فريدا كالو… أيقونة المكسيك المعذَّبة وامرأة بألف جناح

ميشيل سيروب
حجم الخط
0

ما زالت مسيرة الفنانة فريدا كالو تُلهم الكثير من الكتاب والنقاد والسينمائيين للبحث في تاريخ المكسيك السياسي والثقافي المعاصر. فريدا: جزء من تاريخ الفن المكسيكي هذا في الشأن العام، أما في تفاصيل حياتها الخاصة، حياتها مُثيرة وجديرة بالتقصي. تأرجحت علاقة فريدا مع دييغو ريفيرا بين القبول والرفض: هيام وجفاء، وطلاق، ثم زواج من جديد. ينطبق عليهما قول زُهير: لَعمروكَ والخطوبُ مغيراتٌ وفي طول المعاشرة التقالي. والمُعطى الآخر الذي لا يمكن تجنبه في مسيرتها الفنية، علاقتها الحميمة والخاطفة مع رمز الثورة الدائمة: تروتسكي (1879- 1940). في المعرض الضوئي المستمر في بروكسل ثمة صور ووثائق جديدة عن حياة ومسيرة فريدا المتشابكة. ثمة عاملان صاغا مفهوم السعادة في حياة فريدا كالو: 1- ثورة واستقلال المكسيك عام (1910) بقيادة زاباتا 1879 ـ1919. 2 ـ والدها المصور والنحات المعروف جييرمو كالو 1882 -1942.
وثمة عاملان آخران كانا سبباً لشقائها: 1 ـ الحادث الأليم الذي تسبب لها بإعاقة دائمة وحرمها من الإنجاب. 2 – زوجها ورفيق دربها الفنان العالمي دييغو ريفيرا (1886- 1957). ذات يوم، قصتْ شعرها حزناً على نزواته، وهي عادة تمارسها النساء في بعض البلدان العربية أيضاً، بل فكرت بالانتحار أكثر من مرة، جراء تصرفاته. على الرغم من كل ما قيل عن علاقتهما وكل ما كُتب عنهما، ما زال هذا الثنائي يشكل أشهر معلم ثقافي في تاريخ الفن المكسيكي الحديث. فريدا كالو فنانة تشكيلية متمردة حياتها زاخرة بالنشاط السياسي والفني. حققت حضوراً عالمياً بفضل رؤيتها الجريئة وتميزها بتجسيد ثقافة المكسيك في لوحاتها وروعة ألوانها، التي تُترجم تنوع عناصر جمال الطبيعة التي كانت شغوفة بتفاصيلها ومكوناتها المتعددة.

طفولة سعيدة!

فريدا من مواليد عام 1907، لأب يعمل مصورا ونحاتا من أصول ألمانية-هنغارية، وأم من أصول إسبانية ومن جذور عائلية تعود للسكان الأصليين. كانت فريدا تميل نحو والدها لِما لاقته من عطف ورعاية ودعم من هذا الأب المثقف والواثق من موهبة ابنته، ويعود الجفاء الحاصل بين الأم وفريدا لعدم قدرة الأم على الاهتمام وإرضاع ابنتها، لأن العائلة رُزقت بمولود جديد، وتمَّ إيداع فريدا لدى امرأة من السكان الأصليين لتنشئتها وتربيتها. جسدتها فريدا في لوحة تبين
عمق العلاقة بين السكان الأصليين ومصادر الحياة كجذور الأشجار والينابيع. كتبت فريدا في يومياتها عن أبيها بحب كبير وكانت تجد فيه القلب العطوف الذي استطاع أن يؤمن حياة كريمة وميسورة لعائلة كبيرة، رغم داء الصرع الذي عانى منه. جسَّدت فريدا والدها بلوحة تُعد من أجمل اللوحات مع كاميرته التي كانت مُرافقة له باستمرار. ورغم الكسل الوظيفي في قدمها اليمنى، استطاعت فريدا تجاوز أزمتها النفسية وهي في سنواتها الأولى في المدرسة الابتدائية عندما كانوا ينادونها «العرجاء»، حسب مدونتها اليومية. فريدا نمت وترعرعت على وقع التغييرات الجذرية في مجالي المجتمع والثقافة، بعد الإطاحة بالاستعمار الإسباني ووكلائه المحليين. نجاح ثورة الفلاحين أتاح تجديد المكسيك اجتماعياً وسياسياً، أما البيت الأزرق الذي ترعرعت فيه فريدا وعائلتها فقد أصبح متحفاً يحفظ متعلقات ولوحات فريدا وبعضا من متعلقات أفراد العائلة.

دييغو ريفيرا

فنان عالمي يُعد من أشهر فناني الجداريات في القرن العشرين، ذلك القرن الذي شهد انتصار ثورات الشعوب على الكولونيالية والديكتاتوريات والقيصرية في روسيا. كان ريفيرا ثورياً مُناصراً لقضايا العمال وداعماً لنضال شعبه
في المكسيك، مُساهماً بنشاط في ثورة المحرومين ضد ملاكي الأراضي الكبار آنذاك. كان ريفيرا ذا تجربة زواج فاشلة عندما التقى بفريدا، لذا يعتبر بعض النقاد أن زواجهما كان على خلفية أيديولوجية، لقد انبهرت فريدا بدييغو وسلمت كل مقادير حياتها لهذا الزوج، الذي لم يكن مرغوباً فيه من العائلة، لقد صرحت أم فريدا على الملء: لا يمكن أن تنجح علاقة زواج بين الفيل واليمامة. وكأنها كانت نبوءة من الأم، لم يكن دييغو زوجاً وفياً ولا أميناً كما كتبت عنه فريدا، على الرغم من الافتراق والنزوات العابرة، جددا زواجهما مرة أخرى. وقف دييغو إلى جانب فريدا ودعمها في سفرها لأمريكا، ولازمها بعد أن عاودها المرض والإعاقة حتى رحيلها النهائي بعد معاناة وآلام تمت معالجتها بالمورفين، حسب طبيبها الخاص.

تروتسكي والمنفى

خضعت روسيا والاتحاد السوفييتي لقبضة ستالين، بعد أن قضى على كل خصومه السياسيين من اليمين واليسار، وتم نفي تروتسكي لآلما آتا عاصمة كازاخستان، بعد أن طُرد من الحزب عام 1927، لم يسعفْه بناء الجيش
الأحمر ولا النصر في الحرب الأهلية على أنصار القيصرية. أدرك تروتسكي بفطرة الخبير أن بطش الرفاق أشد مضاضة من ظلم القيصر. تعرض تروتسكي لنفي متكرر إلى سيبيريا، ونجا من الاعتقال القسري في زمن القياصرة، أما اليوم في عهد ستالين فما عليك إلا تذكر ما قاله بشارة الخوري: ألجمْ لسانك ألجم فالموت للمتكلم.
كانت تركيا وجهة تروتسكي الأولى برفقة زوجته، ضيَّقت عليه حكومة آتاتورك الحركة، وكانت تراقب نشاطه عن كثب. عاش تروتسكي في شبه عزلة عن الصحافة والمثقفين، كانت الشرطة السِّرية تلازمه في تحركاته اليومية، حتى نُفي لجزيرة معزولة تمهيداً لترحيله لفرنسا. في باريس، لم تشأ الحكومة الفرنسية افتعال الخصومات مع موسكو، بعد توقيع اتفاقيات تعاون، وطلبت من تروتسكي الرحيل. كانت أوسلو الوجهة التالية لتروتسكي ولم يكن الحال أفضل من سابقيه، كانت ظلال ستالين مهيمنة على القارة الأوروبية وقتذاك. كتب تروتسكي في مذكراته: «مُنعتُ حتى من المشي في الهواء الطلق». تم ترحيل تروتسكي وزوجته من النرويج على متن باخرة نفط، وهي إهانة للقائد الأممي، إلى المكسيك في عام 1936، هناك بدأ نشاطه السياسي وعمل على تأسيس الأممية الرابعة، كبديل فكري وسياسي للكومنترن، وحينها قال كلمته الشهيرة: «الاتحاد السوفييتي أصبح دولة عمالية منحطة». كان قرار الإعدام قد صدر من الكرملين، بعد محاولتين فاشلتين لإسكات تروتسكي تكللت محاولة «الرفيق» العميل السوفييتي رامون ميركادير (كُرم بعد عشرين عاماً بتقليدهِ وسام لينين) النيل من باني نهضة روسيا ومن أخلص منظري الثورة الدائمة.
في مَعرِض إقامة تروتسكي بمنزل فريدا، ما زال الكثير يُقال ويُكتب عن تلك الجزئية من حياة كليهما: بين من يعتبر العلاقة «العابرة» بين فريدا وتروتسكي نزوة صبيانية من فريدا ضد دييغو، بعد أن حطم روحها بعلاقات متعددة غير شرعية، ومن يُدين القائد العمالي والمنظر الماركسي على هذه الهفوة في مسيرته النضالية. أهدت فريدا لتروتسكي بورتريه يجسد روحهَا المقاوِمة للعواصف التي ألمت بها، وكتبت عليه إهداء خاص. كتب تروتسكي في مذكراته «لا أستطيع أن أنكر بأن حياتي كانت منتظمة دائماً، لكن يجب البحث عن الأعذار في الظروف التي عشتها. ينبغي القول إن بعض العلاقات الشخصية الفارقة كنت قد ارتكبتها سواءً كانت إيجابية أم سلبية».

