بعد المفاجأة الكبرى –ظاهراً على الأقل– في ضوء قرار أورلي ليفي أبقسيس عدم تأييد حكومة أقلية تعتمد على أصوات القائمة المشتركة، وبعد أن صيغت كل التخمينات المتعلقة بخطوتها التالية، وعلى رأسها الارتباط بالليكود مقابل ضمان المقعد ووظيفة وزير، وبعد أن انتهوا من الصب على رأسها، وعن حق، كل أكوام الطين التي يسمح بها القانون، فإن ما تبقى هو معرفة الدرس الذي يمكن ومن المهم تعلمه. ما الدرس الذي يمكن تعلمه من قرار ليفي أبقسيس معارضة حكومة أقلية برئاسة “أزرق أبيض”، رغم أن هذه الإمكانية كانت على جدول أعمال العمل – غيشر – ميرتس ليس فقط من اللحظة الأولى، بل وأيضاً حتى اللحظة الأخيرة، وبالشكل الأكثر صراحة، وعلى الطريق أيضاً ما يمكن أن نتعلمه من معارضة حكومة في هذه الصيغة من اثنين من أعضاء “أزرق أبيض”، يوعاز هندل وتسفي هاوزر.
وقبل القاسم المشترك بين ثلاثتهم –معارضة حكومة أقلية كهذه- قليلا ًعن الفرق بينهم: ليفي أبقسيس، بخلاف هندل وهاوزر، عرفت جيداً بأن هذه هي سياسة الحزب الذي ارتبطت به ومعه تنافست على الانتخابات. وكان عمير بيرتس أوضح هذا الموضوع، وأكثر من مرة. وهكذا لم يكن هنا خرق للوعد، وعلى أي حال ليس تغييراً للسياسة في اللحظة الأخيرة في ضوء النتائج، مثلما حصل في “أزرق أبيض”، الحزب الذي اتخذ القرار في الاعتماد على تأييد المشتركة حين تبين أن هذا هو السبيل الوحيد لتثبيت حكومة أقلية برئاسته. وبالنسبة لمواقف قاعدة المعارضين الثلاثة، ما يمكن أن يفاجئ وبقوة هو الاكتشاف بأن هندل وهاوزر سيصوتان في صالح مثل هذه الحكومة. شخصان أثبتا في الماضي بأنهما مستعدان لأن يدفعا ثمناً باهظاً حين يدور الحديث عن موضوع مبدئي يتعلق بأساس معتقداتهما.
بكلمات أخرى، إذا كانت خطوة ليفي أبقسيس هي نوع من الخطوات التي تؤدي إلى الرخص والمس الشديد بثقة المصوتين في منتخبيهم، بل وتلوث المسيرة السياسية، فإن هندل وهاوزر ليسا في هذا المكان. لا يوجد أي مجال للتشبيه بين موقفهما وتلك الجولة الخداعية التي نفذتها أبقسيس على رؤوس المصوتين للحزب الذي هي عضو فيه.
باستثناء ما في داخل هذه الفوضى وهذا الظلام الذي يخيم على الخريطة السياسية، ثمة ما يدعو –مع ذلك- إلى التفاؤل؛ أولاً، إنه من شبه المؤكد أن ليفي أبقسيس، شخصياً، أنهت بهذه الخطوة حياتها السياسية حتى لو نالت تمديداً معيناً برعاية الليكود. ستنهي، وستصبح نموذجاً وعلامة لصيادي الفرص من نوعها. ثانياً، إن محاولة إنتاج خطوات متوقعة أن تكون استراتيجية بهدف تجنيد الأصوات، فشلت. فالعصيدة التي طبخها حزب العمل إلى جانب “غيشر”، في الجولة الثانية، ومع “ميرتس” في الجولة الثالثة، انتهت بطبخة نية، غير قابلة للأكل على نحو ظاهر. فليست هذه الوحدة هي التي ألزمت كل واحد من المتبرعين لها بالتخلي عن المبادئ الأساس ولم تعط النتيجة المرجوة، بل وانتهت أيضاً بمهزلة مهينة – ستة مقاعد. اليمين الرقيق لم ينضم، واليسار القاسي انتقل إلى المشتركة. وإضافة إلى ذلك، فما هو صحيح للعمل – غيشر – ميرتس صحيح أيضاً لـ”أزرق أبيض”. في لحظة الحقيقة، يتبين هنا أيضاً بأن الارتباطات بين اليمين الأيديولوجي واليسار الرقيق مع الوسط المتعثر، لا تنجح. فرهان على التفكير بأن هندل وهاوزر سيجذبان الأصوات من اليمين، وفي لحظة الاختبار سيعملان بخلاف مواقفهما، كان رهاناً بائساً.
وثمة أمل في أن الأحزاب ستدخل في الجولة التالية حول قاعدة أيديولوجية معينة، وأن الارتباطات، إذا كانت كهذه لن تصبح استراتيجية ولا تكتيكية أيضاً. وحتى ذلك الوقت، لن يخرج الحلو من المر، أو على الأقل ليس المر كاللعنة. وإذا لم يكن مفر، وإذا كانت هناك حاجة للمرونة، وللتنازل، والتخلي عن بعض من المفاهيم الأساسية، والتجاهل والتراجع عن مخلفات الانتخابات الأخيرة، وخرق الوعود وإعفائنا جميعاً من الجولة الرابعة.. فسيجد هذا تعبيره في صياغة خطوط أساس متفق عليها وإقامة حكومة وحدة وطنية. إذ لا يوجد بديل آخر، وإذ مع الواقع الناشئ وكورونا أو من دونها، فهذا أهون الشرور.
بقلم: اريئيلا رينغل هوفمان
يديعوت 12/3/2020
* * *