باريس ـ “القدس العربي” ـ من فوزي سعد الله:
قالت الشرطة الفرنسية أن 730 سيارة من مختلف الأحجام منها الحافلات والشاحنات قد تعرضت للحرق ليلة الأحد إلي الاثنين فقط عبر التراب الفرنسي في أعمال الشغب التي أعقبت الإعلان عن فوز مرشح اليمين نيكولا ساركوزي بالانتخابات الرئاسية. وكان نصيب باريس وضواحيها حوالي 250 سيارة في بلد تتعرض فيه من 70 إلي 100 سيارة للحرق كل ليلة في الظروف العادية. الاحتجاجات التي تخللتها أعمال عنف يكون قد شارك فيها نحو 10 الاف شخص حسب مصالح الاستعلامات العامة الفرنسية، ولم تنجح نداءات بعض الجمعيات المدنية الشبابية بعدم مواجهة فوز ساركوزي بالعنف في تدارك وامتصاص الغضب. كما أضافت مصالح الشرطة الفرنسية أن الأحداث المذكورة خلفت جرحي بالمئات بينهم 106 من قوات الشرطة والدرك بين ليل الأحد ويوم الاثنين، واعتقل خلالها 862 شخصا علي الأقل. فيما أوضحت أنه خلافا للتوقعات، لم تصدر عن الضواحي المصنفة صعبة أعمال عنف حضري كبيرة باستثناء بضعة مجموعات من الشبان الذين أضرموا النار هنا وهناك في المزابل و في عدد من السيارات. تفسير ذلك قد يتمثل في كون هؤلاء الشباب اختاروا التعبير عن استيائهم من فوز ساركوزي داخل مدينة باريس بالذات حيث تجمع المئات في ساحة لاباستي قبل المغرب ليشرعوا في أعمال شغب مباشرة بعد الإعلان عن نتائج التصويت أين انطلقت مواجهات عنيفة مع قوات الأمن الباريسية اعتقل خلالها حوالي 80 متظاهرا، كما بدأ يسود الانطباع أن عددا من مناضلي اليسار المتطرف يلعب دورا ما في هذه الأحداث. وتعرف ساحة لاباستي أنها الفضاء المفضل منذ عقود لدي مختلف القوي اليسارية الفرنسية للتظاهر والاحتجاج السياسيين. لا باستي التي كانت أصلا سجنا كبيرا رهيبا للمعارضين للملك قبل انفجار الثورة الفرنسية الكبري التي هدمته في 1689 ما تزال تلعب دورها الاحتجاجي و التمردي بعد أكثر من مئتي عام من تلك الأحداث. يجب أن تذهب!
ليلة الاثنين إلي الثلاثاء شهدت هي الأخري انفجارا جديدا لأعمال عنف في هذه الساحة ومحيطها منذ الساعة الثامنة مساء شارك فيها المئات من الشباب الذين أضرموا النيران وحطموا العديد من السيارات و واجهات المحلات التجارية وهم يهتفون ساركو.. الفاشي سينتقم منك الشعب أو باريس قومي انهضي من النوم و ساركو.. يا حثالة يجب أن تذهب، وذلك بعد تدخل قوات الأمن لتفريقهم واستعادة النظام. واستمر الشغب إلي غاية الواحدة بعد منتصف الليل تقريبا مسفرا عن اعتقال أكثر من 100 شخص. وكان المئات من تلاميذ الثانويات المناهضين لنيكولا ساركوزي قد تظاهروا في هدوء بعد ظهر الاثنين في ساحة لاباستي. فيما انتشرت عدوي الشغب خلال ليل الاثنين إلي الثلاثاء إلي مدن أخري مثل كين، نانت، ليل، ليون وتور التي نادي فيها المتظاهرون بـ تقاسم الثروة. مصالح الأمن حددت العدد الإجمالي للمتظاهرين في هذه المدن بـ1500 شخص فيما يتحدث إعلاميون وشهود عيان عن حوالي 2000 أو أكثر. باريس لم تكن بقعة التوتر الوحيدة التي انفجرت بعيد إعلان فوز مرشح اليمين، بل انطلقت علي غرارها أحداث شغب مماثلة في وسط مدن من بينها ليون، تولوز، نانت، وران. الشرطة الفرنسية نسبت هذه الأعمال إلي مجموعات تقودها عناصر تنتمي سياسيا إلي اليسار المتطرف و الفوضويين وحتي إلي مجموعات لا تنتمي لأي جهة سياسية وإنما اختارت لأسباب خاصة بها المشاركة في هذه المواجهات مع الشرطة. وتجدر الإشارة إلي أن الرغبة في تصفية الحسابات مع رجال الشرطة ليست ما ينقص جيش العاطلين والمنبوذين من الشباب الفرنسي بمختلف أصوله وثقافاته، بمن فيهم من يوصفون بالفرنسيين الأصليين، خصوصا وأن الشرطة وقائدها السابق نيكولا ساركوزي عندما كان وزيرا للداخلية والذي سيصبح رئيس البلاد ابتداء من 16 ايار (مايو) الجاري، لم يعاملوهم لا بالحسني ولا بالاحترام. كما يسود الاعتقاد في الأحياء الشعبية في باريس وضواحيها وفي أغلب المناطق الفرنسية ذات الكثافة العالية من المهاجرين ومن الطبقات المسحوقة، ان الشرطة محسوبة سياسيا علي اليمين المتطرف وفي أحسن الأحوال علي اليمين الساركوزي. في مثل هذه المناطق التي يوحي مجرد ذكرها بأن أغلبية سكانها من العرب والمغاربيين علي وجه الخصوص تتعايش أحيانا عشرات الأعراق والجنسيات، منها الأفارقة السود، العرب، الهنود الصينيون، الفيتناميون، السريلانكيون، الشيليون، البرازيليون، إضافة إلي النازحين من بلدان أوروبا الشرقية والوسطي، مثل نيكولا ساركوزي ذاته، وغيرها من بلدان العالم. هؤلاء قلقون جدا من إمكانية تنفيذ ساركوزي للعديد من وعوده الانتخابية للـ53.06 بالمئة من الناخبين الذين ينتمون إلي الصف الآخر من المجتمع الفرنسي والتي تتعارض مع مصالحهم وحتي الحيوية منها أحيانا. ومنها إعداد قانون معاد للحق في جلب المهاجر لأفراد أسرته من بلده الأصلي ليعيشوا إلي جنبه، تقليص حجم المساعدات العائلية للعائلات الفقيرة وغيرها من الإجراءات المتشددة. وقد عبر عدد من الجمعيات التي تدافع عن مصالحهم لوسائل الإعلام الفرنسية الاثنين عن انشغاله العميق بما قد يسفر عنه خطاب ساركوزي حول ملف الهجرة من أضرار للجميع، من بينها شبكة التربية بلا حدود، الحركة ضد العنصرية ومع الصداقة بين الشعوب و فرنسا أرض اللجوء.
التصويت بدل العنففي صبيحة الأحد، خرج الحزب الاشتراكي عن صمته إزاء أحداث الشغب حيث دعا أمينه العام فرانسوا هولاند إلي الكف عن القيام بأعمال العنف والاستعداد للتحرك سلميا لمواجهة المد اليميني من خلال التصويت جماهيريا في الانتخابات التشريعية الشهر المقبل. هولاند قال: إن الذين يقومون بأعمال العنف هذه لا يقدمون خدمة سوي للذين يريدون المزيد من النظام والمزيد من القساوة في السعي إلي بسط الأمن قاصدا اليمينيين واليمين المتطرف. كما حيا التعبئة التي أظهرتها الضواحي في الدور الثاني للرئاسيات، ودعاها إلي وضع كل ثقلها في ميزان التشريعيات القادمة حتي يضطر اليمين إلي تقاسم السلطة مع الاشتراكيين واستعادة التوازن في اتخاذ القرار في حال فوزهم، وحتي لا تتركز جميع السلطات في قبضة الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي. هذا ما سيسمح بحماية الفرنسيين من الوعيد اليميني، حسب الأمين العام للحزب الاشتراكي، الذي أوضح أنه سيقود بنفسه إدارة التحضيرات للانتخابات التشريعية علي مستوي الحزب الاشتراكي.
من جهتها بدأ زئير التنظيمات النقابية والعمالية يرتفع ملوحة للرئيس الجديد أنها لن تبقي مكتوفة الأيدي في حال المساس بمصالحها. بعيد الإعلان عن فوز ساركوزي كانت الرابطة الشيوعية الثورية وحركات أخري من أقصي اليسار قد دعت إلي المقاومة دون توضيح طبيعة هذه المقاومة، مما أدي إلي الاشتباه فيها بالوقوف وراء أعمال الشغب في عدد من وسائل الإعلام. في هذه الأثناء يقضي نيكولا ساركوزي الفائز بنسبة 53.06 بالمئة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية عطلة في جزيرة مالطا برفقة زوجته وأحد أبنائه ابتدأها الاثنين وستدوم بضعة أيام في انتظار تسلمه مهامه في 16 ايار (مايو). فيما تتداول أخبار في الوسط السياسي والإعلامي الفرنسي أن فرانسوا فيون سيكون رئيس الحكومة المقبلة، وأن هذه الأخيرة ستنفتح حتي علي شخصيات من اليسار تُكلف بحقائب وزارية.
أما الحزب الاشتراكي فقد اختار توحيد الصفوف في الظرف الحالي بدلا من تصفية الحسابات بين مختلف فيلته وحساسياته لمواجهة تحدي التشريعيات، فيما يبدو أن الوسطي فرانسوا بايرو الذي يستعد لتأسيس حزب جديد أسماه الحزب الديمقراطي سيواجه مرحلة صعبة في الأشهر القادمة قد تطغي عليها الانشقاقات التي يُتوقع أن يغذيها الرئيس الجديد الذي، حسب العديد من الملاحظين، لن يغفر له موقفه خلال الرئاسيات.