يطرق أبوابنا كعادته، بهمس خفيف وضياء رقيق يتسلل لنا من فتحات النوافذ برفق جم، يراقص قلوبنا على وقع ترنيمة تتهادى حين ولادة زهرة بحرص شديد، وموسيقى تجذب الروح، وتنعش الحياة من جديد.
يأتي الشتاء هكذا بحنين كثير محملا بحكايا عديدة مخبئة في أروقة ذاكرتنا برائحة مخملية تفوح من البياض الذي يسكننا ويحركنا نحو الأفق الذي يتلون على صوت طرب ابتسامتنا ودندنة أحرفنا التي تغني أهازيج المطر، فتولد فينا روح الطفولة مرة أخرى كلما شاهدنا تكاثف السحب ونزولها على غفلة.
تأخذنا شمس الشتاء في أمزجة متسابقة مع طقوسنا، في كل حين من الزمن، في تتابع مستمر وتقادم متفاوتٍ عن مفردات الشوق والبعد ودفاتر تركها الراحلون، فلا حديث ينتهي ولا أمل يغيب عندما تُبان هبات فجر القادمين.
يختلف البحر في سلوكه في هذا الفصل عن كل الفصول يجيء متناغما مرهف الملامح، بترف عميق وولهٍ مجنون بسيط، فيبعثر شعورنا ويغير فينا كل ملمح في وجوهنا كمستعمر حديث للتو، فيحتل ذواتنا، ويرينا الجانب الحلو، ويفيض علينا بكرم هادئ يسع كل زائر.
في الشتاء نعيد ترتيب أناقة كلماتنا وحوارات مشاعرنا مع أنفسنا ومع كل شيء حولنا، نصبح أكثر خفة ونحن نخـــتار أكوابا مـــزخرفة بتفاصيل الورد مزدحمة بشــراب دافئ حُضر بحب كبير، منتقاة مع أرواح نتجاذب معها أروع الأبيات الشعرية، تتخللها كعكة صنعت بوجدٍ شهي.
إنه الشتاء، يزور خزائن ملابسنا، بإصرار قوي، فيجعلنا نعيش التيه بفرح، عندما نحتار في تكاثر وتداخل الألوان علينا، بدهشة تحاصر جمالنا وتغزل أفكارنا بربطة تنتهي عند معطف يحمينا من لفحة هواء تدغدغنا في صمت شاعري وطيف حبيب قريب.
هكذا هو ضيف حبور يذهب بشجن بهي، يترك أثر الفراشة في الربيع، يستمع إلى ألفة المحبين، فيدون قصائد مياسة، يتمطى فيها الصبح بنغم وارف، ليعانقه الليل بدلال طاهر. لا تدعه يمر بدون أن تشم رائحة التراب بعد أن تمطر، وتصنعين لك عقدا من الياسمين الندي.
٭ كاتبة وإعلامية من البحرين