فريدا والسريالية
في زيارته للمكسيك حسم أندريه بروتون (1896- 1966) الجدل الدائر عن المدرسة التي تنتمي إليها فريدا. كتب بروتون مؤسس المدرسة السريالية «تعتمد السريالية على الحلم والكوابيس والاضطراب العصبي، فريدا تعتمد الخطوط المستقيمة وهذا يتعارض مع مذهب السريالية الطليعي». وغير خافٍ على النقاد تأثر فريدا بالفنان الإيطالي مودلياني (1881- 1920) الذي يعتمد الواقعية في الرسم وهو بدوره خارج كل تصنيف مدرسي. رغم أن المعاجم الفنية والقواميس تُعرِّف فريدا كفنانة تُقارب السريالية، لكنها كانت تقول عن نفسها « تقبلوني كما أنا»، ولم تعلن عن نفسها بأنها كانت ذات يوم فنانة سريالية. تُعد فريدا أكثر فنان رسم البورتريه (الفنان بريشته ورسمت شخصيات أخرى أيضاً) من بين الفنانين والفنانات مع رموز من ثقافة المكسيك. لا تخلو لوحة لها من الببغاء أو القرد أو الحصان أو رموز من الطبيعة كالأغصان وأوراق الشجر والثمار.
تُعتبر لوحة « النواة» أهم عمل في مسيرة فريدا، اللوحة تسلط الضوء على تاريخ الفكر الإنساني وعلى بعض الرموز الدينية والأساطير القديمة من حضارة المايا وحضارة المكسيك، مع حضور طاغٍ للسكان الأصليين حتى ثورة أكتوبر/تشرين الأول مروراً بماركس وأنجلز. لوحة «فريدتان» ما زالت مصدرا لدراسة فكر وانتماء فريدا لعالمَين: العالم الغربي الحديث (تأثير الثقافة الإسبانية) وفيها ترمز لنهضة المكسيك بعد ثورة الفلاحين. ثانياً: العالم المتجذر بالأصالة وعمق التراث المحلي برؤيتها الفلسفية نحو الماضي الغني برموزهِ ودلالاتهِ.
في رحلتها لباريس التي عرضت فيها لوحاتها بتشجيع من أندريه بروتون، لم تستهويها المدينة بعد أن عايشت السرياليين عن كثب. كتبت لاحقاً عن باريس وسكانها «لا يمكنني العيش هنا، أصبحتُ أكره هذا المكان- باريس- وسكانه». كانت ساخطة على اللامبالاة التي قُبلتْ بها، علماً بأن متحف اللوفر احتفظ بلوحة واحدة من لوحاتها.
أخيراً، لا بُدَّ من الإشارة بأن لا فريدا ولا دييغو كانا تروتسكيَين، استقبالهما لتروتسكي وزوجته يُعزى لكرم دييغو وفريدا وروحيهما المنفتحة على الفكر الطليعي، بعد أن افترقا عن الستالينية وتبنيا موقف التروتسكيين من الحرب الأهلية الإسبانية، الموقف الذي كان أنبل من موقف الشيوعيين الموالين
لموسكو.
13 يوليو/تموز من عام 1954، كان يوم حداد لعشاق ومحبي فنانة عالمية تركت إرثاً غنياً من لوحات الطبيعة الصامتة والتأمل بعد أن أجبرها المرض والإعاقة على الاِلتزام بسريرها. كانت كلماتها الأخيرة عزاءً لكل أصدقائها ومحبيها « لستُ بحاجة لقدميَّ طالما نبتت لي أجنحة».

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية