ما يحدث في مصر اليوم سيقرر مصير الشرق الأوسط لفترة طويلة. والأمور كما تسير الآن برهنت وبوضوح على أن سيطرة حركة الإخوان المسلمين على الحكم لم تؤد إلى أي تقدم إيجابي، بل ان استمرارها سيؤدي إلى كارثة اقتصادية واجتماعية وقومية .
وكما يقول مثلنا الدارج ‘إذا أرادت أن تمطر فستغيم أولا’. فخلال حكم الرئيس محمد مرسي لم يحدث أي تقدم يمكن أن يشير إلى تحرك يساعد على انتعاش الاقتصاد المصري، مما يستطيع أن يقنع الشعب المصري بأن حكومة الإخوان تعمل فعلا على السيطرة على الاقتصاد المتدهور، وتعمل على إيجاد فرص عمل ترفع من وضعه الاقتصادي، وهو الأمر الذي يساعد الإنسان المصري على الاقتناع بأن حكومة الإخوان مهتمة بوضعه ومساعدته في التغلب على الصعوبات الحياتية.
ولمن خانته الذاكرة نقول على سبيل المثال، ان الخطوات الأولى للرئيس جمال عبد الناصر، بعد استقرار ثورة 23 تموز/ يوليو 1952، هو الاعتناء بالسواد الأعظم من الشعب المصري، فقام بتوزيع الأراضي على الفلاحين، مما أدى إلى ارتفاع مستوى معيشتهم. ومن ثم اعلن عن تبني مشاريع اقتصادية ترفع من مستوى الاقتصاد المصري .
أما الهدف الأول للإخوان فكان السيطرة على البلاد ومحاولة إقامة الدولة الإسلامية المبنية على الشريعة، وبدأت محاولات تغيير في القيادات السياسية والعسكرية والقضائية والإعلامية وغيرها من مؤسسات الدولة، بحيث تكون خاضعة بشكل أو بآخر لأفكار وأيديولوجية الإخوان المسلمين السياسية، وبالتالي تحويل المجتمع المصري إلى مجتمع إسلامي متطرف.
وبدأ التركيز على وضع المرأة بصفتها الجناح العاجز في مجتمع الرجال، واصبح موضوع الحجاب الموضوع الرئيسي في الحوارات الدائرة، وكأنه الموضوع الأساسي الذي سيؤدي إلى تطور الدولة والاقتصاد والمجتمع في مصر.
وتمسك الإخوان بشعار ‘الشرعية’ لم يقنع الشعب المصري بقبول حكم الإخوان، وهو يرى بلاده تنهار اقتصاديا واجتماعيا، وحالته الاقتصادية زادت تدهورا فارتفعت اسعار المنتوجات والمواد الأساسية، وقلص استعمال التيار الكهربائي، وارتفع سعر الغاز، في الوقت الذي تقوم الحكومة المصرية ببيع غاز رخيص لإسرائيل، كما فقدت السيطرة على الشارع، وفقد الأمان واصبحت يد ‘البلطجية’ هي المسيطرة عليه. وفسر الشعب المصري كل ذلك بأن شعار ‘الشرعية’ يساعد على سيطرة الإخوان على الحكم.
وتطور الأمور أدى إلى تحرك الجيش محذرا من أن الأمور تسير في طريق قد يؤدي إلى انقسام الشعب، وهو أمر خطير. إلا أن رد الإخوان كان ‘اننا ندافع عن الشرعية’. وعبر عن ذلك عصام العريان، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، وهو الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، فقد نشر على صفحته في الفيسبوك أن ‘الشعب المصري لن يقف ساكنا في وجه تمرد عسكري. إن المغامرة الخطيرة بتمرد عسكري ليست مثل أي تمرد مدني، لأن نتائجها غير معروفة وأي مراهنة على هدوء الشعب سيؤدي إلى أن يخسر المراهنون كل الرهانات’. واعتبر هذا التصريح بمثابة تحريض على الجيش من جانب جماعة الإخوان المسلمين.
الأنظار الآن متوجهة نحو مصر تراقب التطورات الجارية، فمنطقة الشرق الأوسط تلعب دورا أساسيا إقليميا وعالميا. وفشل سيطرة الإخوان على مصر أدى إلى كسر مخطط الطوق لحكم الإخوان في ليبيا وتونس، وفشل في إسقاط النظام القومي في سورية، وفشل في الدفع إلى حرب أهلية في لبنان تجر حزب الله إلى داخلها، مما يؤدي إلى تحقيق أحد الأهداف الرئيسية لإسرائيل والولايات المتحدة. هذا الفشل زاد من قوة إيران في المنطقة، وهو عكس ما كانت ترمي إليه المخططات الإخوانية. كما أدى إلى فشل الموقف الأمريكي الذي كان مبنيا على أن نجاح الإخوان في ضرب الطوق المذكور بقيادة مصر سيؤدي إلى إضعاف إيران وإجبارها على الخضوع للشروط الأمريكية والغربية.
وتطور الأحداث في مصر يزعج إسرائيل كثيرا، حيث تعرف تل أبيب أن وقف المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر معناه إنهاء اتفاقية كامب ديفيد، وهذا معناه أن الحدود الجنوبية لإسرائيل ستكون مفتوحة، والدفاع عنها يحتاج إلى ميزانية خاصة. وقد أشارت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ في مقال لها قبل عدة أيام، نقلته صحيفة ‘اسرائيل اليوم’ (20/8/2013 ) أن سفراء إسرائيل لدى كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا ودول أوروبية أخرى أجروا اتصالات مع كبار المسؤولين في تلك الدول، للعمل على تقليص الأضرار التي قد تنجم عن مثل هذا التحرك.
كما أن هناك معارضة أمريكية داخلية لوقف المساعدات المالية لمصر، تترأسها شركات الصناعة العسكرية الأمريكية الكبرى. السبب يعود إلى أن المساعدات لمصر التي تبلغ مليارا ونصف المليار تصرف على شراء أسلحة أمريكية.
إن فشل مجموعة الإخوان المسلمين في مصر، هو انتصار للشعب المصري، ولكل شعوب المنطقة. والمساعدات العسكرية لمصر لن تؤثر كثيرا على حياة الإنسان المصري الاقتصادية، فمصر دولة غنية إذا ما تمكن الشعب من إيصال العناصر الشريفة إلى الحكم. فهناك مدخول من عائدات قناة السويس العالمية، ولديها من الغاز الطبيعي كميات كبيرة يمكن استغلالها في الأسواق العالمية، ولديها اراض زراعية ومياه تستطيع تغطية الأسواق المصرية إذا ما قامت على إدارتها أياد شريفة، وغيرها من المشاريع التي تساعد الاقتصاد المصري.
‘ كاتب فلسطيني