فصول من كتاب حرب فلسطين: مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل (8)

حجم الخط
0

جنود يقتلون غيلة وغدرا وهدنة أخري تصدر بها الأوامر من نيويورك… أهي حرب حقيقية.. أم لعبة شطرنج؟!

فجعتني القاهرة حين ألقيت عليها أول نظرة… أنا العائد.. لم تكن عاصمة بلد يحارب معركة حياة أو موت

محمود صلاحسوف تظل حرب فلسطين أحد أهم الفصول في كتاب تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ مهما مضت سنوات الزمان.

هذه الحرب التي كانت لها مقدماتها وأحداثها وتداعياتها. أما المقدمات فقد كانت انعكاسا لحال مصر السياسية أيامها. وحال الأمة العربية أيضا. وأما تداعياتها فأغلب الظن أنها باقية حتي اليوم.

وتبقي أحداث حرب فلسطين 1948 برغم السنوات التي انقضت عليها. مثل كرة بللورية مليئة بالانعكاسات والأشكال المختلفة. تختلف رؤيتها باختلاف الراوي والسامع.

ومهما كتب عن حرب فلسطين ومهما اجتهد المؤرخون وأصحاب الآراء والتحليلات. تظل شهادات الأبطال هي الأقوي والأوضح تأثيرا.

وهذه شهادة اثنين من أبطال هذه الحرب.. الأول.. ضابط مقاتل عاشها وواجه الموت بالرصاص فيها. ووسط ظلام خنادقها ورائحة البارود والموت عرفه العدو الحقيقي. واكتشف طريق النور لنفسه ولشعبه.

الثاني.. كاتب صحافي نادر. حمل قلمه الي ارض المعركة. وارتدي الملابس العسكرية لأول مرة في حياته. وسجل بأمانة لبني قومه تفاصيل هذه الحرب وما سبقها وما حدث فيها.

وعلي السطور القادمة تفاصيل شهادة الاثنين. حين كتب جمال عبد الناصر مذكراته عن حرب فلسطين لم يكن يؤرخ كواحد من العسكريين الذين عاشوا هذه الحرب لمعارك هذه الحرب وسير أحداثها. لكنه كان في الحقيقة يفتح عينيه أكثر وأكثر ـ وعيون الآخرين ـ علي الأخطاء الكبيرة وذات العيار الثقيل التي حولت الجيش المصري في هذه الحرب الي ضحية رغم بسالة رجاله وشجاعتهم. في حرب فلسطين.. اكتشف جمال عبد الناصر المستوي الحقيقي لقيادات الجيش المصري في ذلك الوقت، وتأكد أكثر من فساد الأحوال السياسية في مصر، هذه الأحوال التي لم تكن لها تأثيراتها علي الشعب المصري فقط.. وانما علي الجيش المصري أيضا! وأصيب جمال عبد الناصر برصاصة في صدره.. وفي الطريق الي مستشفي المجدل كان يحاول أن يوقف نزيف الدم بمنديله. وفي الطريق الي المستشفي كان يشد أنفاس السيجارة التي ظنها آخر سيجارة في حياته! وفكر لأول مرة في أسرته. وفكر في قوات كتيبته التي تركها وسط المعركة. وبقي في المستشفي مضطرا بعد أن نوي علي أن يعود الي كتيبته فور أن يتماثل للشفاء.

في مستشفي المجدل ومضي جمال عبد الناصر في مذكراته يدون أيام العلاج في مستشفي المجدل قائلا: واستيقظت في الصباح علي إحساس غريب، إحساس بأن أحدا ينظر لي ويحملق! وفتحت عيني.. ووجدت عينين تحملقان في ذهول! وكان زميل من أصدقائنا في رئاسة القوات، قال وفمه ما زال مفتوحا من الدهشة:

ـ رأيتك علي هذا السرير، أنني أري جثتك، أو أري شبحك!

ـ قلت له: ها أنذا تراني حيا أمامك! أنت هنا؟

ہ قلت له: نعم.. أية غرابة في ذلك؟

ہ قال: لقد كتبا اسمك أمس في قائمة الخسائر، في قائمة القتلي، وظننت حين رأيتك علي هذا السرير أنني أري جثتك، أو أري شبحك!

ہ قلت له: ها أنذا تراني حيا أمامك!

ثم استدركت قائلا له:

ہ هل تستطيع أن تخطر رئاسة القوات، أنني لم أمت بعد، حتي لا تتلقي أسرتي إشارة تنعيني إليها شهيدا في ميدان القتال؟! ولم تكن تمضي ساعات قليلة من النهار حتي دخل وقبل أن يسألني عما كنت أحاول أن أطمئن منه علي حالة كتيبتنا، وقبل أن يسألني عما جري لي، كنت أحاول أن أطمئن منه علي حالة كتيبتنا! ولم يكن في الذي سمعته كله شيء واحد يدعو الي الاطمئنان! ان السرية الأمامية التي تقدمت معها في الفجر الي مواقعها علي تقاطع الطرق بين نجبا والمستعمرات الأخري. قد أصبحت في خطر، والعدو لم يعطها الفرصة لكي تحفر خندقا أو تحصن موقعا أو تمد سلكا شائكا. ان النار مركزة عليها، ولا يستطيع جنودنا هناك أن يرفعوا رؤوسهم! ومع ذلك استطاعت السرية أن تصمد.. ردت علي العدو نارا بنار. وهجم عليها المشاة من جنوده ليلا فجري اشتباك بالسونكي والقنابل اليدوية. وارتد العدو تاركا أسلحته وقتلاه علي أرض المعركة. وعاد جنودنا الي مواقعهم يقبعون فيها كأنهم كتل من الصخر! وتضاعف إحساسي بالقلق علي السرية الأولي المتقدمة من كتيبتنا عندما سألت القائد: ہ ماذا جري في المعركة الأصلية ضد نجبا.. المعركة التي ذهبنا فيها هناك الي الموقع المكشوف علي تقاطع الطرق لكي نساعد علي إنجاحها؟ قال لي القائد وهو ينفخ الهواء من أنفه ويزم شفتيه: لقد فشلت معركة نجبا! لقد كانت الكتيبة التاسعة تهجم عليها بالمشاة فقط، وظل قائدها يبعث بالجنود موجة بعد موجة متقدمين تحت نار العدو حتي سقط منهم عدد كبير. واكتشفت قائد الكتيبة التاسعة أن نصف ضباطه وجنوده قد سقطوا علي أرض المعركة. وهو يأمرهم جماعة.. بعد جماعة!

ـ تقدموا.. تقدموا! واضطر بعدها أن يوقف الهجوم ويعطي أمرا للباقين من قواته أن ينسحبوا من مواقعهم. ومضي قائد كتيبتنا يعلق علي ما حدث قائلا!

ـ هل يمكن أن ينجح هجوم علي مستعمرة محصنة.. من غير دبابات؟

وكان عقلي قد شرد الي وضع سريتنا الأولي المتقدمة، السرية التي ذهبت معها ووضعتها في مكانها بين المستعمرات لكي تمنع وصول إمدادات من الخلف الي نجبا. ماذا جري لها؟ سوف تتحول قوات العدو كلها إليها بعد أن توقفت المعركة الأصلية. وسألت قائد كتيبتنا في لهفة:

ہ هل سحبت هذه السرية المتقدمة من مكانها؟

هز الرجل رأسه وقال بحسرة:

ـ لا!

قلت وأنا أهم قاعدا علي سريري:

ہ لا لم تسحبها؟ لماذا؟ هل تريد أن تتركها لينزل عليها العدو بكل قواته ويبيد جنودها واحدا واحدا؟

قال القائد في يأس:

ـ ماذا أصنع.. لقد اتصلت برئاسة اللواء الثاني الذي تتبعه كتيبتنا أطلب منهم الأمر لكي أسحبها، فقالوا لي لا شأن لك بنا. أنت تابع للواء الرابع لأن المعركة التي دخلتها في معاونة الكتيبة التاسعة وهي تابعة للواء الرابع! صحت بالقائد:

ہ ولماذا لم تتصل باللواء الرابع؟

قال القائد واليأس يمزق ألفاظه:

ـ اتصلت بهم.. وقالوا لي أنت تابع للواء الثاني وعليك أن تتلقي منه أوامرك. وهنا قفزت أرتدي ملابسي! وأنا أقول لقائد كتيبتنا:

ہ هيا بنا الي هناك.. لقد جن هؤلاء الناس وفقدوا صوابهم!

غادر ولم يتماثل للشفاءهكذا غادر جمال عبد الناصر مستشفي المجدل وهو لم يتماثل للشفاء بعد، خوفا علي زملائه من الضباط والجنود أن يتعرضواإلي حصار من القوات اليهودية يكون فيه أبادتهم وفناؤهم. ويروي جمال عبد الناصر في مذكراته ما حدث بعد ذلك فيقل: كان أول ما فعلته حين دخلت مركز رئاسة كتيبتنا أن أسرعت فاتصلت بالسرية الأولي، أحاول أن أعرف علي وجه التحديد موقفها. وكان حالها أخطر مما تصوره خيالنا! كان العدو يحاصرها من ثلاث جهات، وكان لا بد من خطة مدروسة هي آخر التفاصيل، لكي نستطيع إنقاذها من هذا الوضع الذي تركت فيه، وكان لا بد في رأيي من معونة المدفعية. وذهب قائد الكتيبة الي مركز رئاسة اللواء الرابع يطلب الموافقة علي سحب السرية إذا لم تكن هناك خطة لا نعرفها تتطلب بقاءها حيث هي، ومع أني كنت أعرف أنه ليست هناك خطة علي الإطلاق فلم يكن هناك مفر من استئذان رئاسة اللواء قبل البدء في العملية، خصوصا أننا كنا سنطلب منها أقصي معونة من المدفعية. وفي الساعة الواحدة بعد الظهر.. وافقت الرئاسة أخيرا علي سحب السرية! وكان لا بد أن يكون مع السرية في انسحابها ضابط من المدفعية. لكي يستطيع توجيه النيران الي مواقع العدو المحيط بالسرية المحاصرة. وكان لا بد من إدخال هذا الضابط. وأخذت ضابط المدفعية في سيارة مدرعة وذهبت معه بنفسي. فقد كنت أعرف الطريق الذي عبرته مرارا وأصبت عليه! وكان من الخير أن أذهب معه بدلا من أن يذهب واحد غيري لا يعرف الطريق ومعالمه ووجدت نفسي بعد قليل بين جنود السرية المحاصرة الذين غارتهم بعد أن جرت منذ أكثر من أربع وعشرين ساعة بقليل! وكانوا كعفاريت الجن! رغم كل ما حدث لهم كانت المنطق كلها مغطاة بالرمل الصلب المتماسك قطعا قطعا، وكانوا هم علي الرمل الصلب كتماثيل من الصخر ومدافعهم في أيديهم متجهة نحو العدو! وشرحت لقائد السرية خطة الانسحاب.. وبدأ ضابط المدفعية يساعد مدافعنا علي تسجيل أهدافها من مواقع العد. وبدأت مدفعيتنا الثقيلة تهدر، ثم جاء دور قنابل الدخان ونجحت في الانسحاب رغم الجهد اليائس الذي بذله العدو ليعوق نجاحها!

حالة تدعو للرثاء ويصف جمال عبد الناصر في مذكراته ما حدث بعد ذلك قائلا: كان حال كتيبتنا في ذلك اليوم يدعو للرثاء! لقد تجمعت كل السرايا، ولم يعد العدو يحاصر بعضها، هذا صحيح، ولكن التعب كان قد نال من جنودها وضباطها بشكل واضح، ولم يكن واحد من ضباطنا وجنودنا قد عرف النوم لخمس ليالي متوالية. وهكذا أحسست أن الأمر الذي صدر إلينا في تلك الليل هو أعقل أمر أصدرته قيادتنا العامة، وكان الأمر كما يلي: تترك الكتيبة السادسة مواقعها للكتيبة التاسعة وتذهب هي للراحة! لقد كان ضباطنا وجنودنا فعلا في أشد الحاجة ـ بعد كل الظروف التي عاشوها ـ الي الراحة. كانوا في حاجة الي ساعات تغمض فيها عيونهم وتسكن جوارحهم، وينقطع أزيز الرصاص وانفجارات القنابل فوق رؤوسهم! وكان المكان الذي خصص لراحتنا، هو بقايا معسكر بريطاني مهجور بجوار مستعمرة نتساليم التي تحتلها قواتنا. وأحسست وأنا أدخل بسيارة الجيب الي أطلال المعسكر القديم أنني أدخل قصرا منفيا أو هكذا بدا لعيني وقتها. أخيرا سوف نقبع وراء جدران مبني! لقد كان مبني المعسكر بلا سقف وبلا نوافذ، المهم أن هناك جدارا! وفرشت أمتعتي في إحدي الغرف. واستلقيت علي ظهري ونجوم السماء تطل عليّ من حيث لا سقف فوقي! ولكن استمتاعي بنجوم السماء لم يدم طويلا! بعد خمس دقائق فقط.. دخل أحد الجنود غرفتي ـ التي لا باب لها ـ ليقدم لي إشارة من الرئاسة تطلب منا أن نبعث بإحدي سرايا الكتيبة لكي تساعد في معركة ناشبة في أسدود! واستيقظت في الصباح علي إشارة ثاني تطلب سرية ثانية لكي تعاون الكتيبة التاسعة عند عزت سويدان. ومع أنني أطعت الأوامر بعثت بالسريتين المطلوبتين، إلا أن سخطي لم يكن له حدود! لقد كنت أريد أن تستريح الكتيبة وتسنح لها الفرصة لكي يعتد تنظيم نفسها، وتحسب خسائرها وتنظم صفوفها لتكون جاهزة عندما تدعوها حاجة الي المعركة، ولكن بدلا من ذلك ها هي السرايا تسحب منها واحدة بعد واحدة. وبلغ سخطي مداه عندما طلبوا منا سرية ثالثة، ولكن ظروف طلب السرية الثالثة كانت قيادتنا العامة قد بدأت معركة ضد مستعمرة ميرون إسحاق. الواقعة أمام غزة. ومع أن القائد العام للقوات ومدير العمليات وقائد الطيران كانوا جميعا بأنفسهم يشرفون علي المعركة الجديدة فان الهجوم علي مستعمرة ميرون إسحاق أن نموذجا للعمليات التي جرت قبل ذلك في دير سنيد وفي نجبا! مشاة بلا دروع! أمام مواقع محصنة! واستطاع رجال المشاة أن يدخلوا المستعمرة.. وحاربوا فيها من بيت الي بيت، حتي أن مراقبي الهدنة طلب من القائد العام أن يأمر بوقف القتال، لأن المستعمرة سوف تستسلم، ورفض القائد العام واستمرت المعركة! ولكن القائد العام كان قد نسي اعتبارين.. أولهما أنه ترك طريق الإمداد وراء بيرون إسحاق مفتوحا فبدأت النجدات تتدفق علي المستعمرة اليائسة! والاعتبار الثاني أن الشمس تغرب آخر النهار ويهبط الليل! وهكذا ساد الظلام أرض المعركة.. والنجدات ما زالت تتدفق من الوراء والقتال ما زال مستمرا. وأصبح المحاربون داخل أسوار المستعمرة وأنهم داخل مصيدة! وبدأوا يتساقطون واحدا بعد واحد داخل أسوار المعركة. ولكن هذه الأزمة داخل أسوار المعركة لم تكن السبب الذي من أجله دعيت سرية ثالثة من كتيبتنا الي غزة. كان السبب أشد خطورة وأشد مرارة في نفس الوقت. كان القائد العام قد ألقي في معركته ضد نجبا بقوات الكتيبة الثالثة التي كانت تحرس مدينة غزة نفسها! وكان القائد العام يقدر أن تفرغ المعرة قبل الليل وتعود الكتيبة الي مواقع الحراس حول المدينة قبل أن يهبط الظلام. ولكن المعركة لم تسر علي هواه! وجاء الليل والكتيبة الثالثة متبعثرة.. نصفها داخل المستعمرة في المصيدة والنصف الثاني خارجها يتميز غيظا. أما غزة نفسها فكانت دون حراسة في الليل! وكانت السرية المطلوب منا سوف تكلف بالحراسة واحتلال المواقع الدفاعية التي تحمي غزة حتي لا يجيء العدو بالليل ويتمشي الي داخل المدينة تحت نجوم السماء المتلألئة!

اخبار تدعو للمرارة واليأسويكمل جمال عبد الناصر مذكراته التي كتبها بمداد من المرارة والحسرة علي ما كانت عيناه تشاهدان في ساح المعركة قائلا: وسمعت ليلتها أخبار راديو القاهرة.. وكان من بينها أن مجلس الأمن عاد مرة أخري فأوقف حرب فلسطين، وأن وقف القتال سوف يبدأ في الساعة الخامسة من بعد ظهر الغد! وتوقعت أن يعود العدو فيكرر الليلة والغد نفس الذي حاول أن يصنعه من قبل حين صدرت أوامر وقف القتال المرة الأولي! سوف يحاول العدو أن يحتل مواقع حاكمة في الساعات الأخيرة لكي يحتشد وراءها ويستعد ويعود ليضربنا عندما يستريح! وعرفت أن العدو لم يخيب ظني فيه! فقد طلب إلينا أن نبعث بسرية من سرايانا لكي تساعد في المعركة التي هجم فيها العدو ليحاول أن يقطع الطريق بين عراق سويدان والمجدل عند نقطة كراتيا. وكنت أتابع هذه الأخبار كلها وأنا قابع في أطلال المعسكر البريطاني المهجور الذي ترك بلا نوافذ وبلا أبواب. ولم يكن عندي ما أصنعه غير أن أتابع! فقد كانت أركان حرب كتيبته.. بلا كتيبة! وكانت سرايانا كلها معارة للكتائب الأخري. وكنا رئاسة الكتيبة.. وحدنا في المعسكر المهجور! ووقفت أمام المعسكر المهجور عصر اليوم الذي كان يجب أن يقف فيه القتال. وقفت والخواطر تزحم رأسي.. هدنة أخري تدر بها الأوامر من نيويورك ونطيع. أهي حرب حقيقية.. أم لعبة شطرنج؟! أني لا أشك في الذي سوف يحدث.. سوف نعود فنشهد صورة للذي شهدناه من قبل.. سوف نأخذها سلاما.. ولكن العدو لن يذعن للسلام! سوف يدعم مواقعه ويحشد قواته ويعطيها فرصة لتستريح ثم يضربنا حيث يشاء ويضرب معنا قرار وقف القتال الصادر من نيويورك! وبدأت الساعة تقترب من الخامسة.. وبدأت أصيغ السمع في اتجاهات الأفق المفتوحة وكأني أريد أن أتسمع الي المدافع وأشعر بها عندما تلتزم الصمت، حين يصل عقرب الساعة الي تمام الخامسة.. ووصل عقرب الساعة الي الخامسة.. وبدأ يمشي بعدها.. لقد بدأت الهدنة. بدأ السلام الذي لا يعرف أحد كيف ينتهي وأين ينتهي ومتي ينتهي! وأفاق جمال عبد الناصر من خواطره وهو يقف علي أطلال المعسكر البريطاني المهجور، في اللحظات والدقائق الأولي بعد الهدنة الثانية. أفاق.. ليشاهد بعينيه جريمة قتل! في فلسطين بالقرب من مستعمرة نيتساليم وقف جمال عبد الناصر والخواطر تزدحم في رأسه. كانت أيام حرب فلسطين الأولي قد مضت مسرعة مثيرة مليئة بالأحداث. وكان جمال عبد الناصر الذي أصيب برصاص في صدره، ورغم ترك المستشفي عاد إلي رفاقه في الحرب، كان يقف وسط هذا المشهد الغريب في نفس اللحظات التي بدأ فيها تنفيذ الهدنة الثانية. وكان جمال عبد الناصر يعرف أن القوات اليهودية سوف تنتهز فرصة الساعات القليلة قبل تنفيذ الهدنة لتهاجم مواقع الجيش المصري من ناحية وتعزز مواقعها وتؤمن خطوط إمداداتها من ناحية أخري. وكان جمال عبد الناصر واقفا يسأل نفسه: لقد بدأ السلام.. لكن أحد لا يعرف كيف سينتهي. لا متي.. وأين ينتهي! وفي نفس تلك اللحظة.. رفع جمال عبد الناصر عينيه.. ليشهد جريمة مروعة! يروي جمال عبد الناصر القصة في مذكراته قائلا: فجأة.. لمحت عند الأفق طائرتين عائدتين من اتجاه الشمال.. وأدركت أنهما من طائرتنا.. لا بد أنهما كانتا في دورية فوق أرض العدو ثم عادتا مع موعد وقف القتال في الساعة الخامسة تماما، احتراما لقرار الهدنة. ومضيت أرقب الطائرتين تتقدمان فوق مواقعنا علي ارتفاع بسيط متجهتين الي قاعدتهما دون شك. وأحسست بحنان غريب نحو زملائنا في السلاح المحاربين من الجو، ومضيت وعيناي علي الطائرتان أرقبهما وهما تسيران في الهواء كأنهما ـ في تلك الساعة من العصر ـ تعبران بحرا من الضياء الباهر! وفجأة.. ولا أدري من أين ظهرت ثلاث طائرات تحلق علي ارتفاع قليل. وأدركت فورا معني الذي حدث.. هذه ثلاث من طائرات العدو، وها هي أمام عيني بعد موعد وقف القتال تنقض علي اثنتين من طائراتنا احترمتا الهدنة وعادتا الي خطوطنا مع الخامسة بعد الظهر. وبدأت أصرخ كالمجنون! وكأني أتصور أن صراخي وتحذيري سوف يصل الي طائرتينا اللتين لا تشعران بالخطر. ويبدو أن طيارينا أحسوا بالخطر، فان السرعة بدأت تزيد، وبدأ ما فهمته علي أنه مناورة للدوران والإفلات الي اتجاه البحر.. ولكن المفاجأة كانت كاملة! وبرقت النار شاحبة في السماء في ضياء العصر الباهر. وسمعت دوي الرصاص. وفي أسرع من لمح البصر كانت إحدي طائراتنا تهوي محترقة الي الأرض، بينما أفلتت الثانية الي اتجاه البحر. وأحسست أني أفقد صوابي. أني أهذي.. وأني أريد أن أنفجر! ولم يلبث ضابط مخابرات كتيبتنا أن خرج الي موقع سقوط الطائرة ثم عاد ليؤكد لنا مصرع طيارها. وكنت أعرفه، فقد كان طيارا شابا حديث العهد بالمعارك، وكانت تلك أول عملية له في فلسطين! ولكن الذي يؤلمني أن الفرصة لم تتح له لكي يقاتل دفاعا عن حياته.. لقد قتل غيلة وغدرا! كان عائدا مطمئنا الي القرار الذي صدر في نيويورك. طلبت منه قيادته أن يحترمه فانقض عليه الذين طلبت منهم قيادتهم ألا يحترموا شيئا! لم يكن الذي رأيته في السماء، بصري معلق علي السماء معركة. إنما كان جريمة قتل غادرة! واستلقيت ليلتها في غرفتي في أطلال المعسكر البريطاني المهجور، غرفتي التي لاسقف لها، والنجوم تطل عليّ من أبراجها، وكان في رأسي خاطر واحد: سوف نلقي جميعا نفس المصير! المصير الذي رأيت هذا الشاب الطيار الصديق يلاقيه، ما دام حال الذين يوجهوننا من القاهرة، ومن قيادتنا العامة في الميدان، هو هذا الحال! لن تتاح لأحد منا أن يحارب في معركة شريفة متكافئة مع عدوه، دفاعا حياته شرف بلاده. لن تتاح لنا هذه الفرصة أبدا.. ليس أمامنا إلا أن نقتل.. هكذا.. غيلة وغدرا! تمضي أيام الهدنة.. يتوقف أزيز الرصاص وهدير المدافع.. لكن ليس طويلا! ويمضي جمال عبد الناصر قائلا في مذكراته عن هذه الأيام: مضت علينا أيام الهدنة الجديدة كما مضت قبلها أيام الهدنة الأولي.. كأننا ما فعلنا شيئا! كأنما الدماء التي سالت، كأنما الجهود التي بذلت، كأنما الأرواح التي أعطيت في سخاء، كأنما السهر الطويل المستمر، كأنما أهوال المعارك في الليل والنهار.. كأنها جميعا لم تكن! عدنا الي الانتظار الذي ليس له حد نعرفه، وان كان العدو يعرف منه حد، يعرف أين يبدأ ويعرف أين ينتهي، ويعرف كيف يستفيد بين البداية والنهاية، والنهاية قوة لنفسه.. قوة علينا! ولقد كان في الخنادق هذه المرة ـ علي أي حال ـ شعور جديد.. شعور بالمرارة. لقد حاربنا في فترة ما بين الهدنتين بكل طاقة في أجسادنا العارية من الدروع ومع ذلك لم نكد نمضي في الحرب ويعلو ضجيج المعركة علي صوت الهمسات التي كانت تتردد في خنادقنا عن الحرب السياسية حتي جاءت السياسة مرة ثانية فأوقفت القتال طاعة لمجلس الأمن في نيويورك. إذن ماذا فعلنا؟ فيم كانت كل هذه التضحيات؟ الي أين ينتهي بنا المطاف؟ هل سنحارب؟ هل سنهادن؟ أم كتب علينا جميعا نفس مصير الطيار الذي لقي مصرعه أمام عيني بعد نصف ساعة من الهدنة فنقتل جميعا غيلة وغدرا ودون فرصة ندافع فيها عن الوطن والشرف والحياة؟ لم يكن هناك من يستطيع أن يجيب علي هذا كله.. وكانت المرارة المكتومة والغيظ المكبوت يرزحان علي خنادقنا، إجابة خالصة لكل من يريد جوابا علي أي سؤال! وبدأت أشعر بالملل في مكاني من أنقاض المعسكر المهجور الذي لا سقف له ولا نوافذ والذي كنا ما نزال ننتظر فيه! امن شك أن اشعر بهذا الملل لم يحاصرني وحدي! انما ضم معي أيضا كل زملائنا في السلاح. لقد حاولنا جهد المستطاع أن نسري عن أنفسنا ونفلسف الظروف التي نعيش في إسارها. كنا ننزل أحيانا الي المدن القريبة منا، الي المجدل، الي غزة. وكنا نحاول أن نتصل بأصدقائنا نترقب أن نلتقي به. وكنا في مركز رئاسة كتيبتنا نقضي الليل أحيانا تحت السماء الصافية تلمع نجومها، ونستدعي جنديا من كتيبتنا، كان أصله بائع مثلجات في القاهرة ونتركه يسترسل في أغانيه الريفية التي كانت تنفذ الي قلوبنا، حالة معها حنينا غريبا الي الوطن لهفة عليه! اجازة بعيدا عن المعركة ثم يري جمال عبد الناصر في مذكراته قصة قضاها بعيدا عن حرب فلسطين فيقول: وقدر لي أن أعود الي الوطن في إجازة قصيرة بعد أيام.. وفجعتني القاهرة حين ألقيت عليها أول نظرة، أنا عائد من ميدان القتال لم تكن عاصمة بلد يحارب في معركة حياة أو موت. كان كل شيء فيها كما تعودت أن أراه، سلاما هادئا يكاد يغفي من النعاس في بعض الأحيان. وأحسست بانقباض غريب في العاصمة المائجة بالحياة العادية، بينما إحدي سيارات التاكسي تقطع بي الطريق من ميدان المحطة الي منزلي. وحين اقتربت من بيتي أحسست ببعض العزاء.. فقد شعرت أن هناك بين أفراد الشعب العادي من يحس بالذي نصنعه في فلسطين، فقد رفض سائق التاكسي أن يأخذ الأجر الذي حسبه العداد وحاولت بشتي فنون المنطق أن أقنعه ولكن الرجل تمسك بمنطقه الطيب الساذج! لقد كنت في رأيه ـ كما لاحظ ورأي ـ عائدا من ميدان القتال، فهل يجوز له أن يتقاضي مني أجر الركوب؟ اقتربت أدخل من باب البيت بعد المناقشة الطويلة مع سائق التاكسي، وإذا العمال في بعض الورش والمحال القريبة من بيتنا يلمحونني وأنا في الطريق إليه، وكنت دائما علي علاقة طيبة بهم، يبدو أنهم افتقدوا غيبتي الطويلة في ميدان القتال، ومن يدري فقد يكون بينهم من ظن أني لن أعود أبدا وأشفق علي المصير الذي قدر لي أن ألقاه! وهكذا هرع اليّ جمع منهم.. بعضهم يسلم، ويعضهم يصفق، أو يقول كلمة تشجيع بسيطة في معناها ولكنها صادرة من القلب. وكانت أيام الإجازة الأربعة مشحونة! اتصلت بأصدقائي الذين كانوا في العاصمة، بينهم عبد الحكيم عامر الذي كان قد عاد ليدخل المستشفي لكي تجري له عمليه جراحية في إحدي يديه بعد إصابتها بشظية وتلوثت الإصابة في ميدان القتال. والتقيت بحسن إبراهيم. ومررت علي رئاسة الجيش أتنسم الأخبار، وسمعت معلومات عن معدات جديدة في طريقها إلينا. ولقد صدقت أماني ما سمعت.. ولكن عقلي كذب التجربة الواقعية التي عشتها في الميدان.. وأصر علي التكذيب! في أول يوم العيد.. كان لا بد أن تنتهي إجازتي. وذهبت في الصباح مع ابنتي هدي الي حديقة الحيوانات ثم عدنا الي البيت لكي أحزم أمتعتي، وأقول لأسرتي مرة ثانية: وداعا! ثم استقل القطار في اتجاه جبهة القتال.. أعود الي الميدان الذي كنت قد تركته منذ أربعة أيام. ولم يكن هناك شيء قد تغير فيه. كان تماما كما تركته. سلم وسط الحرب.. وحرب وسط السلام! وبين السلام الضائع الحرب الضائعة، كانت خنادقنا تعيش في حيرة خطيرة. وعدت الي ظلال المعسكر المهجور! وعدت الي النجوم المتلألئة أنام تحتها! كل ليلة في غرفتي التي لا سقف لها! وأقضي الساعات أتأملها في ارتفاعها الشاهق فوقي. وأسرح بأحلامي بين أفلاكها! ومرت الأيام.. وفي صباح الخميس 9 ايلول (سبتمبر) دعينا الي مؤتمر في رئاسة القوات، هناك علمنا أن كتيبتنا سوف تتسلم خطا جديدا هو الخط بين عراق المنشية وبيت جبرين. وسبقت كتيبتي الي الخط الجديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية