فريدريك نيتشه… دون جوان المعرفة

يتأخر الاعتراف بأصحاب الأفكار الرائدة ويعاني هؤلاء في زمانهم وينبذهم المجتمع، وقد يتعرضون لملاحقة السلطات المحافظة، هذا كان قدر معظم المفكرين والفلاسفة الذين نفضوا الغبار على العقليات الراكدة، وأضاءَت طروحاتهم العُتمة والمجهول في حركة التاريخ، ولئن ضاق الخناق على أصحاب المشاريع الجديدة في عصرهم، فإنَّ التحولات اللاحقة تؤكد عبقريتهم وجدارة رؤيتهم، طبعاً أنَّ فريدريك نيتشه يأتي في طليعة الشخصيات الفكرية المؤثرة في مسار تطور الفكر الفلسفي، ولا ينسحبُ مؤلف «هكذا تكلم زرادشت» من على مسرح التاريخ، إذ ما قدمهُ أقطاب المدرسة التفكيكية ما هو إلا امتداد لنظرته حول استحالة الوصول إلى الحقيقة، وهو يقول في رسالته إلى أخته «إذا رغبت في تحصيل راحة البال والسعادة فعليك بالإيمان، أما إذا رغبت في أن تكوني من مريدي الحقيقة عند ذاك عليك بالبحث». أكثر من ذلك فإنَّ المفكر والروائي الفرنسي ألبير كامو استلهم آراء نيتشه، واقتنع على غرار فيلسوف الريبة بأنَّ الانشغال بالميتافيزيقيا لا طائل منه، بل يشبه نيتشه معرفة بهذا العالم بمعرفة بحّار يواجه تحطيم سفينته في عرض البحر لتركيبة الماء الكيميائية، تجد صدى هذه الفكرة في رواية «الطاعون»، أضف إلى ذلك إنَّ مروق كامو من طوق الأيديولوجيا يذكرك بالأطوار التي مرَّ بها نيتشه بدءاً من تأثره بشوبنهاور، ثم ولائه لفاغنر حيثُ اعتبر موسيقاه «فعل الخلاص من دناءة هذا العالم»، مروراً بتأثره ببول ريه، إلى أن يتمردَ على من وصفهم بالأساتذة والمثل العليا، ويثور على العقل والعلم، معلناً أنَّ الجنون وحده يعبدُ الطريق للأفكار الجديدة، التي حطمت الخرافات وعادات التقديس، كما تبنى جورج برنادشو بدوره مفهوم الإنسان الأعلى، وتقاطعت رؤيته لصيرورة الأفكار مع نيتشه، ففي رأي شو أنْ تتخذُ الفكرةُ شكل العقيدة حتى تتجمد. لا تنفصل فلسفة نيتشه عن ظروف حياته وخيباته المتتالية على الصعيد العاطفي، وسئمه من قيد العائلة. يتناولُ الكتاب الذي صدر حديثاً بعنوان «أنا عبوة ديناميت» من تأليف الكاتبة الإنكليزية سو بريدو، مفاصل محورية في حياة نيتشه وتكوين أسرته وعلاقته بالأصدقاء وألمعيته في دراسة علم الفيلولوجيا، إلى أن يبدي تبرمه منه، إضافة إلى رصد صداقاته المُتقلبة ودور المرأة في تركيبة شخصيته، وانعكاس أزماته العاطفية على صحته. وتتوقفُ الكاتبة عند اهتمام نيتشه بالموسيقى التي اعتبرها تصحيحاً للحياة.

بدايات

نشأَ نيتشه في بيئة متدينة، كان أبوه قساً وما مرَّت إلا ثلاث سنوات على ولادته، حتى توفي كارل نيتشه بعد إصابته بمرض الأعصاب، وهذا الحدث ألقى ظلاله على حياة الابن على أكثر من مستوى، إذ تدور شبهة الجنون حوله في السنوات اللاحقة باعتباره وريثاً لمرض شائع في العائلة. أرادت الأمُ فرانشيسكا حماية ابنيها من الأجواء الكئيبة التي سادت في البيت، إذ أنَّ وجود إيردمث جدة نيتشه، زاد من قتامة الظروف الأسرية، وأقامت فرانشيسكا في أسوأ غرفتين، ولم تتمكن من الاستقلال، رغم المعاش التقاعدي للأرامل، الذي كانت تتلقاه. يمضي كثير من الوقت فتنتقلُ الأسرةُ إلى «ناومبورغ» التي كانت مدينة مخيفة بالنسبة لنيتشه وأخته، فمن الصعب الخروج من الريف والانغماس في مناخ مدينة كبيرة، غير أنَّ نيتشه يدرك طبيعة ناومبورغ، مع تعاقب الأيام، إذ شهدت المدينة صحوة عقلانية وأصبح الدين والمباديء الكاثوليكية أقل تأثيراً على نمط الحياة، وما لفت اهتمام نيتشه في تلك المدة الزمنية، هو حرب القرم.
تابع ابنُ القس مع أصدقائه الأخبار الواردة من الحرب، فصرف فلوسه لشراء ألعاب على شكل جنود، وانهمكَ برفقة أقرانه على الخرائط، صنعوا نماذج لساحات القتال، وفي غضون ذلك كتبَ نيتشه مسرحيتين، وأقنع صديقيه وأخته بالمشاركة في التمثيل أمام الأسرة. وما كان يتمتعُ به الطفل النابغ من الذكاء الحاد والدقة في الكلام، أسبغا عليه الخصوصية، فضلاً عن قصر النظر الذي حد من علاقته مع أترابه في المدرسة، إذ وصف بالقس ما أثار غيظه.

عاش نيتشه حياةً صعبة وقاسية غير أنَّه كان متأكداً بأنَّ مجده آتٍ مع المستقبل، إضافة إلى إعجابه بكل من هولدرلين وستاندال وشوبنهاور

نيتشه والموسيقى

كان نيتشه شغوفاً بالموسيقى منذ صغره لدرجة أحبها أكثر من الكلام، واقتنع أفرادُ عائلته بأنه سيصبحُ موسيقيا، كما تميز بهدوئه وهو طفل، بحيثُ لم يسمح كارل لودفيغ نيتشه لغير ابنه بالتواجد في مكتبه أثناء انكبابه على أعماله في الأبرشية. يذكر أنَّ والد فريدريك تفوق في العزف، واشتغل أسلاف نيتشه في المهن الحرة، إلى أن نقل جده العائلة نحو المسلك الكنيسي. ورفع مكانته عندما تزوج بإيردمث كراوس، ابنة رئيس الشمامسة.
لا يصحُ الحديثُ عن نيتشه، بدون تأمل دور فاغنر في شخصيته، إذ يكشفُ مؤلف «فالكيري» بينما كان طالباً في المدرسة يقول نيتشه «كان يمكن لمرحلة شبابي أن تكون كريهةً، لولا موسيقى فاغنر». تطورت العلاقة بين قطبين، وكان نيتشه ضيفاً مرحباً به لدى أسرة فاغنر تريبشن، فالأخير أعجبَ بشخصية نيتشه منذ اللقاء الذي جمع بين الاثنين في قصر بروكهاوس. حققت فرانشيسكا رغبة ابنها وهو طفل عندما اشترت له بيانو، وعلمت نفسها العزف حتى تعينه على تنمية ذائقته الموسيقية. ويعودُ فضل حماية ما ألفه نيتشه من الألحان إلى أمه وأخته، اللتين احتفظتا بكل ما كتبه الطفل المعبود. يذكر أنَّ نيتشه كانت له حظوة كبيرة لدى إليزابيث وفرانشيسكا، وقد مثل كل شيء بالنسبة لهما. مع ما يكتنفُ أجواء البيت من التدين والتمسك بالطقوس الدينية، لكن بذور التمرد على المقدس نمت لدى نيتشه وهو في الثانية عشرة من عمره. يلتحقُ نيتشه بمدرسة بفورتا، وكان يردد «بفورتا بفورتا كل ما أحلمُ به بفورتا» مبنى المدرسة أنشيء في الأصل ديراً تزامن دخول نيتشه إلى النظام التعليمي مع إجراء التعديلات في هذا السلك، وقادَ فيلهلم فون همبولت ثورة على هذا الصعيد. طبائع شخصية نيتشه تظهر مع مضي الوقت، فيما ينشرُ مقالا مدرسيا عن شاعره المفضل هولدرلين، ينصحه معلمه بأن يلتزم بشعراء أكثر وضوحاً ومقبولية، وارتباطاً بهويتهم الألمانية. تمرُ نصيحة المعلم كما غيمة الصيف، ويكتبُ عن إمبيدوكليس على غرار هولدرلين، فكان إمبيدوكليس وفقاً لماورد في الأسطورة، قد وضع حدا لحياته بالقفز فوق فوهة البركان، متوقعا بأنَّه سيصبحُ إلهاً.
ينضمُ نيتشه إلى الخدمة العسكرية ويتلقى دروساً عن ركوب الخيل، غير أنَّ هذه التجربة كانت متعثرةً ويتهشم صدره نتيجة سوء تقدير المسافة، عندما وثب إلى ظهر الحصان وبعدما يتعافي من الجروح يباشر العمل في نشاطاته الأكاديمية، ويصبح أستاذاً في جامعة بازل، أوصى ريتشل بتلميذه النابغ.

سياط نيتشه

ساد الاعتقادُ بأنَّ نيتشه عدو للمرأة، وأصبحت عبارته «لا تنسَ السوط وأنت ذاهب إلى المرأة»، حجةً عليه وذهبَ البعضُ إلى أنَّ فشله العاطفي وكراهيته للبيئة الأسرية المطبوعة بالسلطة النسوية هو السبب وراء هذه الخصومة، وأضاف الأخرون عاملاً آخر وهو ارتياد نيتشه بيت الدعارة، ما أورثه الخوف من الإصابة بالسفلس، لكن ما خفي على هذا المستوى، أعظمُ كانت لنيتشه صديقات وتواصلَ مع كثير من النساء، صحيح أنَّ «لوسالومي» فاقت شهرةً على غيرها، ووصفها نيتشه بأنها كانت نداً له، أو أناه البديلة، على حد تعبيره، ودام الحديثُ بين الاثنين في إحدى المرات لمدة عشر ساعات، وتناولا مفهوم العود الأبدي، وعندما لا يفلح في إقناعها بالزواج تنتكسُ صحتهُ، ويقولُ في مقطع من شذراته بأنَّ المرأة لا تموت من الحب، لكنها تذوي بحثاً عنه.
والغريب في هذا الإطار أنَّ صاحب عبارة «أحب مصيرك» قد وصل لحالة بائسة يذكر في رسالته إلى أوفربيك وبتر غاست «إنَّ فوهة المسدس بالنسبة لي في هذه اللحظة مصدر أفكار ممتعة نسبياً». عدا سالومي أعجب نيتشه بكوزيما التي اتصفت بشخصية جذابة، وصاحب المرأة الإيطالية مالويدا وريزا فون شر نهوفر، فالأخيرة كانت طالبة دكتوراه ما أن رأت نيتشه حتى تبددت شكوكها حول شخصيته، أكثر من ذلك وقع نيتشه في حب لويز أوت، التي تعرف عليها في مهرجان بايروت، ويغضبُ على نفسه لأنه لم يبق في ميلان من أجل راقصة بالية صادفها في محطة القطار، تستفيضُ سو بريدو في تناول الجانب العاطفي في شخصية نيتشه ومواصفات المرأة التي تكسبُ ثقته.
عاش نيتشه حياةً صعبة وقاسية غير أنَّه كان متأكداً بأنَّ مجده آتٍ مع المستقبل، إضافة إلى إعجابه بكل من هولدرلين وستاندال وشوبنهاور، وقد صعقَ بدوستويفسكي، وعندما يقرأُ «منزل الأموات» يقولُ «إبن بيتك قرب فيزوف» وما يجدر بالذكر أنَّ هذا الكتاب يغطي حياة نيتشه بكل أبعادها الفكرية والاجتماعية والتاريخية إذ لا تتجاهل المؤلفة المرحلة التاريخية التى عاش فيها مؤلف «أفول الأصنام» وما يضيفُ مزيداً من الأهمية إلى هذه السيرة هو تتبعُ مؤلفات نيتشه ودراسة العلاقة بين أسلوبه في الكتابة ومعاناته الصحية.

٭ كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية