فشل الساسة الغرباء في بناء الدولة العراقية

حجم الخط
0

تكشف فصول التحول السياسي الذي طرأ على العراق بعد عام الفين وثلاثة تماثل صياغة احداثه بحلقات التكوين الاولى لنشأة الدولة العراقية، عقب الاجتياح البريطاني للبلاد عام 1914 والمرسوم وفق سيناريوهات وخطط المملكة المتحدة لكسب رهانات التنافس الشديد على منطقة الشرق الاوسط بشكل عام والعراق على وجه التحديد، بين الدول الغربية المتصارعة على حقول النفط الغنية. ما دفع انكلترا وتحت تأثير النزعة التوسعية لغزو البلاد والاجهاز على الامبراطورية العثمانية التي لفظت انفاسها بعد اربعة قرون ونيف من السيطرة على مقدرات الشعوب العربية برمتها، وعلى غرار الحسابات الاستعمارية المعتادة في ضمان نتائج اي خطوة تقدم عليها، مهدت الطريق امام بروز قوي واشخاص تستطيع تنفيذ رؤيتها السياسية ومآربها الاحتلالية من خلالهم بعيدا عن اعمال الشغب والارتعاشات الجماهيرية التي قد تربك الخطط البريطانية الموضوعة لهذا القصد. وبالفعل اضطلعت نخبة سياسية قدمت من خلف الحدود بعد ان كانت تقاتل الى جانب الثوار العرب ضد الاتراك بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية، فضلا عن اصولهم المختلفة وتنوع نشأتهم الاجتماعية ليأخذوا على عاتقهم تطبيق اهداف واجندة الاحتلال على حساب المصلحة الوطنية. وبتدافعهم هذا على تقديم التنازلات لبريطانيا الراعية وغياب الاهداف المشتركة وانعدام الرؤية الواضحة في رسم مستقبل البلاد، كان لابد من اندلاع فصل جديد من الصراع السياسي المحتدم فرضته طبيعة الاجواء الانتقالية التي رافقت مرحلة تكوين المجتمع وبلورة سماته السياسية الناشئة. وبالطبع فان اغلب الساسة الذين زرعتهم المملكة اسهموا في تغذية الفوضى اذا لم يكونوا اوجدوها اساسا في بيئة هشة تخلصت للتو من ربقة الاتراك، بغية استمرار النزاع لضمان نفوذهم السياسي كحل بديل يبعدهم عن المواجهة الشعبية والانتخابية، فضلا على المعايير الاخرى الناجمة عن تشخيص مصلحة البلاد، يرافق هذا انعدام الخبرة والدراية ونقص التجربة الكافية بمجريات الامور السياسية في العراق نتيجة الغياب الطويل عن التطورات السياسية والاجتماعية، كلها عوامل اساسية تركت اثارها السلبية على الوضع العام وقطعت الطريق امام اجتراح الحلول وتشخيص العلل المزمنة في الدولة الفتية، هذه النتوءات والتصدعات الخانقة تحولت بمرور الزمن الى ظاهرة سياسية يكرس لها وينطلق منها بوصفها البديل الناجح للحالة السائدة المشوبة بالتعقيدات والتشنجات بين الفرقاء المتبارين على الساحة السياسية.

ومن دون شك فان اخفاق رعيل السياسة الأول في ايجاد بؤرة ارتكازية وتخطيط مدروس ومبرمج كما تتطلبه المرحلة ناجم عن نقص كبير في المنظومة الفكرية الماسكة بزمام القرار انذاك جراء عزلتهم الطويلة عن المجتمع كما اسلفت، وتشويش الصورة في رسم ملامح الدولة المنتظرة لتبقى للمدة الملكية تراوح في دائرة مفرغة لا تتعدى مصلحة الحزب او الكيان، لاسيما حقبة العشرينيات المعقدة بتفاصيلها المروعة وملابساتها الغامضة التي امتدت على طول المرحلة الملكية. وبمجمل احداث هذا الفصل المضطرب والمثقل بالتراكمات والتجاذبات بالغة التعقيد انعكس بكل اورامه وامراضه على الوضع الراهن بسبب توفر البيئة الخصبة لنمو هذه الافكار والمنطلقات البليدة. وبدون الحاجة الى سرد تفاصيل المشهد الحالي تبرز امامنا جملة من المعطيات والدلائل التي تشير الى تشابه الاوراق واستنساخ التجارب الفاشلة فأزمة الحكومة الحالية وتدهور الاوضاع السياسية والامنية نابع من عدم وجود مشروع وطني واهداف سياسية عابرة لكل الاختلافات والاضطرابات في الشأن العراقي، هذا بالاضافة الى التناحر المستمر وأزمة الثقة بين الكتل السياسية. ولا يغيب عن الجميع ان الاحزاب والمكونات السياسية نمت وترعرعت اغلبها اذا لم نقل جميعها خارج اسوار الوطن، اي انها ايضا تسللت عبر الحدود مع جحافل القوات الغازية وقد تشبعت بمفاهيم ومعتقدات الدول الراعية والحاضنة لها، ما جعلها اسيرة عدة اعتبارات خنقت الاصوات الوطنية الرامية الى حلحلة الامور كونها لم تعايش الواقع بكل تجلياته السابقة. وهنا رب سائل يسأل لماذا اجريت المقارنة بين العهد الملكي والحالي واظهرت اوجه التشابه في فشل الساسة بتأسيس مشروع الدولة العراقية، في حين ان هناك مددا خضعت الى حكم ابناء الداخل من عسكريين ومدنيين، بيد انها لم تكن احسن حالاً من غيرها، اقول نعم لكن الفارق الوحيد ان العهود التي حكمت من قبل ابناء الداخل تميزت بالدكتاتورية من دون ان تعرض العراق الى مخاض تاريخي عسير يهدد مستقبله بانهيار فظيع، كما يحدث الان. هذا لا يعني الدفاع عن عقود العنف والديكتاتورية، لكن كلها اقل وطأة في الحسابات المنطقية مما جري في الماضي وما يجري اليوم من قيادة البلد نحو مستقبل مجهول لا تعرف نتائجه. وخلاصة القول ليس امامنا نحن العراقيين سوى طرد هؤلاء الساسة وايجاد البديل الذي يؤرقه واقع وطنه المتعثر ويسعى الى لملمة شتاته المتناثرة بين افواه الساسة المسعورين. حسين العسلاوي – العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية