د. عبدالرح
مان المرسانيالآن وقد سقطت كلّ الأقنعة في اجتماع القيروان لمناصري الأستاذ العيّادي، وظهرت النّوايا ولم يبق لنا إلاّ أن نكتب للتّاريخ فنقول ‘نخبة تغيب وكومبارس يحضر’، والعبارة ليست لي بل للصّحفي اللاّمع لطفي حجّي مراسل قناة الجزيرة بتونس ومدير مكتبها في إحدى مقالاته المنشورة بمجلّة حقائق التونسيّة بمناسبة الإنتخابات التشريعيّة لسنة 1999 زمن الرّئيس المخلوع حيث صفّت أحزاب المعارضة المتحصّلة على تأشيرة العمل القانوني آنذاك أهمّ عناصرها الوطنيّة الفاعلة من الكفاءات لتعوّضها بعناصر تفتقد للتّجربة السياسيّة حتّى تتمكن قيّادات هذه الأحزاب من ضرب العناصر الفاعلة فيها والتّي تتوقّع منها منافسة محتملة في المستقبل فتعجّل بإقصائها بهذا الأسلوب في إطار خطّة محكمة مع النّظام السيّاسي البائد ومع حزب التجمّع المنحلّ.
نفس السيناريو تقريبا مورس في العديد من الأحزاب ومنها حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة لكن بإختلافات طفيفة في الزّمان فقط.
حيث عمد عدد من مؤسّسيه في إطار لعبة سياسيّة بدأت خيوطها بالإنكشاف شيئا فشيئا مع الأيّام محورها كسب الأنصار مهما كانوا ومن أيّ حدب وصوب، ولا يهمّ تاريخهم أو مستوى فهمهم أو ما هيّ الإضافة التّي يمكن أن يضيفوها رغم كتابة سؤال على استمارات الإنخراط الأولى الورقيّة والإلكترونيّة على الشبكة العنكبوتيّة’ كيف يمكن ان تفيد الحزب و في أيّ مجال؟
طبعا الإجابة سهلة و يمكن الإجابة بكلّ يسروالكلّ سيفيد الحزب في أيّ مجال، المهمّ الحصول بطاقة انخراط في هذا الحزب الوسطي المؤهّل أكثر من غيره لكسب قصب السّبق في أوّل انتخابات حرّة في تاريخ تونس، نظرا لسمعة رئيسه وتاريخه الطّويل مع النّضال الحقوقي.
وقد تمكّن فعلا العديد من المنتسبين الذّين لم يعرف عنهم تاريخ نضالي في المجال الحقوقي وفي منظّماته المتحصّلة على تأشيرة العمل القانونيّ كالرّابطة التونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان أو المنظّمات التّي لم ترق للنّظام فحرمها من هذه التّاشيرة لكنّها كانت جسورة في التّنديد بسيّاساته الممنهجة في انتهاك هذه الحقوق كالمجلس الوطني للحريّات أو منظّمة حريّة وإنصاف أو الجمعيّة التونسيّة لمناهضة التّعذيب وغيرها… ولم يعرف عنهم كذلك أنّهم مارسوا العمل النّقابي في الإتّحاد العام التونسي للشّغل المنظّمة الشّغيلة الوحيدة قبل الثّورة التّي تضمّ النقابيّين بمختلف انتماءاتهم الإيديولوجيّة وحتّى الحزبيّة. ولم يعرف عنهم أنّهم مارسوا العمل السيّاسي بشكله الحزبي أو غير الحزبي العلني او السرّي. .. هؤلاء تمكّنوا بطريقة مدروسة من احتلال مواقع متقدمة في هذا التّنظيم وخاصّة في الجهات وتحديدا في المكاتب الجهويّة ممّا يمكّنهم من التحكّم في قبول أو رفض أيّ منتسب جديد أو التخلّص من كلّ نفس تحرّري داخل الحزب وقديما قيل ‘إذا خلا لك الجوّ فبيضي وفرّخي ونقّري من شأت أن تنقّري’. الخطّة الرّهيبةهذه الخطّة المدروسة جيّدا والمعتمدة من البداية من قبل بعض أعضاء المكتب السياسي قام بتنفيذها الأصدقاء من نفس المهنة أو الأقارب والمريدون ومهندسو المؤامرات لتفرز في النّهاية مكاتب جهويّة ومحليّة تكون جاهزة عند الطّلب لتتخندق مع هذا الشقّ أو ذاك من البداية او في آخر لحظة، وفعلا نجحت الخطّة، وبدت نتائجها تظهر للعيّان، إذن هيّ لعبة السيّاسة ولعبة المواقع والكلّ يدافع عن مواقعه، فمن وصل إلى رتبة وزير أو كاتب دولة ليس من السّهل عليه أن يخسر امتيّازات المنصب الذّي أتى به الحظّ ولعبة الصّداقة والتّموقع بل هناك من سعى في الطّاقم الحكومي إلى تنصيب البعض من مقرّبيه في لجنة الهيكلة الجديدة بالرّغم أنّ هذا الاخير كان عضوا في اللّجنة الأولى التّي وقع تجميدها في دليل واضح على التحكّم في كلّ لعبة المواقع، بل ويحتفظ هذا العضو في الحكومة بوجوده على رأس لجنة بمكتب جهوي تدعى ‘لجنة النّظام’ مختصّة في البتّ والتثبت في الترشّحات وقبول الانخراطات من عدمها، فيطرد من يطرد ويزكّي من يزكّي وفق قاعدة الولاء والبراء.
ومن ليس معي فهوّ ضدّي ولا بدّ من تطهير الحزب.
كلّ نوّاب المجلس الوطني التّاسيسي عن حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة لم يكن لديهم اشعاع يذكر لا في مدنهم ولا في المناطق التّي يزاولون فيها أعمالهم بل احتمائهم بخيمة المؤتمر وبشعاره البرّاق ‘ السّلطة للشعب الكرامة للمواطن- السيّادة للدّولة’ والذّي أبهر الكثيرين كما أبهرتهم صورة الدكتـــور المرزوقي وتاريخه وراديكاليّته جعلهم يحتمون تحت جبّته فكانت المنفعة كبيرة، منصب رفيع ومهمّ ‘ نائب في المجلس التأسيسي ‘ في أوّل مجلس منتخب سيضع دستورا دائما للبلاد بعد ثورة دشّنت عصــــر الرّبيع العربي، ومنصب حكومي أرفع وبإمتيّازات عينيّة وإداريّة جـــيّدة، وتوثيـــق تاريخي يؤكّد بانّ فلان الذي كان وكان أصبح نائبا عن الأمّة جمعاء. ليس هذا الرّأي تحاملا على الإخوة في المجلس التّأسيسي أو في الحكومة ووإنّما هوّ توصيف لحالة واقعيّة الكلّ يعلمها هنا في تونس، نعلم كذلك والزّمن ليس ببعيد أنّ الهيئة العليل لتحقيق أهداف الثّورة والانتقال الديمقراطي والاصلاح السيّاسي ذات الإسم الطّويل جدّا، والتّي لا يحفظ اسمها إلا عدد قليل من التونسيين والتونسيّات نظرا لطول هذا الإسم، قد حضنت العديد ممّن يعرف عنه علاقاته الوطيدة بنظام الديكتاتور بن عليّ بل الأنكى أن يتواجد من بين هؤلاء من هوّ ضليع في الفساد ومن هوّ مخبر مأجور ناهيك عمّن إلتصق إسمه بالعمالة… سوف تسجّل وقائع التّاريخ من البداية أنّ الإرباك الحاصل من بداية الثّورة إلى غاية اليوم مردّه التدفّقات السياسيّة الرّهيبة في اعتلاء المناصب مهما كانت التّكاليف فالذين انتحلوا صفة الثوريّة كثر لا عدّ ولا حصر لهم وسيلتهم في ذلك حجب شبه واضح لمن ناضل وكابد المشاقّ من يساريّين ونقابيّين وحقوقيّين وهم كثر في إعتقادي. ماطر: الزيّارة الفارقةلقد كان لزيّارة الأخ الدّكتور محمّد المنصف المرزوقي لمدينة ماطر من ولاية ّ بنزرت واستضافتي له بمنزلي حيث اجتمع بلفيف من أبناء ماطر من مختلف التيّارات الفكريّة والسياسيّة الوقع الأثيل، حيث تفاعل معه الحضور أيّما تفاعل سواء من حيث التدخّلات أو الاسئلة التّي طرحت والتّي تنمّ على كون أبناء الجهة على دراية كبيرة بمجريات الأمور والأحداث وعلى ثقافة سياسيّة أبهرت الدّكتور المرزوقي، وللأمانة والتّاريخ وقع تغطيّة هذا اللّقاء عن طريق فريق تلفزي أجنبي صاحب الدّكتور المرزوقي في كلّ تنقّلاته قصد إنجاز شريط وثائقي عن الرّجل وهوّ في طور الإنجاز والمونتاج بإحدى استديوهات باريس حسب ما اسرّت لي به إحدى العاملات مع هذا الفريق في مكالمة هاتفيّة معها. هذا الإجتماع الذّي احتضنته دارتي المتواضعة رقم 34 بحيّ المحطّة الكبرى بماطر خلت بعده أنّني سأكون ممثّل الحزب في كلّ الجهة لأنّه لم يسبق وان إنخرط أيّ فرد قبلي من أبناء جهتي، وأنّي ساعمل على تركيز خلاياه المحليّة، إلاّ أنّه ويا للعجب العجاب، تمّ الإختراق و باسلوب مريب بل ومدمّر بواسطة عنصر من اليسار الكلاسيكي الوطني، الذّي لعب دورا ملتبسا، بتركيزه لمكتب جهوي وعيّن من والاه كاتبا عامّا، إتّضح فيما بعد أنّه عضو مكتب وطني لمنظّمة تابعة لحزب التجمّع المنحلّ وناشط سياسيّ صلبه، هذا الشّخص المحسوب على اليسار الكلاسيكي إدّعى أنّه صديق حميم للدّكتور المرزوقي في المهجر ويرغب في أن يكون حزب المؤتمر حليفا لليسار أكثر منه حليفإ لليمين.
لكن بإقتراب انتخابات المجلس الوطني التّأسيسي تمّ التفطّن للنّزر القليل من خيوط المؤامرة فأستبعد الكاتب العام الجهوي ببنزرت من رئاسة القائمة بالجهة وهنا دخل على الخطّ طرف متعاطف مع حركة النّهضة في ظاهره لكن تركيبته تجمعيّة حسب ما أسرّ لي به بعض الأصدقاء ليقوم بإقصائي مرّة أخرى من ترؤس قائمة الحزب بدائرة بنزرت بطريقة فجّة فكان خيّار ترؤسي لقائمة تضمّ في تركيبتها أبناء حزب المؤتمر الذين ساءهم ما حصل في الجهة من تجاوزات تحت مسمّى ‘قائمة العمل الديمقراطي الجمهوري’. حارس البوّابة الذّي أعفيّ من مهامّه قبل أن يمارسهاخلت أنّ شخصي المتواضع سيكون حارس البوّابة لمصلحة الحزب خشية الإختراقات، نظرا لتاريخي النّضالي السيّاسي والحقوقي الطّويل ولأتحرّى في قبول المنخرطين، وإذا بي أفاجأ ويا لهول المفاجاة، حملة تشكيك مدبّرة مسّت سمعتي وتاريخي بل وصلت حدّ اتّهامي بأنّ زيّارة الدّكتور المرزوقي لماطر هيّ ‘أمر دبّر بليل’، والعبارة لقائلها، وهذا امر خطير جدّا ان يقال مثل هذا الكلام لشخصي، بل تواصلت الحملة لتهتك عرضي ومسّ افراد عائلتي باسلوب مشين ومقزّز. هكذا إذن استبدلت بوصلة الحزب الحقيقيّة بالجهة التّي كانت عندي ببوصلة صنعت في الصّين ومن الطّراز المتواضع ورخيصة الثّمن وهيّ من اثث مستعملوها.
للأ سف الشّديد تحويل وجهة الربّان وأثّثت المشهد القاتم في انتخابات التّأسيسي ليصل بنا المطاف إلى مشهد اكثر قتامة نعيش اليوم على آخر فصوله. للتّاريخ أكتب هذا المقال للتّوثيق حتّى يتبيّن الرّأي العام أنّ حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة كحزب وسطي لم يهادن في يوم من الأيّام مع الديكتاتوريّة بإعتبارها ‘لا تصلح ولا تصلح’ في غفلة من الزّمن يفاجأ مؤسّسوه الحقيقيّون وقيّاديوه بحجم الكارثة التّي كنّا أوّل من نبّه إليها في العلن وعلى صفحات التّواصل الإجتماعي وفي لقاءاتنا الخاصّة بقيّادات الحزب إلاّ أنّه لم يسمع منّ. وقديما قيل في حديث خرافة من حلم حلما وصدّقه ضاع حلمه بتكسير أداته.’ كاتب وباحث من تونس