سعيد محمد سعادة
عند جلوسك أمام شاشة التلفاز، هروبا من ضغط الواقع اليومي وأعماله الشاقة، تصيبك حالة من الحيرة المربكة، وذلك بسبب كثرة القنوات الفضائية، وما تعرضه من حشد هائل للبرامج والأعمال التلفزيونية المنوعة، وخاصة المسلسلات الدرامية، ذات التوجهات المختلفة في مضامينها، والمتعددة في أساليب طرحها لهذه الأعمال والبرامج، ولكنك، وبالرغم من ذلك، وفي زحمة هذه الثورة التلفزيونية بعروضها الكوكتيلية، كثيرا ما تنشد لهذا البرنامج أو ذاك العمل في تلك القناة أو المحطة. وذلك لوجود شيء ما يثير انتباهك ويستفز مشاعرك تجاهه دافعا اياك للمشاهدة، بل المتابعة الدقيقة لما يعرض هنا أو هناك.
وهذا ما حصل لي، عندما كنت اشاهد التلفاز في احدي الليالي، حيث كانت واحدة من هذا المحطات التلفزيونية تقوم بعرض المسلسل السوري (الوزير وسعادة حرمه) وكان في بداية حلقاته الأولي، اذ أجبرني علي مشاهدته حتي آخر دقيقة من حلقاته الثلاثين باهتمام بالغ، منتظراً ساعة بثه علي هذه المحطة لحظة بلحظة، حتي لا يفوتني من احداثه أي شيء علي الاطلاق.
فالمسلسل ـ حسب وجهة نظري ـ والانطباع الشخصي الذي خرجت به بعد انتهاء مشاهدتي له ـ جدير بالمشاهدة، ويستحق الاهتمام والتقدير، وذلك ـ طبعاً ـ لطرحه الموفق والناجح لرزمة من الاحداث مغلفة بأسلوب فني، تمتزج فيه التراجيديا بالكوميديا (التراجيكومك)، أو بمعني أكثر دقة وتحديداً (كوميديا سوداء)، هذه الأحداث تبدأ ـ في المسلسل ـ من عائلة بسيطة (عائلة حمدي المكتوي) المكونة من اب وأم وابنة وولدين، ثم اخت الاب وخاله، وصهري الأب (زوج الأخت وخطيب البنت). حيث تتعرض هذه العائلة، بحكم فقرها وقلة حيلتها، لموجات من الأزدراء والتهميش. وعدم الحصول علي ابسط حقوق المواطنة، في مجتمع مبني علي النفوذ السلطوي والمحسوبيات الفاسدة، المتحكمة في كل مرافق الدولة ومؤسساتها. هذا من حيث عمومية الضغط المعيشي / الاجتماعي الواقع علي العائلة، بل المجتمع بشكل عام والمتمثل بفساد السلطة وسوء ادارتها الرسمية منها وغير الرسمية، مما أوصل هذه العائلة، وعائلات كثيرة مثلها في الدولة، الي وضعية الفقر وقلة الحيلة كما اسلفنا، والامثلة التي تدل علي هذا التوجه في احداث المسلسل كثيرة، منها علي سبيل المثال لا الحصر.
أولا: تتعرض العائلة (عائلة حمدي المكتوي) للخروج من البيت الذي تسكن فيه، من خلال مؤامرة يدبرها صاحب البيت، او دفع مبلغ ضخم لا تستطيع العائلة توفيره من اجل شراء هذا البيت.
ثانيا: المعاملة السيئة والجائرة التي تتعرض لها الزوجة في وظيفتها الحكومية من قبل مديرة المدرسة والمفتشين في الوزارة، حيث يتم نقلها من مكان عملها الي قرية بعيدة نائية بشكل تعسفي جائر.
