) فقد اشتغل عليه بيسوا زمناً طويلا امتد من 1913 إلى سنة وفاته 1935. وإن قراءة هذا الكتاب في ترجمته الرائعة التي قام بها الشاعر المغربي المتميز المهدي أخريف ما هي الا طقس احتفاء جسور فهي لن تكون إلا قراءة غير مطمئنة للعالم وقوالبه المفروضة لن تكون إلا قراءة قلقة وجامحة ومتمردة وعنيفة.
إن بيسوا يعلمنا كيف نكتب العزلة؟ كيف يمكن أن نكتب الفصام الذاتي؟ كيف يمكن أن نكتب الأثر المتجانس مع الأعماق، المناسخ مع أفكار الأسلاف، المتقاطع مع تصورات الغير الاصطناعية؟ هذا ما حاول بيسوا أن يصنعه في كتابه. لأن الكتب الخالدة هي التي تثير الأسئلة ولا تقدم أجوبة وتترك الإشكاليات الوجودية تسري بين عروق الكلمات. قد يبدو كتاب بيسوا مجرد ارخبيلات لخيبات بحّارساذج وموعود بالحطام لكن مع استمرارية القراءة يتجمع ذلك التشظي ويتوقف الاجتثاث الجارف، تتلاحم النصوص القصيرة كدغل خارق، كقصيدة طويلة يرسو على ضفافها شاعر أتعبته متاهة الحياة بكائناتها وأشيائها وكلماتها وتفاصيلها الهامشية ووقائعها المعقدة. يتجسد الكتاب إذن كرحلة عميقة في النور والظلمة في رهافة الإنسان وقسوته في قلقه الضاري وصفائه الشفيف في صراخه الجبار وفي غنائه الذي يبقي الحياة أو ينزفها حد الممات.
يقول بيسوا: (ثمة أيام هي بذاتها فلسفات، أيام تدس فينا فلسفات الحياة، أيام هي ملحوظات هامشية، مفعمة بأعظم نقد في كتاب قدرنا الكوني. هذا يوم أحسه شبيها بتلك الأيام. يبدو لي، غير معقول، أن يتم بعينيّ الثقيلتين ودماغي الباطل، بالقلم الفارغ، خط حروف التعليق اللامجدي والعميقô) بهذه الكلمات البسيطة يلخص الشاعر صراع كل مبدع حقيقي مع العالم المادي المستعصي على الفهم والتأويل والامتلاك الإبداعي. أشياء وأفكار وحالات تنفلت من بين فروج الكتابة وتتلاشى ضائعة في السديم يلمحها تتبخر هازئة بعجزه وعزلته البئيسة ومع ذلك يصر على أسرها باجتراح اللاممكن من الكلمات وفي ذلك عساره الأبدي المبهج بالفتوحات الصغيرة والمؤسي بالخيبات الكبيرة.
فلنستمع إليه مرة أخرى: (كم مر من الوقت دون أن أكتب شيئا! اجتزت، في أيام معدودة، قرونا من التخلي القلق عن الكتابة. لقد أسنت مثل بحيرة مقفرة، وسط طبيعة لا وجود لها. في أثناء ذلك، راقتني الرتابة المتنوعة لتوالي الأيام، للتوالي اللامتماثل للساعات المتماثلة، للحياة. لو كنت خلدت للنوم لما توالت على نحو غير هذا النحو. لقد أسنت مثل بحيرة مقفرة وسط مشهد طبيعة مقفرة…)هذا هو فراغ الشاعر المفعم بالتأمل والأمل ومع ذلك فالحياة أبدا لا يمكن أن تستنسخ كتابة ففي العجز عن أخذ القلم وممارسة فعل الكتابة تتضاعف العزلة وتتكثف الفكرة تلك كتابة أخرى من تأمل الذات والآخر. كأنه يتوقف عن صعود شاهق، خطير وماحق ليلتفت إلى الوراء متأملا بدايته النائية الموعودة بالدوار والبلبلة والشك: (لمَ أصعد دون سواي؟ لمَ هذه الصخرة بالتحديد أحملها عن الآخرين!
؟). يبحر بيسوا في كتابه وعبر سنين عديدة في ذاته الإنسانية والإبداعية ليبوح للقارئ الإفتراضي بهواجسه والذي لن يتحقق إلا بعد وفاته بسنين طويلة فقد بقي الكتاب مخطوطاً لسنوات طويلة الى أن ظهر في طبعة كاملة وفي لغته الأصلية فقط في سنة 1982 وهو يتأمل تجربته الإبداعية والإنسانية في صراعها مع الحياة التي تشرق أحيانا وتتعتم في أحيان أخرى كما في لحظات تفاؤله القليلة أو لحظات تشاؤمه الكثيرة. ونحس صدق الرجل في كل صوت، وحرف، وكلمة. نحس صوفيته الذاتية والإنسانية الضجرة من الإنسان الإدعائي في صوره البشعة والمقرفة نراها في كلماته زخمة بالتفكير الروحي الحقيقي المفضي إلى التماثل بين الروح بإشراقاتها والجسد المقيد بإكراهات الحياة وصعوباتها وتحدياتها. وتغزونا فكرة وحيدة ونحن نقرأ هذا الكتاب مفادها أن بيسوا عاش عزلة مضاعفة، وزاد من تكثيفها باستراتيجية فريدة في الكتابة المتنوعة والمفتوحة على الوهم والأثر الاحتمالي المفتوح على اختلاق أنداد له: ريكاردو رييس أو كاييرو أو ألبارو دي كامبوس أو برنارد شوارس وغيرهم. ويمكننا القول بدون مواربة: لقد عاش بيسوا بتكثيف مأساوي حيوات مفترضة لكن داخل الكتابة والكتابة فقط. أما العالم المحيط به فلم يكن يهمه كثيرا فهو مجرد فكرة أو صورة شعرية أو متخيل يضاعف به تجربته ويعددها على أمل اختلاق الأثر المستحيل.
إن رهان المبدع الحقيقي أن يكشف أعماقا لم تكتشف من قبل وحين يعجز تكون خسارته النهائية لو يستطيع تفاديها والعيش بطمأنينة سواها كأنه يعبر مع العابرين إلى سكينة التفكير السطحي والمادي والاستهلاكي وكأن لا أحد كان هنا. ولنستمع إليه وهو يقول: ( لأننا لم نعد قادرين على استخلاص الجمال من الحياة. لنجعل من فشلنا انتصارا، شيئا إيجابيا ومرفوعا بأعمدة، بجلال وإذعان روحي.
إذا لم تمنحنا الحياة غير صومعة للإنعزال، فلنحاول تزيينها بظلال أحلامنا، رسومنا وألواننا.
لقد أحسست دائما مثل كل حالم، أن وظيفتي كانت هي الإبداع. ولأنني لم أعرف قط كيف أقوم بمجهود أو أستثير مقصدا، فقد توافق الإبداع لدي دائمًامع الحلم، مع الرغبة أو التمني، ومع الإتيان بحركات، بالحلم بالحركات التي تمنيت أن أستطيع القيام بهاô). لقد بقي بيسوا يحلم بالشاعر الذي يهيمن عليه أن يصير شاعرا معترفا به وقريبا من الناس والقراء والمريدين، مع ذلك فحياته القصيرة (ولد سنة 1888 وتوفي بتشمع الكبد سنة 1935) كانت غنية ومكثفة بالكلمة الحقيقية الخالية من الزيف. والمفعمة بالأحاسيس العميقة بالجوهر الإنساني المقنع بعتمة الحياة واضطراماتها الجحيمية.
ولقد مضى بيسوا وهو يردد آخر الكلمات في تحفته (كتاب اللاطمأنينة) وكأنه يرثي نفسه من هناك:- مجهول هو مثل الغريزة التي أودت به. لم يفكر في أنه سيموت من أجل الوطن؛ من أجل الوطن مات؛ لم يقرر إتمام واجبه؛ أتم واجبه وحسب. من لم يمتلك إسما في الروح، لا ينبغي أن نسأل عن الاسم الذي عرّف جسده. كان برتغاليا، برتغاليا بدون محددات. مكانه ليس بجانب مؤسسي البرتغال، قامته مختلفة، كذلك وعيه.
لا تلائمه صحبة أنصاف الآلهة، الذين بجرأتهم نمت طرق البحر ووضعت أراض كثيرة في متناولنا. لا تمثال لديه ولا شاهدة قبرية تحكي عمن كان ذلك الذي كاننا جميعا. وحين توفي بيسوا، ترك اكثر من ثلاث شنط من المفاجآت و الألعاب المدهشة، اكتشف القراء المساكين أن هناك أكثر من بيسوا و أن ما عرفوه لفترة طويلة باسم (( ريكاردو رييس )) الشاعر المتزن الجميل ليس سوى شخصية واحدة من مجموعات شخصيات لبيسوا.