ايلي افيدارالى جانب العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية على طهران، تجري في السنوات الاربع الاخيرة حرب سرية على أرض ايران، تنتقل بالتدريج الى نشاط شبه عسكري. المنشورات الاجنبية، التي تتحدث عن وابل من دود الحواسيب، عن نقاط خلل غريبة، عن تفجيرات في منشآت عسكرية وأخيرا عن المس الجسدي بالعلماء والخبراء، تشير الى صورة واضحة: بين كل القوى العاملة على احباط البرنامج الايراني، قرر أحد ما بان الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية وحدها لن تجدي وبدأ يعمل بشكل مباشر وبقوة آخذة في التصاعد. لا يدور الحديث عن الولايات المتحدة. بعد تصفية مصطفى احمد روشان، نائب رئيس منشأة تخصيب اليورانيوم في نتناز في قلب طهران حرص الامريكيون على ابعاد أنفسهم عن هذه العملية بكل طريقة ممكنة. فواشنطن لا تزال تعتقد بان العقوبات الاقتصادية، اذا كانت شديدة بما يكفي، يمكنها أن توقف الايرانيين. وهذه هي خلفية الاحباط الاسرائيلي الذي أعربت عنه محافل سلطوية مختلفة هذا الاسبوع. في القدس لا يشاركون الايمان شبه الديني للامريكيين بالعقوبات. منذ نهاية الحرب الباردة، اصبحت العقوبات الاقتصادية أداة مركزية في ادارة النزاعات الدولية، وذلك لان شارة الثمن المرافقة لها أدنى من تلك المرافقة بعملية عسكرية مباشرة. الولايات المتحدة هي الرائدة في العالم في استخدام العقوبات: منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم فرضت عقوبات على ما لا يقل عن 45 دولة. غير أن التاريخ الامريكي بالذات يثبت أن أنظمة عاقة قادرة على أن تصمد بل وان تتطور في ظل العقوبات. المثال الابرز هو المقاطعة على كوبا، التي استمرت منذ 1960. رغم كل جهودها لم تنجح واشنطن في حمل مواطني كوبا على الاطاحة بكاسترو، وفقط صحة الطاغية الهزيلة أدت الى استبداله بأخيه رؤول. لاسرائيل أيضا تجربة غير ناجحة مع العقوبات كأفق عمل وحيد. فوز حماس في الانتخابات للسلطة الفلسطينية في 2006 وسيطرتها العنيفة على قطاع غزة أديا الى فرض عقوبات اسندت بحصار اسرائيلي على القطاع؛ وكان الامل ان يفهم الشعب الفلسطيني بنفسه الضرر الذي تلحقه به حماس فيعمل على تغييرها. ولكن بالذات بسبب الحصار اصبح سكان القطاع متعلقين بالحكم، واضطرت اسرائيل الى التوجه الى عملية عسكرية لوقف نار الصواريخ الى نطاقها. عمليا في كل واحدة من الحالات في تاريخ الشرق الاوسط، والتي تضمنت استخداما للعقوبات الاقتصادية كأداة لتحقيق أهداف سياسية، دون استخدام روافع اخرى، كان الضرر أكبر بما لا يقاس من المنفعة. في الشهر الماضي تكون مرت على قرار مجلس الامن 1737 ست سنوات، القرار الذي فرض عقوبات على ايران بما فيها عدم توريد المواد الخام، المعدات والتكنولوجيا لتخصيب اليورانيوم، للنشاط النووي والصواريخ الباليستية؛ حظر تصدير الوسائل القتالية الى ايران؛ تجميد الاملاك؛ قيود على حركة الاشخاص الايرانيين وغيرها. وتوجه الامريكيون الى تنفيذ المهمة بجدية، ولاحقا بدأوا أيضا يضغطون على البنوك والهيئات المالية بهدف تقييد العلاقات التجارية لطهران. في نظرة الى الوراء، واضح أن حماسة ايران لنيل سلاح نووي ازدادت فقط. من جهة اخرى، كانت الخطوات السرية التي اتخذت ضد البرنامج النووي هي التي نجحت في اعاقته، حتى وان لم توقفه تماما.
الاستنتاج من هذا التحليل التاريخي واضح: العقوبات وحدها لن تجدي، ويجب دمجها بنشاطات سرية مباشرة وبخيار عسكري جدي على الطاولة. أحداث الاسابيع الاخيرة تشير الى أن هناك من بات يفهم هذا.
معاريف 18/1/2012