بعد الاستعمار الفرنسي لسورية تنافست كل من بريطانيا وأمريكا على سورية، فتارة استلمت بريطانيا زمام الأمور هناك، وتارة أخرى أمريكا. كان ذلك عبر الانقلابات العسكرية، ورغم وقوف فرنسا الى جانب سورية في وجه الضغوطات الأمريكية، ووقوفها أيضا ضد التحضيرات الأمريكية لغزو العراق، وبفعل تطابق المواقف السورية الفرنسية، الا أن سورية لم تعير ذلك أي اهتمام. الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك فتح أبواب بلاده وأوروبا على مصراعيها امام السوريين، بالإضافة الى دور شيراك في محاولته منع ادراج حزب الله اللبناني على لائحة المنظمات الارهابيــــة، وقد قدم شيراك كل الدعم الممكن للقضايا العربية على حساب علاقاته الاوروبية والامريكية والاسرائيلية، اذن الدعم المعنوي لسورية من قبل فرنسا شيراك ذهبت ادراج الرياح بعدما ذهبت عقود النفـــط والغاز الطبيعي واعادة الاعمار التي وعدت بها الشركات الفرنسية الى شركات بريطانية وامريكية، فكانت فرنسا في نظر سورية قـــــوة دولية عادية لا حول لها، بعد ذلك تحولت العلاقات بين البلدين من احتضان الى نفور، كانت لفرنسا اسبابها الخاصة على الصعيد الداخلي والخارجي، على الصعيد المحلي يتمثل في عدم مضي السلطات السورية في مسار الاصلاح الاداري والديمقراطي، اما الاسباب الاقليمية فتعود الى الضغوطات التي مارستها لبنان على فرنسا، وقد تركزت تلك الضغوطات على عدم تدخل سورية في لبنان.
السياسة الفرنسية حيال سورية جعلتها تدخل، أي فرنسا المحرك الرئيس في صدور قرار رقم 1559. ففرنسا هي فرنسا بمصالحها ورؤيتها الاستراتيجية، الرئيس ساركوزي صديق اسرائيل ومتهور يفكر بنهج المحافظين الجدد في امريكا، فيعتبر ساركوزي اكثر الفرنسيين تعصبا لاسرائيل والولايات المتحدة الامريكية وحلف شمال الاطلسي، لقد تحسنت العلاقات بين وسورية وبريطانيا في السنوات الاخيرة، في عودة بشار الاسد الى المجتمع الدولي على الرغم من ان لندن لا تتوقع كثيرا من دمشق، الا ان السياسة الخارجية البريطانية اتجهت بالتطبيع التدريجي بالموازاة مع الجمهورية الفرنسية. حينما تولى الاسد حكم سورية تفاءل الكثيرون في بريطانيا على اعتبار ان الاسد الابن درس في بريطانيا وتزوج فتاه سورية مولودة في بريطانيا وقد توقعوا انه سيكون مختلفا عن ابيه، وان ينتهج الاسلوب الغربي في الحكم. السفير البريطاني السابق في سورية ديفيد هوغر كان يتوقع ان سورية مقبلة على ربيع سياسي، ولكن ممانعات سورية وعدم تكيفها مع المعطيات الاستراتيجية في المنطقة وتنفيذ الاصلاحات الهيكلية الداخلية والعودة الى وضعية الدولة الاعتيادية في المنطقة جعلها تهرب الى خارج السرب الفرنسي خاصة والاوروبي عامة، فالعودة الى العلاقات السورية الفرنسية ابان حكم الرئيس الاسبق فرانسوا ميتران يلاحظ ان ثمة تغييرا واضحا في العلاقة بين البلدين، فزيارة ميتران لسورية كانت وقتها عرضة للوم والعتاب، وخصوصا ان الزيارة اتت بعد سنوات قلائل من اغتيال السفير الفرنسي لوي دولامار في لبنان، وقد اشير باصابع الاتهام وقتئذ لسورية. خلاصة القول ان الاحداث الجارية في سورية اليوم قد تفذف البلد الى الحضن الاوروبي وهذا ما تخشاه امريكا وحليفتها اسرائيل، نلاحظ ان دور امريكا في الاحداث الاخيرة متذبذب في ظل تنافس اوروبي امريكي على سورية، فالسؤال الذي يطرح نفسه من يضحك اخيرا.
فتحي احمد