فرنسا بين مطرقة دولة القانون وسندان الرأي العام

للدول وسكانها عادات وطبائع. وللشخصيات دور في تحديد السياسات. وكم يمكن لفرنسا ان تكون بلاد المفارقات في بعض المرات. فتارة تكون بلاد التشدد وتارة تكون بلاد التسامح، وفي أحايين كثيرة تكون الاثنين معا.
وفرنسا أيضا بلاد التفاوض والنقاشات اللامتناهية ـ التي يؤدي عدد لا بأس منها الى الباب المسدود.
تعيش فرنسا هذه الأيام لخبطة من الطراز الرفيع، في موضوع اجتماعي بامتياز، موضوع الهجرة، مع قضية أسرة من كوسوفو (كشف تحقيق صحف أن ربها وحده من هذا البلد)، أسرة رحّلت إلى ‘بلدها’ في ظروف لنا إليها عودة – بعد أن ثبتت لا قانونية وصولها وعدم شرعية استقرارها بفرنسا. وإن كنا قد ارتأينا الكتابة في هذا الموضوع، فلأن الأمر يفتح الباب أمام اكثر من نقطة قابلة للنقاش ويطرح أكثر من سؤال قابل للتداول.
السؤال الأول: ما الذي هيّج الزوبعة الإعلامية التي اكتسحت فرنسا في الأيام الأخيرة؟ لقد هيجتها مسألتان مترابطان متشابكتان يمكن تلخيصهما في التقابل اللفظي الآتي: السلطة والقانون من جهة والكرامة والإثرة من جهة أخرى.
يفترض أن تكون فرنسا أنموذجا للحقوق والواجبات التي تطالب بها الآخرين، حقوق وواجبات تتلخص في عبارة معروفة: دولة القانون.
وموضوع الهجرة، شأنه شأن باقي المواضيع المنوطة بمهام الدولة، خاضع لبنود القانون وحيثياته. وفي القانون ايضا، كما هو معروف، يوجد شوك في الخاصرة يدعى الفراغ القانوني. بعبارة أخرى، يتضمن القانون بابا مفتوحا امام تقاعس وتفسيرات غير دقيقة وتجاوزات. ولمن اراد فهم قصدي أكثر، فليس القانون معفيا من البلبة.
يبدو أن فرنسا بارعة في تعميق الفجوة بين التطبيل بمناقب دولة القانون والتفعيل الناجع الناجح لآلياتها. فقد كانت نهاية الأسبوع غنية بالاكتشافات التي عززت احساسا عاما لدى البعض- وانا منهم ـ بأن قلب النظام السياسي الفرنسي متشبت تشبتا مرضيا بمدى قدرته على كسب ود الرأي العام، لدرجة قد تصبح خطيرة.
قصة الفتاة ليوناردا التي اســـــتدعيت ‘شــــرطة الجو والحدود’ الفرنسية لنقلها من رحلة مدرسية كانت تقـــــوم بها مع زملائها، باتجاه طائرة أقلتــــها إلى كوسوفو مباشرة.. أسالت حبرا كثيرا والمزيد من الحبر في الطريق بالتأكيد.
في هذه القصة التي ساقتها إلينا القنوات والصحف الفرنسية بروايات مختلفة، ظهرت أكثر من نقطة مثيرة للاهتمام.. للتساؤل وللدهشة.
أولا، المشهد الغريب، والمشهد الغريب هو مشهد هذه الفتاة التي اقتيدت من الحافلة المدرسية إلى سيارة الشرطة بصورة بدت طبيعية يراد بها اعطاء الجميع الانطباع بأن الأمور رتبت ترتيبا محكما، بعد سابق تدبر وتخطيط. فقد أطلّت علينا تقاريرنا الإخبارية التلفزيونية المسائية بصور وصول سيارة قوات الأمن إلى مرآب المؤسسة التعليمية، قبيل انطلاق الحافلة إلى مقصدها، وإذا بالفتاة تخرج منها بصورة توحي بأن عنصر الدهشة متروك للمشاهدين وحدهم، وليس للأطر المدرسية ولا طبعا الحكومية.
لكن مشهد المغادرة اعقبه مشهد جديد تبعه بساعات ظهرت فيه فتاتنا في بيتها القديم الجديد، شقة الأسرة في كوسوفو، وإذا بها تنحي على السلطات الفرنسية – كما كان متوقعا أيضا – بالويل والثبور وعظائم الأمور، مجيبة على أسئلة الصحافيين عن انطباعاتها عن ترحيلها ـ بكلام يبدو أيضا مصاغا بتأنّ شديد، معدّا بعناية فائقة – أخذت تكرره نشرات الأخبار الرئيسية في القنوات الفرنسية في مسعى واضح لاستدرار عواطف الرأي العام واستنكاره للأمر ـ إذ تردّ الفتاة على أسئلة الصحافيين بحزم ممثّل سينمائي أحسن حفظ نصه، ويجيد استعراضه امام الكاميرا، على امل ‘استدرار الدموع في المنازل’، كما تقول العبارة الفرنسية الشهيرة… فمن مختارات كلام فتاتنا مثلا: يسألني زملائي في المدرسة هل قتلت أحدا حتى أعامل بمثل هذه الطريقة؟ وبعد ساعات من هذا اللقاء الذي بثته وسائل الإعلام الفرنسية في توقيت واحد تقريبا، بانضباط شبه عسكري، يصبح المشاهد على موعد جديد مع حلقة أخرى من سلسلة ‘ليوناردا المرحلة’ ليتعلم أن الفتاة لم تكن كوسوفارية أبدا، لا هي ولا إخوتها ولا امّها، بل إيطالية، فتروي لنا وسائل الإعلام ان والدها كذب على السلطات حتى يتيسر له الحصول على حق الإقامة في فرنسا. وهوـ وهنا حلقة أخرى من السلسلة – حق لم يحصل عليه أبدا، إذ ظلت الأسرة في حكم طلب اللجوء الذي لم يستجب له أبدا. فلم يسع الفتاة حينئذ ـ تروي لنا القنوات ـ إلا أن تلتحق بأسرتها في كوسوفو بلد أبيها، الكوسوفار الوحيد في العائلة، ثم نتعلم أن أخ الفتاة فرنسي، فهو مولود بفرنسا، وأن هذه العائلة مقيمة بفرنسا منذ أربع سنوات، فيحار المشاهد ويتساءل، إن كانت كوسوفو دولة الأب من باب القانون، فمن أي باب تكون كوسوفو دولة الأسرة؟
اما في الحلقة الأخيرة من السلسلة، فيصل إلى المشاهد من أكثر من مؤسسة إعلامية وهو الذي لم يتوقع أن تتطلب منه مشاهدة نشرة الأخبار بعد انتهاء يوم عمل شاق ومضن مثل هذه الدرجة من استنفار الهمم – خبر أن الرجل ظل، على امتداد هذه السنوات من المكوث على الأرض الفرنسية، يعتدي بالضرب على زوجته واولاده الذين رفعوا دعوى ضده ثم سحبوها، مخافة من الترحيل..
وبذلك ينتهي مسلسل مغامرة الأسرة ‘الكوسوفارية’ المرحلة على فقرات، منها فقرة الحافلة المدرسية، وهي الفقرة التي أربكت الحكومة الفرنسية بامتياز، ليبدأ مسلسل جديد بطولته أعضاء الحكومة البارزين الذين صاروا يمررون بينهم ‘البطاطا الحارة’ اتقاء من حرق أحدهم بها وبشدة ـ وفي مقدمتهم وزير الداخلية الذي، بالمناسبة، لم يسع إلا لتطبيق القانون.
هنا يبدأ عرض حلقات ‘المسلسل الحكومي’ وسط اللغط المتزايد للرأي العام، جمهور الحلقة. كثر الصخب لتزداد حدة الهرج والمرج اللذين أعقبا اداء الحكومة الفرنسية، وهو الذي نود أن نجعل منه قلب تحليلنا في هذا المقال.
يعدّ أداء الحكومة الفرنسية في هذه القضية ترجمة بليغة لسمة غالبة على مزاج الفرنسيين، وهو الصعوبة في الحسم عند اتخاذ القرارات والإقرار بها دونما حرج.
فبعد أن أثارت قضية ترحيل الفتاة وأسرتها ما اثارت من ضجة، اطل علينا رئيس الوزراء الفرنسي من الجمعية الوطنية ليعد ـ ليس ثمة من كلمة أدق – الرأي العام بمراجعة قرار ترحيل الفتاة، إن كشف تحقيق جار خطأ في العملية. وهنا نطرح سؤالا: لو لم يثر قرار الترحيل مثل هذا الصخب في صفوف الرأي العام، أكان لرئيس الوزراء أن يتخذ بادرة أشبه ما تكون بمخطط هدفه نيل الاعتذار؟
منذ متى تطبق قوانين ترحيل المهاجرين غير القانونيين وفق مزاج الرأي العام؟
الواقع أن هذا السؤال ما كان ليلقى جوابا في ظروف طبيعية طالما ان الجواب واضح لا يستحق الرد.
لكن السؤال هنا يستدعي جوابا قد يثير ابتسامة القارئ، غير أنه ليس هناك جواب مقنع سواه: تطبق قوانين ترحيل المهاجرين غير القانونيين وفق مزاج الرأي العام عندما لا ترى أطر مسؤولة في الدولة غضاضة من إرسال أفراد قوات أمنها إلى حافلة مدرسية لتسوية قضايا الهجرة.
هنا بيت القصيد، ومكمن التفسير، فقد أفرز هذا الخطأ المنهجي عدة اخطاء منهجية أخرى، كطلب الاعتذار هذا الذي تقدم به رئيس الوزراء الفرنسي، مبقيا الباب مفتوحا امام مراجعة القضية في حال ثبتت اخطاء بعد التحقيق في القضية وطبعا لم تحصل أخطاء في التحقيق، فوضع الأسرة معروف من أربع سنوات.
لم يحصل خطأ في التحقيق، وهو ما كان رئيس الوزراء والحكومة على علم مسبق به، وهو ما لم يعتنوا به قصدا لكسب الوقت.. وقت البحث عن حل مقنع لتدارك الموقف.
أما تدارك الموقف، فلم يكن ليأتي من غير قمة الهرم.. من ‘الهدية التعويضية’ التي قدمها رئيس الجمهورية، مقترحا على الفتاة العودة إلى فرنسا بمفردها، مفصولة عن أسرتها، لاستكمال دراستها. وهو ما لم تقبله الفتاة طبعا.
تعد ارتجالية نمط تسيير شؤون الدولة بفرنسا حاليا مذهلة، وكأن سياسة بلدي الخارجية صورة طبق الأصل لسياستها الداخلية، ادعاء الحزم ثم كبوة ثم تراجع فكبوة.. أهذا تعريف جديد للإشتراكية الفرنسية؟

‘ باحث اكاديمي فرنسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية