تتجاذب العالم في هذا العصر المضطرب تيارات اقتصادية متضاربة، تتراوح بين العولمة والحماية، والاندماج والتفتت، والليبرالية والتسلطية. كما تتجاذبها تيارات من المصالح المتناقضة بين الدول والجماعات والأفراد. وبينما تعاني الدول الصناعية الغربية ومعها اليابان من ضعف معدلات النمو والركود، فإن الدول النامية السريعة التصنيع الكثيفة السكان مثل الصين والهند، والدول النامية الصغيرة مثل سنغافورة، والدول النامية الصاعدة مثل فيتنام وتايلاند وسنغافورة وكمبوديا استطاعت وما تزال قادرة على تحقيق معدلات نمو عالية، وتنويع اقتصادها إلى درجة ساعدت على زيادة تشابكها مع سلاسل الإنتاج والإمدادات العالمية.
هذا التضارب في التيارات والسياسات الاقتصادية يتجلى فكريا في توصيفات مختلفة لطبيعة نظم الإدارة والسياسات في العالم، فبينما يتفق مفكرو صندوق النقد الدولي تقريبا على فكرة أن الأزمة الراهنة في النظام الاقتصادي العالمي تنبع من «التفتت» الناتج عن الصراعات الجيوسياسية وسياسات الحماية الاقتصادية، فإن هناك مفكرين يردون الأزمة إلى طبيعة السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي يتبعها صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة والدول الصناعية الغربية عموما. ويعتبر داني رودريك المفكر الاقتصادي الأمريكي الأستاذ في جامعة هارفارد أحد هؤلاء الذين يردون أزمة الرأسمالية النيوليبرالية إلى فشل سياساتها، ونظرتها إلى كيفية التصدي للتحديات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد العالمي. ويقدم داني رودريك وجهة نظره في النيوليبرالية الاقتصادية في مقال مهم على صفحات عدد شهر اذار/مارس من مجلة «التمويل والتنمية» التي يصدرها صندوق النقد الدولي.
نقد النيوليبرالية الاقتصادية
يتناول رودريك في المقال التحديات الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد العالمي في مرحلة مضطربة، يتعين فيها إعادة النظر إلى طرق مواجهة هذه التحديات واقتراح حلول لها بعقلية عملية براغماتية وليس بالطرق التقليدية التي اعتاد الاقتصاديون وصناع السياسة الاقتصادية اتباعها. ويبدو أن الحلول التقليدية لمواجهة ظاهرة التضخم على سبيل المثال لا تلقى الشعبية الكاملة التي كانت لها، من حيث استخدام سلاح التشدد النقدي، كما كان الحال من قبل. كما ثبت أن التضخم الحالي هو أكثر تجذرا وأشد عنادا وأقوى حصانة ضد أدوية العلاج التقليدية التي دأب صناع السياسة الاقتصادية على اتباعها. وهو ما دفع أحد الاقتصاديين البارزين في العالم هو الدكتور محمد العريان إلى انتقاد السياسة التي يقودها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ضد التضخم، التي تمثل عبئا ثقيلا على النمو وزيادة القدرة التنافسية. وقد طالب العريان بتعديل نسبة التضخم التي يستهدفها مجلس الاحتياطي برفعها من 2 في المئة في الوقت الحالي إلى نسبة أعلى تمنح المجلس فرصة لتقليل استخدام سياسة التشدد النقدي. كذلك فإن وقوع الاقتصاد العالمي في مصيدة «النمو البطيء» يمثل ظاهرة تستحق الدراسة من جديد، لأن محاولات دفع معدل النمو في الدول الصناعية فوق معدل 3 في المئة تواجه صعوبات كبيرة، وما تزال معدلات النمو في الوقت الحالي أقل من المتوسط الذي كانت تحققه منذ ثلاثة عقود.
ويقول داني رودريك في مقاله أن المشكلات الأكثر إلحاحا التي يواجهها الاقتصاد العالمي تحتاج في هذا العصر المضطرب إلى حلول يتم تصميمها على قياس كل مشكلة منها يراعي كل الخصائص المحيطة بها، أو بمعنى آخر هو يدعو إلى التخلي عن منطق «مقاس واحد يناسب الكل» إلى منطق «مقاس مخصوص لكل مشكلة» اعتمادا على قواعد براغماتية عملية قابلة للتنفيذ ذات مصداقية. مقال رودريك ينطوي من الناحية النظرية على تجاوز للفلسفة «الليبرالية الجديدة» التي تتمسك بتقليص دور الدولة في مجالات تنظيم السوق، وتقليص حجم الاقتصاد العام، لصالح اقتصاد السوق. وقال إن السياسة المستمدة من هذه الفلسفة فشلت في عدد من الاختبارات المهمة خلال العقود الأخيرة؛ فهي أدت إلى زيادة حدة التفاوت في توزيع الدخل داخل الدول، ولم تفعل إلا القليل لترويج سياسة الانتقال في سوق الطاقة إلى الطاقة النظيفة، وأدت إلى أخطاء تنطوي على مخاطر فادحة في مجالات كثيرة تمتد من الرعاية الصحية إلى سلاسل الإنتاج والإمدادات العالمية، والقدرة على تحمل الصدمات الاقتصادية الطارئة.
الدول النامية الصاعدة
ويلاحظ رودريك أنه على العكس من نواحي القصور والفشل التي سجلتها الليبرالية الاقتصادية الجديدة فإن تلك الفترة نفسها شهدت إنجازات على نطاق الاقتصاد العالمي تضمنت تحقيق معدلات نمو قياسية في الدول النامية الصناعية، بما فيها على وجه الخصوص الدول الأكثر سكانا، في إشارة إلى الصين والهند والبرازيل، وتخفيض انتشار الفقر المطلق حول العالم. المفارقة هنا هي أن الدول التي حققت هذه الإنجازات لم تعلن أبدا أنها تتبنى سياسة الليبرالية الاقتصادية الجديدة. الصين على سبيل المثال اتبعت سياسة صناعية مستقلة، تشمل إصلاح المشروعات المملوكة للدولة، وتنظيم حركة وأنشطة رؤوس الأموال، وتوسيع نطاق السوق وتحريرها أكثر فأكثر، وابتكار أنظمة مختلفة لإدارة النظام السعري، والنظام النقدي، وتنويع الإنتاج، وخلق توازن بين احتياجات تنويع الاقتصاد الوطني والسعي في الوقت نفسه إلى المزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي. أما الدول التي اتبعت قواعد سياسة الليبرالية الاقتصادية الجديدة لتحقيق التنمية مثل المكسيك والأرجنتين فإنها سجلت نتائج سيئة للغاية.
ومن أكثر المخاطر الناتجة عن نظام الليبرالية الاقتصادية هو تآكل الطبقة الوسطى. وقد وصفه رودريك بأنه أكبر وأهم خطر يهدد واقعنا الاجتماعي في الوقت الحاضر على صعيد العالم ككل. وأشار إلى ضرورة إقامة نظام جديد للعولمة، بدلا من الإفراط في إسقاط الحدود الاقتصادية الوطنية، وهو ما يؤدي إلى مضاعفة التكلفة الاقتصادية خلال الأزمات، كما ظهر بوضوح خلال أزمة مكافحة كورونا، وكما نراه من تداعيات الحرب في أوكرانيا، وكذلك ما يبدو جليا الآن بسبب اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وتحول نسبة كبيرة من ناقلات البضائع والوقود إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا بما يعنيه ذلك من زيادة تكلفة الوقود والتشغيل، وزيادة زمن رحلة انتقال البضائع من مصادر الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك وبالعكس.
كذلك فإن داني رودريك يشير إلى أهمية زيادة الاهتمام بسياسات بناء القدرات الاقتصادية على التحمل في أوقات الأزمات الطارئة والصدمات، سواء كانت طبيعية مثل زلازل سوريا وتركيا والمغرب، وسيول ليبيا، وجفاف القرن الأفريقي، أو كانت لأسباب بشرية مثل الحروب الدامية، وتصاعد التنافس الجيوسياسي في العالم، خصوصا بين الولايات المتحدة والصين، وما يترتب على ذلك من خسائر اقتصادية للبلدان الأخرى بما فيها تلك التي ليست طرفا في أي خلاف بين البلدين، لما يسببه ذلك التنافس من زيادة ندرة بعض المواد الخام ومكونات الإنتاج، وارتفاع أسعارها، أو فرض عقوبات تجارية على بعض الدول المستوردة أو المصدرة لها، وهو المثال الواضح في حالة حظر استيراد النفط والغاز الروسية.
مسؤولية السياسة الاقتصادية
ويقول رودريك انه مع أخذ العولمة، والمنافسة الجيوستراتيجية، واحتياجات تنويع الاقتصاد الوطني في الاعتبار، فإن مسؤولية السياسات الاقتصادية الوطنية تنحصر في ترتيب واختيار الأولويات، والعمل على تنفيذ برامج وخطط تخدم أهداف السياسة الاقتصادية الوطنية، لا تنتهي إلى إجبار الاقتصاد الوطني على التكيف مع مصالح الاقتصاد العالمي وتوجهاته، بقدر ما تسعى إلى وضع تحقيق أهداف تنمية وتنويع وزيادة قدرة الاقتصاد الوطني على التحمل، وقدرته على المنافسة على قمة الأولويات، دون مساومة أو تنازلات، مع الاستعداد للقبول بتضحيات طارئة قصيرة الأجل في مقابل مكاسب مستدامة طويلة الأجل. وفي هذه الحالة لا يجب أبدا قبول وجهات النظر التي تضحي بمكاسب مستدامة طويلة الأجل مقابل تحقيق مكاسب قصيرة الأجل لجماعات خاصة تتربح في حقيقة الأمر من استمرار بيئة إعادة خلق الأزمات الاقتصادية.
وقد أثبتت التنافسية في ظل العولمة أنها يمكن أن تنتصر على النزعة التجارية الحمائية لدى الدول الصناعية، وهي النزعة التي تقودها الولايات المتحدة. وقد ثبت ذلك في التسعينات من خلال تجربة «النمور الآسيوية»، كما أنه يثبت الآن بقوة في تجارب بلدان مثل فيتنام وتايلاند وكمبوديا. ولا شك أن مثل الصين يمثل نموذجا اقتصاديا ملهما للكثير من الدول النامية الساعية إلى التصنيع السريع. ويقول رودريك بضرورة وضع سياسات اقتصادية تنطلق من وعي عميق بحقائق الواقع العالمي والواقع المحلي، سياسات تحدد بدقة متى تكون الأولوية لاعتبارات الواقع المحلي والاعتماد على النفس والتنمية من الداخل، ومتى تكون للتعاون مع العالم الخارجي، وعدم الخلط بين هذا وذاك. نقطة البداية هنا كما يقول رودريك هي الموازنة بين المكاسب التي يمكن أن يجنيها بلد ما من التجارة، وبين تلك التي يمكن أن يجنيها البلد نفسه من خلق مستوى أعلى من التنوع على مستوى مؤسسات الإنتاج المحلي. وهو يقول هنا أن تعظيم العائد من واحد منها قد يساوي تقزيم العائد من الآخر. أما إمكانية تعظيم العائد من كل منهما في وقت واحد فهو أمر نادر جدا في كل الحالات. ومن ثم فإن القرار بتعظيم الاعتماد على أحد الحلين أكثر من الآخر يساوي بالضرورة تضحية ببعض المكاسب. وهنا تأتي معضلة الاختيار وتحديد الأولويات في السياسات الاقتصادية، سواء كنا نتحدث عن التجارة أو الاستثمار أو سياسات التشغيل والتدريب في سوق العمل وغيرها.
ويقدم داني رودريك نصيحة غالية إلى الاقتصاديين وصناع السياسة الاقتصادية، إذا أراد هؤلاء أن تكون أفكارهم على علاقة إيجابية مع اقتصاد بلادهم. وقال إن هؤلاء يجب أن يكون أول ما يقدمون لبلادهم هو تحديد المسألة المركزية للسياسة الاقتصادية، واقتراح حلول براغماتية عملية قابلة للتنفيذ للمشكلة المرتبطة بالمسألة الاقتصادية المركزية في وقتهم. وهو يحدد تلك المشكلات في الوقت الحالي في ثلاث حزم، هي حلول لمشكلات الانتقال في عصر الطاقة، وخلق اقتصاد يحتضن مصالح كل الطبقات الاجتماعية، وتعزيز فرص التنمية للدول الأفقر في العالم.
أهمية تحديد المسألة المركزية في حل أي قضية معقدة تذكرنا بأحد عمالقة الإدارة في الولايات المتحدة هو بول أونيل وزير الخزانة الأمريكي في بداية حكم جورج بوش الابن، الذي استقال بعد عامين من توليه المنصب. وكانت شهرة أونيل التي حققها خلال فترة رئاسته لشركة الألومنيوم الأمريكية «ألكوا» هي التي زكته لتولى المنصب الأعلى في وزارة الخزانة الأمريكية في أول سنتين في إدارة بوش الابن قبل أن يترك المنصب. وقد اعتمد نجاح أونيل في شركة الألومنيوم الأمريكية على حل المشكلة الرئيسية التي كانت تعاني منها الشركة ألا وهي ارتفاع عدد الضحايا في تشغيل أفران صهر الألومنيوم. وربما يتعجب البعض من أن المسألة الأولى والمركزية التي طرحها أونيل على مساهمي ومديري الشركة عند توليه منصبه كانت على وجه التحديد «تقليل أعداد ضحايا تشغيل أفران الصهر». وقد نجح بول أونيل نجاحا باهرا خلال فترة إدارته للشركة، واستطاع أن ينقلها من الخسارة إلى الربح، وأن يعيد إليها مكانتها وسمعتها كأكبر شركات الألومنيوم وأكثرها جودة في العالم. نصيحة داني رودريك إلى صناع السياسات الاقتصادية في العالم تعادل أيضا نظرية «تركيز المجهود الرئيسي» في التفكير الاستراتيجي، وهي نظرية تبدأ بتحديد المشكلة المركزية، ثم تنتقل إلى أفضل الحلول لمواجهتها براغماتيا، بعيدا عن الالتزام بقوالب نظرية جامدة ومكررة. اللطيف في المقال أيضا أنه يعارض السياسة الرسمية لصندوق النقد الدولي، دون أن يقول ذلك بصوت زاعق.