مثلما كان من نتائج الهجرة اللغوية ومن اختلاط العرب بغيرهم من الأقوام والأجناس، أن نشأت إلى جانب الفصحى أو «عربية البدو» منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، لغة دارجة هي لغة التعبير اليومي واللسان المتداول في أوساط الطبقات الوسطى والدنيا من سكان المدن؛ نعيش نحن عرب اليوم الظاهرة اللغوية نفسها.
على أن هذه «العاميات» أو «العربيات المولدة» تكتسح، من منظور التاريخ اللغوي مناطق جديدة بسبب التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الناشئة داخل البلدان العربية، أو تلك الناجمة عن الاستعمار والهجرة إلى أوروبا وأمريكا. بيْد أننا نكاد لا نعرف شيئا عن هذه «العربيات» المتداولة سواء في أوساط المهاجرين، وما خالط عاميتهم أو «فصحاهم» من لغات البلدان التي يعيشون فيها؛ أو حتى في بلدانهم الأصلية.
وما أشبه اليوم بالبارحة، فنحن نكاد لا نملك إلا طوائف متفرقة من الأخبار عن «العربيات المولدة» قديما، أو عن لغة اليهود والنصارى؛ وعن ظاهرة اللحن والدخيل والأخطاء اللغوية التي شاعت بنسبة أو بأخرى في بيئات العلماء والكتاب والشعراء؛ والتي يمكن أن تُحمل على أنها من «التطعيم» اللغوي، أو هي من أثر العربية المولدة فيهم، أو من أثر اللغات الأخرى.
أما القول إن هؤلاء من قدامى ومعاصرين، اتخذوا لأنفسهم لغة وسطا بين عربية القرآن وهذه العربية المولدة، ففيه متسع كبير للنقد والمؤاخذة. والأمر على ما يبينه المستشرق الألماني يوهان فك في مصنفه «العربية» وهو مرجع لا غنى عنه؛ يتعلق بظاهرة أسلوبية تحمل سمات مولدة أو بصفة من صفات التفاوت في الكتابة، وعدم الاطراد على نسق واحد. يقول فك: «وهذا التطور في الأسلوب الذي نستطيع ملاحظته عند ابن المقفع وبشار آذن بشروق عهد جديد في تاريخ العربية، دعا إليه الانتقال من حياة البداوة إلى حضارة المدن، وتغلغل غير العرب في ميادين الأدب. وذلك الطابع «الوحشي» للعربية القديمة، بثروتها الفياضة في الألفاظ والقوالب، تراجع في ذلك العهد أمام أسلوب متأنق مهذب لا يسبب استواؤه وسهولته صعوبات ذات بال للأفهام» بل كان من أثر احتدام المعارك اللغوية بين الشعراء واللغويين، وبين اللغويين أنفسهم، أن سيطر مبدأ «نقاء العربية» مما شابها من لحن ودخيل، على الحياة الأدبية منذ العصر العباسي. وكان للعلماء فيه منادح واسعة من حيث الثروة اللغوية عند البدو وترتيبها، وتقعيد الاستعمال اللغوي الدقيق للكلمات؛ بل التشدد عند بعضهم في «نقاء اللغة» و«المُساهلة» عند آخرين ممن فسحوا في العربية للغات (اللهجات) الشاذة أو الادرة، والتوسع في قواعد النحو والصرف حتى تشمل القراءات جميعها، باعتماد مبدأ الاتساع في الرواية والقياس. لكنها تعزز من وجاهة القول بأن دراسة المادة اللغوية دراسة وصفية تحليلية شاملة، لم تبنَ على تمييز دقيق بين لغة حديثة ولغة قديمة، أو بين لغة الشعر ولغة النثر، في تقعيد القواعد. فقد خلط اللغويون بينهما، وأدى هذا الخلط إلى اضطراب غير يسير في أحكامهم. وهو قصور يُعزى إلى اتساع الرقعة المكانية، وما أدى إليه من اضطراب في تحديد اللهجة الفصيحة، واختلاف المادة اللغوية وتشعبها وتشتتها، وانصراف النحاة عن العامل الزمني في تطور اللغة. فلم يقسموا مثلا لغة الشعر تقسيما زمنيا، واكتفوا بتقسيمها تقسيما مكانيا؛ وفرقوا بين لغات القبائل بحسب قربها من نجد وبعدها عنها. وهو القصور نفسه الذي لا تزال تعاني منه الدراسات اللغوية في البلاد العربية، خاصة ما يتعلق منها بإعادة وصف العربية وترتيب معاجمها. على أن لغة القرآن كانت أهم هذه الأسباب، وللقرآن فضل كبير في تطور المباحث اللغوية، ولم يحدث حدث في تاريخ العربية أشد أثرا منه. ونستطيع أن نلمح ذلك في سائر مصنفات اللغة، وهي التي تدور كلها على حفظ «النص».
فلعل هذه القداسة المثيرة التي أسبغوها على القرآن، وهم الذين جردوه من رق الزمان والمكان، كانت من أهم الأسباب التي صرفتهم عن العامل الزمني في تطور اللغة، بل ربما حجبت عليهم ما تعكسه لغة القرآن نفسها، من مراحل متفاوته في تطور العربية اللغوي، ومن فروق شتى بين أداء شفهي وأداء كتابي.
ما يعنيني هنا أن هذا الأثر لم ينقطع عند طائفة من المعاصرين، مثل التونسي محمود المسعدي والمغربي مصطفى القصري في ترجمته للشاعر الفرنسي سان جون بيرس؛ والاثنان مأخوذان بفصحى القرآن أكثر من «فصحى» المعاصرين. فنحن مع المسعدي، في الصميم من لغة فنية من طراز عال، تتمثل على نحو لافت لغة القرآن ونثر التوحيدي والمعري والأصفهاني والشعر العربي القديم، بل لا نجد من نقرنه به من كتاب العربية وأدبائها في النصف الأول من القرن الماضي، ما عدا الكاتب المصري من أصل لبناني بشر فارس في «جبهة الغيب». وأمثلة ذلك كثيرة جدا، في مسرحيته «السد» وفي روايته «حدّث أبو هريرة قال» وفي «أيام عمران»: ألا مناص من فناء الحي مرتدا إلى ما لم يكن؟ إلى عبث السماء يهزأ بالكون على أنغام لحن العدم؟ ألا رحمة من ـ إن كان موجودا ـ الله؟»
أو « إذن تتعطل الحياة ويجيء الحق الصمد الموت».
أو «عشت عيش الجبال. ونمت على الحديد إلى أن عض الحديد لحمي، وكلمت صدى الوادي تحتي، واتخذت الصخور رفقة، واليراعة نورا، والكهف خلوة». وعلى الرغم من أن النص الذي نحن فيه، نص مكتوب، فإن ذلك لا يغير كثيرا من نمط الإدراك والتمثل المأخوذ عند الكاتب بسطوة شعرية الفصحى القديمة وسلطتها.
وأما مصطفى القصري في ترجمته لقصيدة سان جون بيرس الطويلة «معالم» فقد توخى أسلوبا قرآنيا؛ كانت مجلة «الفكر» التونسية قد أشادت به، وهي التي نشرت هذه الترجمة في أعداد متتابعة (1971) قبل أن تنشر في كتاب.
وأقدر أن المسعدي يفترض في كل أدبه، على «المقدس اللغوي» افتراضاته الخاصة، مما كان له أثر كبير في صياغة مفهوم خاص للإيقاع عنده، باعتباره تنظيما لحركة الكلام في الكتابة. وأعني تلك التي ينهض لها سند من العربية القرآنية، التي لم تعرف التعارض الشائع بين الشعر/النثر على نحو ما نجد عند علماء الإعجاز مثل الباقلاني، الذي ينفي مثل هذا التعارض إذ يقرر أن القرآن شعر لا بمعنى القصيدة، وإنما بمعنى الصنعة اللطيفة في نظم الكلام.
وأما مصطفى القصري في ترجمته لقصيدة سان جون بيرس الطويلة «معالم» فقد توخى أسلوبا قرآنيا؛ كانت مجلة «الفكر» التونسية قد أشادت به، وهي التي نشرت هذه الترجمة في أعداد متتابعة (1971) قبل أن تنشر في كتاب. من ذلك هذه الصورة: «كما لو نُودي بنبي أن اركب وقومك متن الأمواج» فقد صاغها القصري على منوال الآية القرآنية من سورة هود؛ وهي في الأصل ليست كذلك: «مثل إله مهيب وهو يمشي فوق الماء» (بترجمتي، وإن كان البعض لجأ إلى العبارة الحرفية، فاستخدم «مصير» و«قدر»؛ وغفل في تقديري على أن لهذه الكلمة مرادفات كثيرة في الفرنسية، من بينها «إله» فضلا عن أن الصورة عند بيرس تذكر بالمسيح الذي مشى فوق الماء) أو هذه الصورة في وصف المعشوقة الكاملة «خلقكِ ربك فسواك» فهي من سورة سبح: «سبح ربك الأعلى، الذي خلق فسوى»؛ فيما الأصل غير ذلك «لقد ولدتِ مختومة بالطابع الإلهي». أو «كالتوتياء حجرات العسيلة الحمراء» فهي تحيل عند القصري على الحديث النبوي «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته». (قول للنبي لامرأة طلقها زوجها ثلاثا»). والأصل هو «حمراء مثل توتياء البحر حجرات اللذة» أو قول الشاعر في وصف هياج الأهواء: «الموجة تندفع صُعُدا، فإذا هي امرأةٌ تسعى» فواضح أنها من سورة موسى «فألقاها فإذا هي حية تسعى»؛ والأصل»تصاعدُ الموجة، فإذا هي امرأة» أو «إذ ذاك نقول للجسد: هِيتَ لك» فهي من سورة يوسف «وغلّقت الأبواب وقالت: هيت لك»؛ فيما الأصل»مبذولة (لنا) إذن ألعاب الجسد».
هذان كاتبان مغاربيان ينهلان كل بطريقته، لا من الفرنسية التي يتقنانها أكثر من أهلها فحسب؛ وإنما من العربية وهي التي كانت قد بدأت في التفاعل أدبيا مع اللغات الأوروبية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وفيها صرنا ننصت إلى أجراس الشعر الحديث ومفاهيمه الفلسفية والجمالية، وهي تُقرع في جنباتها وتتصادى في ثناياها، سواء عن طريق الترجمة أو عن طريق أسلوب الرواد الذين برعوا في الكتابة، بواحدة من اللغات الأوروبية، ويستطيع القارئ أن يتبين في سهولة أن الذي أغرى المسعدي والقصري، وهما مثالان من بين أمثلة، بمحاكاة النص القرآني، هو أن الاتصال بين اللغة والقرآن، أوثق وأضمن من منظور الفصاحة، أو قوة العبارة، أو أن الاثنين ملتقى الحق اللغوي والحق التاريخي معا.. وأقدر أن هذا المنظور الحديث هو الذي تحكم في «فصحى» هذين الكاتبين، بما يسوغ القول إن الفصحى «فُصَحٌ» وليست واحدة كما يقع في الظن.
٭ كاتب تونسي