ثالثا: طرد الزوج من احدي المؤسسات الحكومية، أثناء سؤاله عن البيت الذي من المفترض ان يكون صاحبه بعد مدة من الزمن، اثر مشاركته في جمعية للاسكان تقوم بها الحكومة. الي اخر ما هنالك من المواقف والاحداث التي جاءت في المسلسل لتبرز بوضوح جلي حالة الفساد والتسيب المبني علي المحسوبيات العفنة، والقائمة بدوائر الحكومة ومؤسساتها بشكل يدفع نحو الانحدار والتردي المجتمعي علي مستوي الافراد والجماعات في الدولة.
وكما يوجد ضغط عام، كما اسلفنا، واقع علي العائلة، فانه كذلك يوجد ضغط خاص واقع علي الزوج حمدي المكتوي (ايمن زيدان)، متمثل في الحاح زوجته أمل (رنا الأبيض) وخالهٌ عاصم (صباح عبيد)، وكذلك المعاملة السيئة والظالمة التي يتعرض لها في مؤسسات المجتمع ودوائره الحكومية، وعدم حصوله علي وظيفة ـ مع انه حامل لشهادة المحاماة ـ يعتاش منها. كل هذا قد شكل ضغطا كبيرا عليه. مما يكون بمثابة مبرر قوي له من اجل تسيير كثير من شؤونه الحياتية، وذلك من خلال موقعه في الحزب الذي ينتمي اليه الزوج، هذا الحزب الذي لم يسلم أيضا من دائرة الفساد و المحسوبيات. ومع هذا كله الا ان الزوج يرفض ذلك بشدة، معلنا باصرار قوي أنه لا يمكن أن يتخلي عن مبادئه وقيمه التي تنزع عنه صفة الصدق في وطنيته والانتماء الحق لشعبه ولمجتمه ان هو فعل ذلك، مهما كلفه هذا الأمر. أن الشيء الملفت للنظر ـ في هذا المسلسل هو قضية الصراع، اذ جاء الصراع مزدوجاً، مبنياً ـ في نفس الوقت، وعبر تناميه وتصاعده الدرامي ـ علي بعدين، مشكلا حبكة القصة والأحداث في المسلسل، فبعدٌ يتجسد في مشاكل العائلة، تلك المشاكل المتعلقه في تحسين وضع العائلة المعيشي، والخروج من الازمات التي تمر بها، خاصة الازمة علي المستوي المادي / المالي، ولو جاء هذا علي حساب القيم والمباديء التي يدعو لها الزوج، ويتمسك بها باصرار وثبات. حيث يمثل هذا الجانب الذي يدعو لهذا التوجه: الزوجة أمل وخال الزوج عاصم وصهر الزوج / زوج الاخت يحيي (أندريه اسكاف). أما البعد الاخر، فيتعلق بضغط المجتمع، وما فيه من استخدام للمحسوبيات والنفوذ السلطوي الفاسد. وتفاعل ذلك وتأثيره علي العائلة بشكل عام والزوج صاحب المبادئ والقيم بشكل خاص.
هذا الكلام ـ سالف الذكر ـ يتعلق بالثلث الاول من المسلسل، وتحديداً في حلقاته العشر الاولي، اما فيما بعد ذلك وعلي امتداد حلقات المسلسل المتبقية، فانه تحصل للعائلة نقلة نوعية علي مستوي النفوذ السلطوي والبعد الاجتماعي، وذلك يبدو لنا بوضوح عندما يصبح (حمدي المكتوي) في منصب وزاري لاحدي وزارات الحكومة، من خلال ترشيح الحزب له لهذا المنصب، وبهذا تتسع دائرة الضغط الواقعة علي كاهل الزوج / الوزير الجديد، اذ يعلن، ومن موقعه الوظيفي الجديد، تمسكه بمبادئه وقيمه بشكل اكثر قوة وثباتا من ذي قبل، وذلك عبر قيامه بمحاربة الفساد، والوقوف في وجه المحسوبيات المتكرسة في وزارته، رافضاً كل المغريات والاغراءات التي أصبحت بين يديه وملك يمينه ـ بحكم موقعه الوظيفي والنفوذ السلطوي الذي آل اليه، ومن قبل كثير من الفاسدين ممن حوله في وزارته، أو حتي خارجها من ذوي النفوذ والثراء الفاحش، هذا من جهة، ومن جهة اخري كذلك، فان دوامة الصراع الواقع علي الزوجه أمل، تزداد حدة وتصاعداً بحكم الوضع الاجتماعي الجديد، الذي آلت اليه، والمتمثل في كونها زوجة الوزير، صاحب النفوذ والسلطة، ولذلك فقد سعت بكل ما أوتيت من سطوة وهيلمان الي توظيف طاقتها وجهدها في خدمة مصالحها الخاصة ـ والتي تعتبرها هي مصالح العائلة، وبالأخص مصلحة زوجها الوزير ـ من خلال استغلال منصب زوجها ونفوذه الوظيفي، ضاربة عرض الحائط بكل المبادئ والقيم التي يدعو لها وينادي بها هذا الزوج ـ لتمرير مخططاتها ومؤامراتها من اجل تغيير واقعها الأسود والمليء بالمرارة والألم الي واقع أكثر ترفا ومفعم بالفرح والثراء، مما زاد هذا السعي الحثيث للزوجة في أتساع دائرة الضغط زيادة حدة الصراع علي الزوج أكثر فأكثر. ولعل ما فعلته الزوجة أمل من استغلال منصب زوجها، فعله الابن ـ ابن الوزير ـ غسان (محمد أوسو) بتدبير من المغنية في الكازينو الذي كان يتردد عليه الابن بحجة أنها تحبه. وكذلك ما كانت تقوم به أخت الوزير جيداء (شكران مرتجي) وزوجها يحيي، (أندريه اسكاف) في سبيل مصلحتها الشخصية اضافة الي ذلك تواطؤ كثير من الموظفين في نفس الوزارة التي يرأسها حمدي المكتوي علي أفعال السلب والنهب من أمثال: فتون، تمام، محسن، والمدير الاداري… الخ وكذلك تواطؤهم ضد الوزير نفسه مما أوقع هذا الوزير في كثير من المواقف المحرجة، حتي في النهاية قد تم تنحيته عن منصب الوزير، لنصل في نهاية المسلسل الي بيت القصيد الذي يريد العمل ان يقوله لنا. وذلك من خلال الاجتماع العائلي ـ في آخر حلقة منه ـ الذي وقف فيه الزوج /حمدي قائلا فيه لكل أفراد العائلة: من منا علي حق، انتم وما أردتم من الفساد والمحسوبيات، أم ما شئته أنا من المبادئ والقيم الاصلاحية للمجتمع؟ ثم بعد ذلك نستمع مع العائلة الي خبر ـ عبر شاشة التلفاز في البيت ـ مفاده: (تعيين حمدي المكتوي) وزيرا لاصلاح الفساد)، ليسدل الستار في المسلسل علي ابقاء الباب مفتوحاً للمشاهد علي الاختيار، من خلال كلمات مباشرة يخاطب بها (أيمن زيدان) هذا المشاهد بقبول هذا المنصب الجديد أم لا.
بقي أن نشير في نهاية ورقتنا هذه، أن المسلسل قد حقق نجاحا مميزاً، مشكلاً قفزة أخري من قفزات الدراما السورية علي مستوي الفكرة / المضمون، والأسلوب / الشكل، الذي أبدعه الكاتب ـ (محمد الجعفوري) كاتب العمل والمخرج القدير (سامر البرقاوي) ـ حيث تم وضع هذه الفكرة في قالب اجتماعي كوميدي ساخر، دخل مخليتنا به من باب الضاحك الباكي، فيما حقق ـ أيضا ـ نجاحاً علي صعيد الأداء التمثيلي لمجموعة الممثلين الذين شاركوا فيه، مثل المبدع ايمن زيدان والفنانة المتميزة رنا الأبيض والممثل القدير صباح عبيد، وأندريه اسكاف ومحمد حداقي ومحمد أوسو وجرجس جبارة وشادي زيدان وشكران مرتجي، حيث جسدوا أدوارهم ببراعة تدل علي تمكن واع لأسرار الحرفة الدرامية وعناصرها الفنية.
ممثل ومخرج مسرحي2