فرنسا الحجاب. . بين فيشي وساركوزي

حجم الخط
0

محمد عبد الخالق بكريالحجج القانونية التي صيغت لحرمان النساء والفتيات المسلمات من ارتداء النقاب في الاماكن العامة في فرنسا تشابه لحد صادم الحجج التي صيغت لاباحة تعذيب المتهمين في قضايا الارهاب بعد هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001. فالحجة الاساسية التي قيلت في اباحة التعذيب لا تتجاوز فرضية لم تتحقق طوال العشر سنوات الماضية، بل لم تتحقق طوال تاريخ البشرية، اللهم الا في المسلسلات التلفزيونية مثل المسلسل الامريكي الشهير 24 وبعض افلام الاثارة الهوليوودية. وتتلخص فرضية اباحة التعذيب كالآتي: ان متهما بالانتماء لخلية ارهابية وقع في ايدي اجهزة مكافحة الارهاب، وان هذه الاجهزة تعلم عن زرع قنبلة يعرف هذا المتهم على وجه الدقة مكانها وميقات انفجارها. وبالطبع المتهم يرفض التعاون مع السلطات. هل يجوز تعذيبه بدنياً ونفسياً؟ وذلك بالطبع يتضمن صدمات الكهرباء والعبث بالآعضاء التناسلية وسئ الصيت تصنيع مؤثرات الموت غرقاً. للأسف انخرطت في هذا النقاش العقيم انظمة قانونية بأكمالها وتلوثت للأبد بوصمة التعذيب. لا تعاني فرنسا ونظامها القانوني من اجترار حجج مماثلة حيال قضية الحجاب، هذه الحجج الثملة بالعداء للانسان ولنظامها الدستوري، فحسب بل اعادت للاذهان ابشع حقب الجمهورية الفرنسية، حكومة فيشي وممارساتها الفاشية، التي حاول القادة الفرنسيون منذ ميتران التنصل من مسؤوليتها ونسيانها للأبد ولكن هيهات. ولنبدأ بلا معقولية الحجج التي صيغت لتجريد النساء الفرنسيات المسلمات من حجابهن. مثلما لا يصمد دعاة التعذيب امام حجج اعلانات حقوق الانسان ومواثيقه ومثل قولهم ‘ نعم نحن لا نقر التعذيب ولكن…’ يبدأ الفقهاء الفرنسيون بالقول ‘نحن لسنا في عداء مع حرية المعتقد والحريات الشخصية ولكن…’ تم تبرز حجة القنبلة الموقوتة، هذه المرة في حجاب آخر. كيف نتحقق من شخصية المنقبة؟ عن طريق الحجاب يمكن ان تزّور هوية الشخص، بل يمكن ان يعبر رجال تحت تنكر الحجاب الحدود ونقاط التفتيش والمطارات. تبدو الحجة على وجه الغرابة كأنما المحجبات كففن عن السفر الى امريكا او بريطانيا والتي على وجه الاخص شهدت زيادة ملحوظة في اعدادهن هذا الصيف كما تشير التقارير. ثم، ماذا عن سائقة ملثمة تسوق سيارتها بسرعة مئة ميل في الطريق العام وترتكب حادثاً وتهرب؟ كيف نتحقق من شخصيتها؟ بل ماذا عن أم تأتي ملثمة لأخذ طفلها من الحضانة؟ كيف نتحقق من شخصيتها؟ الغريب في الامر ان مخالفات المرور مثل الموصوفة اعلاه لا يتم في الغالب التحقق من هويات مرتكبيها بصورتهم الشخصية، التي في الغالب، ومع سرعة المئة ميل المذكورة لا يمكن التقاطها. اما حوادث الاختطاف من قبل محجبات او متنكرين في حجاب فسندها الاحصائي ليس اسعد حظاً من سند فرضية القنبلة الموقوتة.

تذوب الحجج عن طبيعة الجمهورية الفرنسية العلمانية وعقدها الاجتماعي لتنتهي الى تلك الحجج البائسة، اذ ان السؤال الاساسي الذي طرح على المجلس الدستوري الفرنسي: هل الزام المواطنين في حياتهم العامة ان يكونوا ملاحظين (تعنى سافرين هنا) شرط للعيش المشترك، ام تعد على حرية الفرد الشخصية؟ استنكر العديد من المعلقين في الولايات المتحدة هوس الفقه الفرنسي بمطاردة الحجاب، بل تعددت الكتابات في اسرائيل، وكتابة اليهود خارج اسرائيل بصفة عامة، مستغربة هذا الهوس بمطاردة الحجاب. فالكاتب سافي هندلر ورغم اقراره بوجود التفرقة والتمييز في اسرائيل يقول ان اسرائيل تبدو هنا اكثر تسامحاً من بلد فولتير. وانتقدت سفرين هازيزا-سكول، الاعتقاد السائد بان فرنسا دولة متحررة من الدين بل اثبتت ان كاثوليكية الدولة لم يتم مسحها بحزمة قوانين واعلانات. فقد ظلت الحكومة الفرنسية ومنذ عام 1919 تدعم المدارس والمؤسسات الكاثوليكية في الالزاس واللورين. كما ان نصيب الاسد من الاحدى عشر عطلة رسمية في فرنسا يجد جذوره في المذهب الكاثوليكي. للكتاب اليهود اسبابهم فلهم ذكريات مريرة مع الجمهورية الفرنسية.

وهذا يقودنا الى الحديث عن شبح حكومة فيشي الفرنسية ابان الحرب العالمية الثانية واحتلال المانيا النازية لفرنسا. لقد ارتكبت هذه الحكومة، التي يحاول عبثاً رجال الدولة الفرنسية التنصل من تاريخها باعتبار انه لا يمت بصلة للشعب الفرنسي وتقاليده، فظائع لا تغتفر تجاه الاقليات العرقية والدينية. ورغم عداء النازية المعروف لليهود الا ان سلطات الاحتلال النازي كانت ترى ان حكومة فيشي ذهبت الى حدود لا داعي لها وطالت اقليات لم تكن هنالك ضرورة لاستهدافها. وكانت اداة حكومة فيشي في كل هذه الفظائع النظام القانوني الفرنسي بجهازه القضائي وفقهائه ومحاميه. يرفض فقيه القانون الدولي رتشارد ويزبرج النظر لحكومة فيشي كحكومة العوبة في ايدي الاحتلال ويفصّل بقدر مهول من الوثائق كيف ان الفقه الفرنسي تواطأ جماعياً ضد اليهود والاقليات الاخرى وذلك من خلال التشريع ونظام المحاكم وتنظيم ممارسة مهنة القانون والمحاماة والخدمة المدنية. ان ما حدث، حسب ويزبرج لا يمكن الصاقه بحكومة اقلية معزولة، فحكومة فيشي لم تتعرض لادنى ضغظ من الاحتلال النازي. وقد كان النظام القانوني الفرنسي متماسكاً لهذه الدرجة او تلك بعد الاحتلال ولم يجد صعوبة في استيعاب توجهات النظام الوافد وسياسته العرقية والدينية، بل وظف تقاليده الراسخة ومهاراته التقنية والفنية في التحليل والتسبيب وفي التطبيق في جعل التفرقة الدينية والعرقية ليست مقبولة فحسب بل وشرعية. ويعبر ويزبرج عن اعتقاده بان المشكلة تكمن في الثقافة القانونية الفرنسية ومكوناتها حيث لا تزال اثار المذهب الكاثوليكي مسيطرة، اذ تمت اعادة قراءة المباديء الدستورية آنذاك بايحاءات وتفسيرات دينية ضد اليهود. وهذا ما جعل الكتابة القانونية حول تلك القوانين المعادية للسامية جاءت اقرب للغة الدينية من لغة التمييز العنصري وادى الى شحنها بالخصومة الدينية التقليدية بين الكاثولوكية واليهودية. يبدو ان شبح حكومة فيشي يرفض ان يغادر الفضاء الفرنسي فمجزرة الحقوق والحريات الفردية الجديدة تجاه قضية الحجاب تتدثر ايضاً بغبار كثيف حول مبادىء الجمهورية وطبيعتها والقانون. وكما عبر ويزبرج، قيل من قبل ‘لا احد في فرنسا يحب التفرقة الرسمية على اساس العرق او الدين ولكن. .. ‘ فهاهي ‘لكن’ تعود من جديد.’ كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية